اقلام

وماذا بعد الاعتداءات الإسرائيلية؟ بقلم أحمد رفعت يوسف

وماذا بعد الاعتداءات الإسرائيلية؟

بقلم أحمد رفعت يوسف
*********
مع كل عدوان إسرائيلي على سورية ترتفع حدة الغضب في نفوسنا، وتغلي الدماء في عروقنا، خاصة وأن هذه الاعتداءات بعد ضرب مطاري دمشق وحلب تجاوزت الخطوط الحمراء حتى بموجب القوانين الدولية، التي تعتبر مثل هذه الاعتداءات جريمة حرب تعاقب عليها هذه القوانين.
ومع كل عدوان وعلى وقع الغضب يرتفع الصراخ وتتطاير الأسئلة لماذا لا نرد؟.. وأين الحلفاء والأصدقاء الروس والإيرانيين والمقاومة؟.
بالتأكيد من حق المجتمع السوري، وكل حريص ومحب لسورية طرح هذه الأسئلة، خاصة وأن ما تتعرض له سوريا هو على علاقة مباشرة مع الحلفاء والأصدقاء ونحن من يدفع الثمن.
لكن في لحظة هدوء الغضب، وعودة لغة العقل، تتوارد أسئلة أخرى قد تكون أهم من الأسئلة الأولى أبرزها؟.
• هل نحن جاهزون عسكريا واقتصاديا لرد قد يجرنا إلى معركة قد تكون شرسة مع العدو الصهيوني؟.
• وهل من الحكمة أن نوجه ضربة – قد تكون مؤلمة للعدو الصهيوني – دوان حسابات لما بعد هذه الضربة؟.
• وهل نحن جاهزون لخوض معركة شرسة مع العدو الصهيوني قبل تأمين جبهتنا الداخلية أولا ومحيطنا الإقليمي ثانيا؟.
• وهل نستطيع خوض معركة بدون التنسيق مع الحلفاء والأصدقاء؟.
هي أسئلة مشروعة ولا بد منها، ولمعرفة جوابها لا بد من قراءة الوضع على الساحة السورية وفي محيطها.
فسورية تتعرض لعدوان شرس لا يزال مستمراً منذ أحد عشر عاما دمر كل شيء، واستنزف قوانا وتجهيزاتنا العسكرية وفي مقدمتها الدفاع الجوي، والذي كان الهدف الأول للعصابات الإرهابية وبإشراف مباشر من أجهزة الاستخبارات الصهيونية والغربية، وكانت هذه المهمة منوطة مباشرة بأجهزة الاستخبارات الفرنسية، وليس سراً أنه أصبح لدينا فجوة في هذا الموضوع، وصحيح أنه يجري ترميمها ولكن الأمر ليس بهذه البساطة.
كما أن العدوان على سورية لم يتوقف ولم ينتهِ، حيث لا تزال العصابات الإرهابية تتواجد في العديد من المناطق السورية، وهناك العملاء من قسد، وكل هذه التنظيمات تعمل كمخلب شيطاني لتحالف العدوان الصهيوني الأمريكي الغربي، وجاهزة للعمل والتحرك فور وردتها الأوامر.
كما تعاني سورية من احتلالات أمريكية وتركية، وتشكل قاعدة التنف أهم محطة لتقديم الدعم اللوجستي للعدو الإسرائيلي، وبالتأكيد ستكون جاهزة للعمل المباشر مع أي صدام سوري إسرائيلي.
أيضاً محيطنا معظمه عدو، حيث أن التركي يصنف اليوم عدو يحتل جزءا من أراضينا، ويرعى معظم العصابات الإرهابية الموجودة في ادلب والشمال السوري، وهو عدو غدار لا يؤتمن جانبه، ولن يتردد بأن يكون أشرس في عدوانه من الكيان الصهيوني إذا ما اقتضت مصالحه ذلك، والنظام الأردني عميل فاقد الإرادة تماما، ومعه تحول الأردن إلى قاعدة أمريكية جعلت الجيش الأمريكي رسمياً على حدودنا، ولبنان الرسمي بتركيبته الهشة لا يختلف عن النظام الأردني، وهو فاقد الإرادة أيضا، ونرى بأم العين كيف أن معظم الاعتداءات التي ينفذها العدو الصهيوني تكون من فوق الأجواء اللبنانية، والعراقي ليس بأفضل منهما كثيراً.
وأيضا لا يمكن أن ننسى حالة سوء الإدارة، والفساد المرعب الذي ينخر في جسد الدولة والاقتصاد والمجتمع السوري، والذي لا يقل خطراً عن أي عامل عدوان خارجي.
إن التفكير الهادئ بهذا الوضع يجعلنا نصل إلى الجواب الأكيد وهو بأننا لسنا جاهزين للرد، وأي خطأ في الحسابات قد يكلفنا كثيراً.
أما السؤال الأهم بعد كل هذا الكلام.. هل هذا يعني أننا فاقدون الإرادة والقدرة على العمل والتحرك؟.
وهل هذا يعني أننا سنبقى نتلقى الاعتداءات المتكررة على بلدنا ومرافقنا الحيوية والاقتصادية والخدمية؟ وإلى متى؟..
أعتقد أن الإجابة على هذا التساؤل تحتاج إلى بعض التوضيح ..
فبداية قدر سورية – سواء أحببنا أم لم نحب – أنها تقع في قلب العالم، وفي أهم موقع جيوسياسي عالمي، وعلى خط الصدع والتماس في الصراعات بين الدول العظمى والامبراطوريات، ولذلك كانت بلاد الشام دائما هي مؤشر صعود وانهيار الامبراطوريات والدول العظمى على مدى التاريخ، ولذلك سيبقى الصراع الشرس عليها، وهذا الأمر يجعل موقعنا أحيانا نعمة وأحيانا نقمة، وما يجري في سورية اليوم مرتبط ارتباطاً وثيقاً بهذه المكانة والموقع والدور لسورية، ومرتبط أيضاً بكل ملفات ونقاط الاشتباك التي نراها في المنطقة والعالم، وفي الصراع الشرس لتحديد موازين القوى والقوة الإقليمية والدولية، لأن سورية تشكل بيضة القبان في كل هذه الملفات والصراعات، ومن ميدانها تتحدد مساراتها واتجاهاتها ونهاياتها، وشكل العالم الجديد الذي يتشكل.

هذا بالتأكيد لا يعني أنه يفقدنا القرار والإرادة، كما هو الحال في لبنان والأردن ومصر على سبيل المثال، وعلى العكس تماما، هو يعطينا قوة كبيرة في القرار والفعل، بدليل القدرة المذهلة وغير المسبوقة في التاريخ التي أظهرتها الدولة والشعب السوري في معركة الصمود والبقاء، لكن هذا يجعل معركتنا تحتاج إلى تنسيق وعمل مشترك مع الأصدقاء والحلفاء الذين وقفوا معنا ويتشاركون معنا في المواجهة مع تحالف العدوان، لضمان الانتصار في أي معركة نقرر خوضها.
فإدارة المعارك والحروب والصراعات خاصة في منطقة حساسة كمنطقتنا عموما وسورية خصوصا، تحتاج إلى عقل بارد، يراقب ويدرس ويهيئ ويستعد ويقرر ماذا يفعل ومتى يرد وكيف يرد؟ وعلى هذه الإدارة تتقرر نتائج أي حرب أو صراع، وأي خطأ في الحسابات قد يكون مكلفاً، وقد تنهار معه دول وأنظمة، أما الإدارة الجيدة فتضمن الانتصار، والذي قد يكون في بعض مراحله من النوع الذي يغير مجرى التاريخ وهو ما نتوقعه.
هنا لا أدعي بأنني في موقع يتيح لي الاطلاع المباشر أو غير المباشر على القرار السياسي أو العسكري، لكن من السهل قراءة ما هو معروف من مؤشرات ومعلومات.
فما نعرفه جيداً أن يوجد شيء اسمه غرفة عمليات المقاومة، والتي تضم كافة أطراف حلف المقاومة وفي مقدمتها سورية، وبالتأكيد هذه الغرفة غير بعيدة عن الصديق الروسي، وربما يكون في قلبها بشكل أو بآخر، أو يجري التنسيق معه بحسب ما تقتضيه الظروف والحسابات.
وما نعرفه أن هذه الغرفة هي التي أدارت وبكفاءة عالية، حرب التصدي للعدوان الشرس على سورية منذ بدايته ولا تزال، ونجحت نجاحاً غير متوقع في إدارة هذه الحرب، وبشكل أدى إلى رد العدوان والحفاظ على الدولة السورية ومؤسساتها قائمة، رغم أن المخطط كان يستهدف إسقاط الدولة السورية والسيطرة عليها.
ومن خلال هذه المعطيات والمؤشرات نستطيع التأكيد، أن هذه الغرفة لا تراقب فقط العدوان الإسرائيلي، وإنما الأمريكي والتركي وما يجري في كل الملفات الساخنة وارتباطاتها الإقليمية والدولية.
وما نعرفه أيضاً أن هذه الغرفة اتخذت قراراً بإخراج الأمريكي من كامل منطقة شرق المتوسط وغرب آسيا، أما هدفها الاستراتيجي ليس فقط الرد على عدوان إسرائيلي هنا أو هناك، وإنما خوض معركة لاقتلاع الكيان الصهيوني من جذوره.
ولذلك فإن الرد على أي عدوان إسرائيلي لن يكون بطريقة ضربة بضربة، أو صاروخ بصارخ، ومطار بمطار، وإنما برد تكون نتيجته عنوان يقول “كان هناك إسرائيل”.
هناك عبارة استخدمتها في عدة مقالات وتعليقات تقول بأن “كل ما تقوم بهد إسرائيل يسجل في حساب مفتوح، وعندما يأتي أوان فتح هذا الحساب ستدفع فيه إسرائيل ثمن كل ما ارتكبته من اعتداءات” ليس في مطاري دمشق وحلب فقط، وليس خلال العدوان الشرس على سورية، على مدى حوالي أحد عشر عاماً، وإنما منذ نشوء هذا الكيان.. وإن غداً لناظره قريب.

أحمد رفعت يوسف

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock