.

نتنياهو وصناعة نصر وهمي.. الطُّعم المسموم

أحمد فؤاد

تمنح إعادة قراءة التاريخ الدموي الأميركي فرصة نادرة، في هذه الأيام بالذات، لفهم طبيعة ومبادئ الشخصية الصهيونية، وقدرًا من الضوء الإضافي المفسر لأولوياتها في صراعها المشتعل ضد المقاومة الفلسطينية والعربية، ومنهج الحكومة فائقة الإجرام التي تجلس في هذه اللحظات على كراسي الحكم، ولا تملك إلا الاندفاع الواسع نحو مزايدات وعنتريات على حساب الدم الفلسطيني، رغم أزماتها الداخلية القائمة.

الدم العربي في الواقع كان هو مفتاح ارتقاء أو بقاء الحكومات في كيان العدو، لا فرق لديهم بين يمين ويسار، ولا بين حمائم أو صقور، منذ بن جوريون مرورًا بمناحم بيجن ثم شامير وشمعون بيريز وشارون ونتنياهو، الجميع يؤمن أن الطريق إلى رئاسة الوزراء تمر عبر جثث العرب وعلى دمائهم، وهم في هذا لا يتفقون فقط، بل ويصفعون كل تعريفات النظم الرسمية البلهاء لهم، ويقدمون من جديد الأزمة العربية واضحة محددة دقيقة، وهي أن وجود الكيان معناه المباشر الخصم من حقنا في المستقبل، أي مستقبل.

في مواجهة كل مأزق وأمام أية لحظة أزمة، كان التاجر الأميركي الشاطر يجيد تسويق الوهم إلى مواطنيه، وعبر الصور الزائفة والدعاية المركزة وروايات الكذب الفاضحة، كان يستطيع أن يبدل هزائمه الواقعية بانتصارات مجلجلة، وأن يخلق الأسطورة من ضباب السقوط، ويصنع لشعبه وللعالم المتفرج أقاصيص تنازع في خيالاتها الجامحة أعظم ما قدمت الميثولوجيا الإغريقية من خرافات.

سلسلة أفلام المقاتل الذي لا يقهر “رامبو” وغيره تبدو كشحصيات مستوحاة بالكامل من شخصية “هيركليز” اليونانية القديمة، لكن ببزة عسكرية أميركية وفي زمن معاصر، كان البطل يحقق المستحيل في “فيتنام” التي شهدت أسوأ هزيمة في التاريخ الأميركي الحديث وأبعدها أثرًا، وعاد فيها 360 ألفًا إلى قارتهم جرحى أو في نعوش، لكن العالم الأسير لهوليوود لم يعاين الذل الأميركي على يد الفيتكونغ الآسيوين، لكنه ابتلع الطعم المسموم، وصدق أن جنديًا واحدًا كان يفتك بالألوف من المقاتلين الشيوعيين في فيتنام.
وقبل فيتنام كانت معارك المحيط الهادئ هي الأخرى ساحة للأكاذيب والتلفيق الأميركي، بحثًا عن انتصار من قلب جحيم اليابانيين واستماتة جنودهم –حتى في ظل التفوق العددي والتقني الأميركي- والتقط مصور وكالة أسوشيتدبرس جو روزنتال أشهر صورة في التاريخ الحربي بجملته، رفع العلم فوق جبل سوريباتشي في جزيرة إيوجيما، وهي واحدة من أكثر الصور استنساخًا عبر العصور، وظلت عنوانًا للتفوق والقدرة الأميركية ورمزًا للجبروت الذي تمتلكه آلتها العسكرية والتي لا تحلم قوة غيرها بمضاهاتها، ورغم أن السنوات اللاحقة شهدت نوبة ضمير لبعض المشاركين فيها، واعترافات بأن الصورة مصطنعة بأسلوب مخرجي السينما، إلا أن الكذبة استمرت ثابتة في الأذهان، ليس لدى الأميركيين فحسب، وإنما للعالم كله.

هذا بالضبط ما يحاول الكيان إعادة تمثيله، بعد معركة غزة الأخيرة “ثأر الأحرار” فإن الأزمة الوجودية طغت على سطح أي حديث عن مستقبل بقاء الكيان واستمراره، وتآكل أكذوبة الردع الصهيونية قد بات واقعًا أمام بأس المقاومة وامتدادها وصبرها، وجبهة واحدة مفتوحة على الكيان قد حققت الشلل الكامل في قلبه ويبست أطرافه.
بالتالي كان على حكومة المجرمين أن تبحث عن انتصار ما، مهما كانت التكاليف أو المخاطر، يقنع جمهورها المهزوم أن العنف والفاشية والإرهاب هو السبيل الأوحد لمواجهة المقاومة، وإذا كان اليأس يعني هزيمة محققة لأي مجتمع فإن الأمل يمنحه القدرة على البقاء ويهبه العزيمة للاستمرار في الصراع.

جاءت “مسيرة الأعلام”، يوم الخميس الفائت، كتعبير عن رغبة خارقة في تحقيق أي شيء، فكيان العدو يقوم بهذا العمل منذ الهزيمة العربية في حزيران 1967 وسيطرته على مدينة القدس، اهتمام إعلامي لافت، ومشاركة رسمية وحكومية فيها، وتوفير جيش صغير بلغ عدده أضعاف المشاركين في المسيرة ذاتها، وقبل المناسبة كان الكيان قد شن حملات واسعة في الأراضي الفلسطينية، شملت اقتحامات عدة لجنين ونابلس ومدن الضفة الغربية، وجولة من القتال لأيام مع غزة، بما شكل تهيئة للأرض واستعدادًا لها.

ما يمكن قوله هو إن الكيان يمرر الوهم إلى شعوبنا العربية، فالمسيرة السنوية لم تبدأ هذا العام تحديدًا، وهي ليست جديدة، لكن الجديد هو أن كيان العدو الهش قد جعل من رفع أعلامه في منطقة يحتلها منذ نصف قرن انتصارًا ضخمًا وحدثًا فارقًا، يحاول أن يجبر كسور جبهته الداخلية، ويصدر لنا إحساس الهزيمة ومرارتها وآلامها.

إن أبهى اللحظات العربية قد شهدت أصدق مقولة وأكثرها انطباقًا على الواقع، عقب انتصار أيار 2000 المذهل، أول وأعظم انتصار عربي أمام كيان العدو، كان سماحة السيد حسن نصر الله يقسم في بنت جبيل أن “إسرائيل هذه أوهن من بيت العنكبوت”، أن النصر ممكن والنصر قريب والنصر واجب.

إن الشعوب العربية الحية، أي التي تراهن على المقاومة، هي القادرة وحدها على صناعة هذا النصر، والشعب الفلسطيني لم يثبت طوال 75 عامًا هي فترة وجود هذا السرطان على أرضه سوى أنه يستطيع قلب كل المعادلات، وكسر كل الخطط التي يراد لها أن تربطه أو أن تحطمه، في هذه الظروف من الواجب أن نقول إننا نقدر وإننا نثبت، وإن قرار المقاومة اشتباكًا أو هدوءاً هو العنوان الملزم لنا، وإن حكومة الكيان وجيش الكيان لم يثبتا شيئاً سوى بؤسهما وعجزهما وفشل خياراتهما وضيق الأرض من تحت أقدامهما.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Generated by Feedzy

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock