اقلام

لبنان بين بايت Bits الثورة وبيوت الحكّام وقصورهم وفسادهم

الدكتور نسيم الخوري
يكاد الحراك في لبنان بفتح الحاء لا بكسرها كما درجت العادة في التلفّظ الخاطيء بها لغوياً يكسر الكثير من الأشياء ويخلطها إلى حدود تعرية المسافات والفروقات الفاضحة بين جيلين وثقافتين في لبنان.بين مجتمعات “البيت” بمعنى المنزل Home القديم/الثابت/الديني/الطائفي/العائلي/الكاذب/السارق/الغارق بالفساد والمحشو بالتقاليد والوجوه المتكرّرة المهدّلة الصفراء المتشبّثة بالأساطير الجهنمية في علكة التوافقية واالوحدة المخلّعة مقابل مجتمعات “البايت Bit” بمعنى قوة جيل الأولاد والأحفاد والصبايا والشباب أبناء الكومبيوتر الذي فتح نوافذ لبنان والأذهان عبر طاقات الصفر والواحد للدخول في منظومات الترقيم الثنائي في العصر الحالي. صار الطفل الصغير في القرية النائية يفهم ويفصح ويتجاوز بحضوره حاكماً كهلاً منذ ما قبل الميلاد يتأبّط الدنيا وقد أكلته الشيخوخة ويبس اللسان والعقل والسلوك والحكم.
“البايت” Bits مفتاح الثورة التواصلية والإتصالية والتغييرية اللامتناهية في قياس المعلومات وتمثيلها ورسمها ومعالجتها وتطبيقها ونقلها ونشرها بواسطة ال”كودات” أي الرموز إلى حقائق وألعاب وتطبيقات وصور وفيديوهات وجمل طفحت بها أزمنة العصر في المنازل والقصور والأعمال والشوارع والساحات والمظاهرات، وكأنّ لبنان يتوه بين لغتين ودينين وفكرين وسلوكين ومظهرين بعدما أصابته بنجاحٍ هائل صدمة التواصل الثوري باسطاً شاشاته المفتتة وإجتماعياته المتناقضة ومظاهره المتباعدة ومشاغله المتوحدة في تبادل الكلام والتحديات وعدم التراجع ولو عبرالتغييرالدردشي والمظاهرات وقطع الطرقات بأجساد الشابات والشباب تحت المطر والثلج والبرد. كيف نجمع شعباً متوحداً ثائراً لا يكلّ يجد لذته القصوى في الثورة بشعبٍ مفكك فاسد طائفي مدمن على اليباس خائف من التغيير؟
للثورة هنا هوية ثقافية لافتة في سيول أمطار ورعود من التعابير والنصوص والصور والفيديوهات والمتراكمات الناقدة النافرة تقفز فوق كلّ حدّ ، وللثورة المضادة، بالمقابل، ألبستها البالية السميكة المضمّخة بالسرقات والثروات والخوف المضمر من التغيير واللجوء إلى الدم والإضطهاد والقمع والسجن والموت والخراب التي تفشل قطعاً في وجه الحياة. ثقافات متباعدة متكارهة لا تنسج وطناً وهويات متعددة لا تنتج مجموعة علاقات واضحة نابعة من ذاكرة تاريخ نقدي يصوّب ويحض على التغيير بهدف نسف التناقضات المعقّدة التي تشلّ لبنان. صارت المسألة ثقافة اللقاءات المتنوعة في خرائب وطنٍ أعدمه الآباء بخرفهم وصمتهم وجنونهم ويحتضنه الأبناء في أزمنة إنهيارات المعامل والمصانع والرتابة والجيوب الفارغة والمصارف العصية القاتلة والصمت المريب.
لم يسترسل التعبير في ثورات “الربيع العربي” بحريته إلاّ في الخفاء والخفر لأن الكلمة بقيت ماثلة كمقصلة أحياناً كثيرة تنتظر الخارج والدم. تتحرّر الكلمة في الخارج البعيد وباللغات كلّها وخصوصاً الأجنبية، مع الإشارة إلى أنّ الذين إنتقدوا حكامهم وأنظمتهم ومجتمعاتهم حتى من بعيد عبر ما تتيحه الحريّة البسيطة لهم في عصر الفضاء كانوا يحلمون بالسلطة الجديدة عبر إلإبهام وطمس أسماءهم ولربما كانوا يوصدون أبوابهم خوفاً من ملاحقتهم وإغتيالهم حتّى ولو كانوا في أقاصي الأرض. في لبنان كلمات الثورات منتقاة تقلع التغيير من السلم والمحبة لا من العنف.
اللغة في فم السلطة مرتخية ملفوظة، مهادنة ملتبسة غامضة وسخيفة وعصية على الفهم السهل، لا جديد فيها متعثرة لا تصل لأنها تنسج أثواباً خطابية لا تقول جديداً في تغطية واقعٍ متوتّر وخطير ومهتريء يتفجّر برغبات التغيير التي ترفض تهمة التغيير المستورد عبر الغير مهما كان هذا الغير أميركياً روسياً إيرانيا سعودياً فرنسياً إلمانياً. هناك، على الدوام، أمراض تصيب جسد الكلام اللبناني القديم الذي يدور بألسنة مكروهةٍ لا يفهمها اللبنانيون ولا تفهمها معهم الشعوب الأخرى كونها لغات غير شعبية مخاطية لن تجمع رأساً من القرون الوسطى وآخر من القرن الواحد والعشرين فوق وسادةٍ وطنية واحدة.
تبدو خطب الحكام عندنا مثل الآلة الصدئة عاريةً من تاريخها وأبعادها وتجاربها التي ولدت من أرحامها أي أنّها مقطوعة من عالمٍ بعيد. وتستعمل الكلمات والخطب الثورية،أحياناً وكأنّها أزياءً للعصرية والمباشرة التي قد توحي للكثيرين بالمؤآمرات والإستيراد، هذا ممكن، لكنّ السلوك غالباً ما يتجاوز التعبير وتسقط الأقنعة التي تقود إلى الرقص التعبيري وإنتفاضات الجسد ولذّة التعارك مع رجال الأمن والتي يقذفها طغاة الفساد بأزلامهم مزوّدين بالسباب وبالشتائم والعصي وحرق الخيم والتهديد بالموت وفتح سجلّ الشهداء للثورة في لبنان. وهنا لا عودة إلى الوراء.
لم يفهم أسياد الأحزاب واليباس والفساد بعد في لبنان أنّ إمكانيّات التحوّل والتطوير والتجديد والتثوير وتحدياته تخرج من أرحام النساء في لبنان لا من خارج ولا من القشور اللفظية أو التزينيية الجميلة الرائعة بالأعلام والفنون والأفكار البارعة وحسب. يتداعى لبنان القديم مهما بلغت المكابرة على أيدي الشباب والنساء والصبايا اللواتي كسرن الصور النمطية وتجاوزن البريق والإغراء الذي تحمله الأشكال التحديثية للثورة اللبنانية في تميّزها عمّا تحشوه ذاكرة السلاطين القشيبة. لن يموت الأبناء ولو كان هناك إختلاط ألسنة وأفكار وجذور متنوعة هائلة تدمج العقائد والإيديولوجيا والدين والسياسة بالثورات وهذا مظهر طبيعي يفتح الزمان اللبناني على خلع ديانة الآباء وعقائدهم في الحكم وبسط ديانة الأبناء.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق