اقلام

ضو… ضو… هي الكلمة الأولى التي قاله الرضيع.

ضو… ضو… هي الكلمة الأولى التي قاله الرضيع.
أقذفوا بهذا المقال نحو أسفل الصفحات
في جمهورية العتمة المخلّعة الأبواب والنوافذ.

الدكتور نسيم الخوري

نعم. تصوّروا .. أقسم. أوّل كلمة تلفّظ بها حفيدي الفاروق كانت: ضو.
ينظر الى السقف ويقول: ضو…ضو. ضحكوا وصفّقوا في الأرجاء، لكنني دمعت. 
أي صفةٍ يمكن أن نقصف بها حرّاس جمهورية العتمة ؟
يمكن أن تنشّف مياه البحر المتوسّط لو كانت حبراً في توصيف ما عجزت عنه سياسات الحكومات المتعاقبة في حلّ مشكلة الإنارة وأخواتها في لبنان. هذا مثال فظيع.. والأمثلة في الإهمال والفساد دمغة الخراب الداخلي… 
لا تسألوني بعد عن مستقبل لبنان عبر حيتان العشوائية والخرائب في الداخل!
أفهم أن يتعب أو يملّ أو يميل العرب ببصرهم عن نصوصنا في الفساد أو صرخات الإستغاثة في لبنان وآخرها سمعت أصداؤها في الخليج، لكنّ أشقاءنا العرب غارقون بخرائب الربيع العربي. وكلّهم يتندّرون بقصصنا وقصص أحزابنا وحكّامنا ولنعترف أننا مزعجون ومنفوخون وثقيلون ومجرمون بحقّ وطننا وأحياناً كثيرة بحقوق أشقائنا الذين أحبّوا ويحبون بلدنا. 
قد أفهم تماماً أن ينزلق مقالي من الصف الأوّل الثاني إلى أسفل الجدول في زاويا الصحف والمواقع، وأحزن كثيراً لهذا الإنهيار الذي وصل إلى مجرى الحبر في أوساخنا وجنوننا معترفاً بأنّ الواقع الشديد المرارة الذي يصرخ بالوصول إلى حافة الدماء والحروب الداخلية والمستوردة التي لم نصحو منها بعد، هي التي تحدّد مجدّداً وجهة الحبر في قدسية التغيير الشامل، لا رأس الكاتب ولا نواياه، خصوصاً إذا لجأنا للمقارنة بين دولة لبنان وأية دولة أخرى. 
وهنا قصّة بسيطة تظهر لبنان دبلة بمعنى عالة وكارثة لا دولة واعية ناضجة: 
بعد أسبوع من ولادة إبنتي البكر في باريس، قرعت موظفة البريد تسأل عن زوجتي: قلت بذكورية عربيّة: أنا زوجها ماذا تريدين. إعتذرت وقالت بتهذيبٍ جمّ: أريد السيدة مي. خرجت الزوجة وفتحت الموظفة حقيبتها وراحت تعدّ لها نقداً مبلغاً من المال كمساعدة إجتماعية، بعدما هنّأتها بالمولودة والسلامة. مهرت الزوجة توقيعها بإستلام المبلغ وقالت: الدولة الفرنسية بخدمتك مدام في كلّ لحظة. 
وقبل أن تغادر شكرتها وسألتها: 
أنتم في فرنسا تعتمدون الشيكات المصرفية ، لماذا دفعتم هذه المساعدة نقدا لزوجتيً؟
أجابت: لأننا نتصور بأن الأم المرضعة ربّما لا تستطيع أحياناً الذهاب إلى المصرف لصرف الشيك لأنّها قد تكون وحيدة من دون زوج أو قريب إلى جانبها، ولهذا تفكّر الدولة بوضعها وصعوبة تنقّلها فتسهّل أمرها للحصول على حاجياتها في الأسابيع الأولى بعد الوضع، على الأقلّ.
هل إهتمّت دولة لبنان المنفوخة بأطفالها الرضع؟
يكفيك أن تمرّ اليوم، أمام من يحرق نفسه أو يصرخ من جوع أمام المصارف يتكدّس أمامها وكأنهم على أبواب النهايات وعمارات الجحيم في لبنان، لتفهم تماما معنى الفساد والفاسدين والحكم والحاكمين في هذا البلد المنحدر نحو أدنى فصول البؤس. رجال بعدد أصابع اليد يتلوون مع نسائهم وعائلاتهم وأحفادهم كومة لصوصٍ فوق غربال الفساد وباتوا مع جماعاتهم في الضوء يلمعون بذهبهم المسروق سقطوا بالمعنى الوطني والأخلافي الشريف تحت ذلك “الغربال” الذي كتب عنه الأديب ميخائيل نعيمة بحثاً عن الفروقات بين الغث والسمين.
قصّة ثانية: 
سألت الرئيس الدكتور سليم الحص يوماً أطال الله بعمره المثال الوحيد فوق الغربال، وكنت إلى جانبه مع قلائل في منبر الوحدة الوطنيّة، بعدما أسّس “المنظمة العربية لمكافحة الفساد”، سألته عن السرّ الذي دفع الحكومة اللبنانية لأن تمنحه بسرعة غير مألوفة الترخيص بالمنظّمة، أجاب بظرافته المعهودة:
رشوناهم. 
وإبتسم ببلاغة مختصراً فصول الهزء والإحتقار لتحالف النهب بين أهل السياسة وأهل المصارف والمال والإدارات الرشمية متلحّفين بالطائفية فوق أسرّة المذاهب ووسائد المحاصصة والإنهيارات والتهريب. يسرقونك ويهاجمون الفساد وأنت تتحرّك جائعاً ضدّهم في الساحات ضد السرقات والفساد!!! رقعة الفساد المتأصلة أمامنا هنا بأحجامها الصغيرة والكبيرة والعابرة للقارات يمارسها الداخل والخارج ويتباهى بمحاربتها السياسيون والمواطنون الى درجة يبدو الترقيع والهدوء سخيفاً في مقارعة المستحيلات في لبنان. 
تلك هي كوارث الساحات التي تسمّى أوطاناً والمفتوحة على الدنيا حيث لا أبواب أو نوافذ للدخول والخروج. من يقدر على الفصل بعد بين داخل وخارجٍ في الوطن المشرّع غير…. 
ليس هدفنا تكرار ملخصّات التقارير التقويمية لمكاتب الأمم المتحدة في مكافحة الجرائم الدولية وفي مقدمها ظاهرة الفساد الأكثر انتشاراً في صفوف الطبقة السياسية التي تستنزف موارد لبنان المالية، وتحدّ من النمو الإقتصادي، وتحبط عزيمة الكفاءات، وتعمق الهوة بين الأغنياء والفقراء. لنقل بأنها حكومات متعاقبة كان همّها الوحيد المصالح الخاصة وبناء القصور وإيداع الأموال المسروقة في الحسابات الخاصة في الخارج ونهب الثروات وجعل لبنان وطناً كاسداً بمرافقه ومؤسساته على قارعة الطريق لا يقبل أحد بشرائه إلاّ القطاع الخاص وبأبخس الأثمان.
يمكن للكاتب أن يسترسل معتذراً عن حبره الشاكي الى ما شاء الله في تعداد حكايات الرشاوى والهدايا ومحاباة المتنفذين للأقارب والأصدقاء والصديقات والموالين والمنتفعين والزاحفين والواقفين على الأبواب، وفي تعداد أساليب التحايل من أجل التهرب من دفع الضرائب وتحويل السلطات في لبنان وكالات حصرية بين السياسين والتجار حيث استغلال السلطة والنفوذ والكسب غير المشروع، وإيصال التجار ورجال الأعمال عن طريق الدفع الخيالي بهدف تمثيل الناس في البرلمان الذين يقبضون في مجملهم أثمان اقتراعهم عدّاً ونقداً وهذا ما جرّ الى الإلحاح على التشريعات التي تصبّ في مصالح من هم في السلطة بحيث يسهل اختلاس الأموال العامة والإبتزاز وتجاوز القوانين والتلزيم غير المشروع للعقود ومصادرة الأملاك العامة. ويمكن للقراء العرب والأجانب أن يسألوا مع اللبنانيين أهل الحكم في لبنان إن كانوا يصدّقون فعلاً أنهم باقين حكّاماً فعليين ولو أقفلوا آذانهم محاولين تلفيق الثوب المهتريء في الحكم والإدارة . 
إنّ حفراً كبيرة يقع فيها لبنان، وقد يكون من المستحيل الإهتداء إلى كيفية إضاءة المستقبل بعدما تراكمت العتمة في الجمهورية البلا جمهور التي ستقذف بهذا المقال السخيف العاجز إلى اسفل الصفحات.

أستاذ في المعهد العالي للدكتوراه

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق