مقالات

القوى المتسلّطة تحضّر بجدّ للموجة الساحقة من الانتفاضة

أنطوان سعد
إذا كانت الطغمة الحاكمة متّكلة على الثلاثين مليار دولار التي صرّح حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بوجودها في خزائنه في مؤتمره الصحافي الأخير لصرف رواتب الموظّفين في القطاع العام وتسديد ما تبقّى من المستحقات الأجنبية على لبنان في العام 2019، فإن مصادر مطّلعة تتساءل ما إذا كان الحاكم سيقدم على هذا الأمر ويزيد من مخاطر المجازفة بودائع اللبنانيين، من أجل تغطية سلطة سياسية تضيّع الوقت وتتنكّر لمسؤوليتها عن تردّي الأوضاع المأساوية وترفض الإقرار بالواقع الجديد الناجم عن الانتفاضة الشعبية.
إذ، كما هو معروف، إن مواد قانون النقد والتسليف اللبناني، على ما ذكر الدكتور غسّان العيّاش في كتابه “وراء أسوار مصرف لبنان”، الصادر عن دار سائر المشرق (ص 84)، تحظّر منح قروض للدولة إلّا في ظروفٍ استثنائية ضيّقة. وخارج هذه الظروف نصّت على أنه “باستثناء تسهيلات الصندوق المنصوص عليها بالمادتين 88 و89 من قانون النقد والتسليف فالمبدأ أن لا يمنح المصرف المركزي قروضًا للقطاع العام.”
يقف وراء هذا المنطق رغبة المشرّع في حماية ودائع المودعين لدى المصارف، فالقانون نفسه يلزم البنوك بإيداع ما نسبته اليوم 15 في المئة من الودائع التي في حوزتها لدى مصرف لبنان كاحتياط في حال تعثّرت المصارف. من هنا فإن إقراض الدولة من البنك المركزي يعني في شكل غير مباشر أنه قرض من ودائع اللبنانيين.
وبحسب مصادر عليمة وثيقة، فإن الحكومة تريد أن تستلف من مصرف لبنان، أي من ودائع اللبنانيين، هذا الشهر 750 مليار ليرة، ومليار و900 مليون دولار قبل نهاية العام، لتضاف إلى الديون السابقة البالغة نحو 90 مليار دولار، وهي ستون بالمئة منها بالليرة اللبنانية وأربعون بالمئة بالدولار الأميركي. وإذا كان حلّ تسديد الديون بالليرة اللبنانية ممكنًا نظريًا بأي لحظة عبر القيام بطبع الكمية المطلوبة منها مع ما يعني ذلك من انهيار النقد اللبناني، فإن مشكلة السلطة، الحقيقية، تكمن في إمكانية تسديد الدين بالدولار الأميركي. وهذا ما يعنيه في الواقع تراجع ثقة الأسواق العالمية والتصنيف الائتماني بلبنان وانهيار قيمة السندات اللبنانية.
في المقابل، إذا لم تستلف الحكومة المستقيلة المال من مصرف لبنان فمن أين ستدفع الرواتب والمستحقات المالية بالعملة الصعبة التي أصبحت العملة المستحيلة؟ فاللبنانيون نتيجة عدم فتح المصارف وخوفهم من المستقبل القريب والبعيد وتوقّف الأعمال والعجلة الاقتصادية وخفض الرواتب في المؤسسات التي لم تصرف بعد أُجراءها، يحجمون عن دفع الرسوم والضرائب المتوجّبة عليهم. كما أن شركتَي الهاتف الخليوي اللتين كانتا ترفدان الخزينة بالدولار الأميركي بدأتا باستيفاء بدل خدماتهما بالليرة اللبنانية. ومن الطبيعي أيضًا تتراجع قيمة فواتيرهما بنتيجة توقّف النشاط الاقتصادي وتراجع المداخيل.
بكلام آخر، إن زيادة المديونية وعدم المبادرة الفورية إلى معالجتها بالطريقة الواجبة وإضاعة الوقت في التجاذبات السياسية ومحاولة الاحتفاظ بالسلطة التنفيذية بأي ثمن، ستسرّع من أجَل ضياع مدّخرات اللبنانيين بالدولار وانهيار قيمة مدّخراتهم بالليرة اللبنانية لا بل النظام المالي والاقتصادي والمعيشي اللبناني برمته. وفيما كان التساؤل في السابق جائزًا عن موعد الانهيار وترجيح حصوله بعد أشهر أو سنوات، فإن التساؤل قد أصبح: هل ستنهار الشركات والمؤسسات ويصبح مئات الآلاف عاطلين عن العمل بعدما قرر أغلبها خفض الرواتب بنسبة 50 في المئة أسرع من انهيار النظام المصرفي؟ لا أحد يملك جوابًا دقيقًا عن هذا السؤال، لكن انهيار الاثنين بات على قاب قوسين أو أدنى.
رأى اللبنانيون ردّ فعل الجمهور الغاضب الذي أنزله وضع ضريبة على الواتساب، ولكن لا يمكن تصوّر رد فعل من لم ينزلوا بعد، ممّن يعيشون من فائدة مدّخراتهم أو لا يزالون يتقاضون رواتبهم، عندما يفقدون إمكانية الوصول إلى مدّخراتهم ويتأكدون من أنها تبخّرت أو عندما يتقاضون نصف الراتب الذي كان أصلًا لا يكفيهم. وماذا سيكون رد فعلهم عندما يُصرفون من أعمالهم من دون تعويضات أو يصبحون من دون تعويضات وتغطية صحية من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي المعرّض بدوره إلى انهيار في زمن غير بعيد.
إنها الموجة الثانية من الانتفاضة التي تعدّها الطغمة الحاكمة المستهترة بنفسها، لنفسها وضد نفسها، بعدما أمعنت في الاستهتار باللبنانيين وبتجاهل نداءاتهم المتواصلة ومطالباتهم بالحياة الكريمة. لقد بلغ مستوى الطمع حدًا بات فيه التغوّل غباء سيطيح بالجميع بعدما بلغ السيل الزبى، رغم أن أحد الزملاء يعتقد أنه في هذه الحال سيستفيق اللبنانيون ولن يجدوا أحدًا من السياسيين في منزله في لبنان. والويل سيكون لمن لا يجد له مقعدًا على الطائرة أو زورق.
لدى طرح سؤال على الوزير والنائب السابق بشارة مرهج عن سبب عدم اكتراث المسؤولين لما يجري في الشارع وعدم التجاوب مع المطالب البديهية للّبنانيين وتجنّب الانزلاق إلى ما هو أدهى، أجاب: “إن السلطة مشغولة بنفسها وبكيفية استثمار الأوضاع الاستثنائية لمنافعها الذاتية، فالجلوس على المقاعد الوزارية يجعل المرء منفصلًا عن الواقع وعرضة لأن تتحكّم به نشوة الحكم والتحكّم بمقدرات البلد، فلا يعود يشعر بآلام الناس ومعاناتهم بل بالقوة، وبأنه بمنأى عن المساءلة والمحاسبة.”
أنطوان سعد
الإثنين 18 تشرين الثاني 2019

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق