اقلام

أيصرخ التاريخ ، مجدداً للدماء؟

أيصرخ التاريخ ، مجدداً للدماء؟

 

الدكتور نسيم الخوري

هذا اللبنان الهزيل الصامت الخنوع تحت كوابيس سياسييه واقتصادييه ومصارفييه وسارقيه وخبرائييه ومخربيه بقلوبٍ وعيون وقحة لا تغمض من زجاجٍ وجمرٍ وفولاذ… ووووو….تراهم يتلذذون ببؤس شعوبهم الطائفية الضامرة الجائعة باعتبارها مزق مرمية فوق الأرصفة، أو بطوناً خاوية ضامرة تحت مكاوي نيران التجّار وكلاب الدولار وعشاقه وعشيقاته وراقصاته وفنّاناته ومطرباته وباراته ،

مسكين هذا اللبنان ما زال يسترقّ نتائج الإجتماع الخُماسي (الفرنسي الأميركي السعودي المصري القطري) في باريس في 7/2/2023 بين كلمة تذهب وأخرى تجيء ، مع أنّ الكرة عادت قنبلةً فارغة فوق ملاعب الداخل محشوةً بارتدادات زلازل ريختر المتلاحقة. هذا إجتماع سياسي كواليسي تقني خارجي لا قيمة له وهو حاصل ويحصل كلّ يوم ولا يمكنني أدراجه لا في خانات التفاوض ولا المساومة ولا التوصيات ولا الحلول ولا الحوار ولا توضيب القرارات المؤجّلة المستوردة. لا يعنيني ولا يليق بنا بقدر ما يلهينا ويُعمينا عن النار التي راحت تهبّ في قلب الدار.

أوّلاً فليُضاعف الحبر سواده ، ولنمسح الدمعات والأحزان والقلوب المُتعبة عن مشاهد الزلازل من إنطاكية وتركيا وسوريا وبلدان سائر المشرق إلى المغرب العربي، ولنرصد “تفشّيات الذعر والضياع في وسائد اللبنانيين وخطاهم وضياعهم السحيق.

أراني انسحب نصف قرنٍ إلى الوراء نحو عام 1972 التي نتذكّره رحماً راح يصرخ بالحروب والهروب نحو حفر القبور أو توضيب الحقائب نحو تسلّق سلالم الطائرات والإرتماء في غرائب الإغتراب.

وأمامي ثانياً، موسوعة من 5 أجزاء غلافاتها خضراء، عنوانها: “سلسلة الوثائق الأساسية للأزمة اللبنانية” في 2112 صفحة ، لمؤلفها عماد واكيم. تتضمّن 704 وثائق يمكن التذكير بها كواجب وطني يتجاوز الكيديات المذهبية التي ينغمس فيها المسؤولون متناسين التاريخ الدموي العنيف والتدميري. لا يُقيمون وزناً لمستقبل وطنهم المُحبط في الداخل والخارج، ولا يتلمسون ذاكراتهم وقد دمغتها الحروب المقيتة وحقائق التاريخ الرهيب الذي كابده اللبنانيون من ال1973 حتى 1989 وهم يمطّون نزاعات الماضي والإنشقاقات مجدّداً مستعيدين ملامح وطنٍ  أكثر شراسةً وخراباً .

أناشد الزعماء والسياسيين مهما اختلفت مواقفهم تصفّح الموسوعة التي تغلّف تواريخ ضحاياهم والدمار. تكفي المقارنة بين عناوين الموسوعة بأجزائها الخمسة لتمهر مقالك وعقلك بتاريخ يُعيد نفسه مُضاعفاً وبمؤشّرات واضحة أمامك. كنت وما زلت أنصح بها طالباتي وطلاّبي كسفرٍ من أسفار التوبة الأبدية في لبنان، لكنه السفر الممزق.

جاء الجزء الأوّل بعنوان “ملامح الأزمة وانفجارها والدور الفلسطيني والدور المحلي 1973….” في 176 وثيقة بالغة الأهمية، وتضمن الجزء الثاني بعنوان “الأدوار الإقليمية في لبنان 1973….” 175 وثيقة، أما الجزء الثالث بعنوان “الأدوار العالمية….” ففيه 98 وثيقة، وحوى الرابع بعنوان “مواقف الأطراف ومشاريع الحل…” 129 وثيقة. أمّا الجزء الخامس والأخير فحمل عنوان :”الحوار في سبيل الحل 1975- 1984″ أي 9 سنوات من التفاوض العقيم المحلي والإقليمي والدولي في 126 وثيقة تهدف كلّها لتخليص اللبنانيين من جحيم الحروب التي دمّرت لبنان وأسماها الأستاذ غسّان تويني رحمه  الله ب”حروب الآخرين على أرض لبنان” صارخاً في وجه الأمم :” دعوا شعبي يعيش”. كانت دهوراً لا سنيناً من حروب ودماء لم تبق ولم تُذر، لكنّ بذورها بقيت مخزّنة داخل الرؤوس الحامية الصوّانية إيّاها في وطنٍ صغير شرّع الأبواب والجبال والصدور نحو كلّ خارج. تُطرح البذور السوداء مجدداً وبطثافةٍ في الأرض وتُروى منهم جميعاً وأراها تبزغ من جديد لتدمير هذا “النونو” المسكين وتجرف مستقبل أجيالنا الطريّة بناتاً وأولاداً وأجنّة من بطون الأمهات.

حاولنا ثالثاً، مجموعة من المواطنين تذكير بعض السياسيين بهذا السفر التوثيقي الدقيق والخطير خوفاً مما هو آتٍ لأنه سيكون أضعاف أضعافٍ لما كنّاه وعشناه. حاولنا دفش أحجار المطاحن السياسية والإعلامية الثقيلة لفكّ عقدة إنتخاب رئيس جديد للجمهورية في لبنان ، لكننا وجدنا أنفسنا سجناء أفخاخٍ مهدورة متواصلة بالأشواك والأحقاد إلى طوفانٍ من النصوص والأفكار والمواقف المقصودة التي لا تقول شيئاً لكنها حافلة بالتناقض والرفض والأنانيات والكيديات والإنشقاقات والإدعاءات المرضية ورسم الفيالق الهائلة المتورّمة  والتآمر العام بين مجموعة معروفة خطأ بالمنظومة لأنها متعددة المشارب والمواقف والمذاهب يتبعها بعض برلمانيين ورؤوساء كتل برلمانية وزعماء أحزاب طائفية ومرجعيات دينية ومذهبية وأجيال شبابية متلاصقة ومتفرّقة ومتصلبة المواقف بينما الأسلحة تكدست خلف الأبواب والمخازن ويتكدّس القتال في الحناجر….. والخطى والخطب.

كلّ فريق يُظهر لجماعته وللعالم بفوزه وبأنّه الأقوى والأحق إنطلاقاً من متانته وتأسيساً على نقاط الضعف لدى الفريق الآخر الذي يجب أن ويبقى خاسراً ولكنّه يكابر على إظهار النجاح. هكذا تختلط الهويات المتناقضة مجدداً بعيداً من الحوار والتسويات والتحكيم البعيد عن مناخات الحوار والمصالحة لتتراكم الإستحالات ويفقد التفاوض معانيه بما يظهر الخصم أبداً في مواقع السقطة والدونية والتشويه في عالمٍ مجنونٍ لا تعنيه الملفات والحجج والأسانيد المتقابلة بل يغالي بانتظار الكلمة بل الإشارة الدولية السريّة عبر سبابةٍ لطالما تمرّست بحكّ الرؤوس الفولاذية وتحويل لبنان حقل حروبٍ مدمرّة ومريرة فقد اشتاق التاريخ للدماء واشتاقت الأقلام لتجديد  الوثائق واجترارها في الموسوعات حتّى الأبد اللبناني.

 

أستاذ مشرف في المعهد العالي للدكتوراه

عضو الهيئة العليا للإشراف على الإنتخابات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى