.

المعاملات العقارية أسوأ مشاهد الدولة

لطيفة الحسيني

قد يكون الاهتراء هو التوصيف الأدقّ لحال الدوائر العقارية في لبنان. قطاعٌ مليء بالمشاكل والعُقد والشكاوى يزيد من تعاسة المواطنين في ظلّ كمّ المصاعب التي يخوضونها يوميًا. جبل لبنان تُعتبر الدائرة الأكبر على صعيد البلد والأكثر تضرّرًا جراء الأزمة الاقتصادية المُستفحلة. حدودها تلامس طرابلس والبقاع وتتوزّع على عدّة أمانات من بعبدا الى عاليه والشوف وجونيه وصولًا الى الزلقا. إنجاز المعاملات فيها بات حُلمًا صعبَ المنال، واذا ما تحقّق قد يستغرقُ سنواتٍ عجافًا.

2019 وبدء المِحنة

بخلاف دوائر صيدا وصور ومرجعيون والنبطية وبيروت وطرابلس وبعلبك، دائرة جبل لبنان العقارية ثابتة على شلَلِها. الحديث عن الأسباب يطول، والخلاصة لا تقود الى أمل بالتغيير، أقلّه في القريب العاجل. مصدر مطّلع على أحوال الدوائر العقارية يُفصّل لموقع “العهد” الإخباري أصْل المعضلة في دائرة جبل لبنان، فيوضح أن “الأزمة تعود الى عام 2019، انخفاض سعر الدولار حينها دفع الناس الى الإسراع في تسجيل عقاراتها وعقودها على السعر القديم والاستفادة من الرسوم المنخفضة، ما أدّى الى حصول تضخّم كبير في حجم المعاملات”.

بحسب المصدر، جائحة “كورونا” وتوابعها وتوقّف العمل في كلّ المجالات أثّر أيضًا على نشاط الدائرة، ورواتب الموظّفين المتدنية أدّت الى إضرابات مُتتالية استمرّت لأشهر توقّف بموجبها التسجيل العقاري في جبل لبنان.

الى جانب هذا، تبيّن أن العمل بوتيرة بطيئة بنظام يوميْن أو ثلاثة أسبوعيًا لا يُلبّي حجم الضغط ولا يُنجز العدد الهائل للمعاملات المقدّمة. الأسباب لا تقف عند هذا الحدّ، فحاجة الدائرة الى المازوت الذي تعتمد عليه بشكل أساسي لتشغيل مبناها وحواسيبها والنظام المعلوماتي فيها عرقل سير العمل، وأضحت أيام العمل القليلة أسبوعيًا معطلة بسبب انقطاع هذه المادة.

وبناءً على ما يقوله المصدر، تفاقمت المشكلة مع ارتباط الدوائر العقارية والمالية بنظام معلوماتي مركزي في بيروت، فيكفي أن يتوقف النظام المعلوماتي عن العمل، ليتعذّر عمل باقي الدوائر في أمانات السجل العقاري وتتعطّل تلقائيًا.

استحالة استئناف العمل

12 ألف معاملة مُقدّمة ومتراكمة في دائرة جبل لبنان تنتظر البتّ بها، غير أن إنجازها قد يبدو مستحيلًا. التأخير والطوابير والتعقيد الإداري تزيد المشكلة. المصدر يؤكد هنا أن عدد الموظّفين الضئيل جدًا لا يستطيع إنجازها حتى لو تأمّنت المحروقات، ولا سيّما بعد توقيفهم جميعًا قضائيًا بتهم رشاوى وفساد إداري، في إثر شيوع أجواء سوق سوداء لتخليص المعاملات مقابل مالية.

صحيحٌ أن جزءًا منهم أُخلي سبيله لكن هذا لا يكفي. المعلومات تستبعد استئناف نشاط دائرة جبل لبنان نتيجة توقيفات الموظّفين، على الرغم من الاجتماعات التي عقدها وزير المال يوسف خليل بهدف استنئاف العمل في الدوائر العقارية. هذه الرغبة باتت صعبة التحقّق جراء عزوف ورفض الكثير من الموظّفين العودة الى العمل بحجة إهانتهم ما تسبّب بأزمة شغور في الدوائر، حيث لم يتقدّم جزء كبير من الموظفين بطلبات الى المديرية العامة للشؤون العقارية لاستئناف العمل، ما يُفسَّر على أنه استقالات ضمنية.

مُراسلة الى مديرية الشؤون العقارية

معطيات المصدر تجزم بعدم واقعية الإعلان عن افتتاح الدوائر العقارية مجدّدًا، إذ لا وجود لمقوّمات العمل. وعليه، يكشف أن اجتماعًا عُقد في الدوائر العقارية وقدّمت كُتبٌ من أمانات السجل العقاري لمديرية الشؤون العقارية مضمونها أن لا إمكانية لفتح الدوائر فعليًا اذا لم تُحلّ معضلة الشغور التي طرأت على هيكلية الموظّفين (قلم إداري/ رئيس المكتب/ أمين مستودع/ قلم عمومي/ محرر على الصحيفة/ مدخل معلومات/ موظفو الكومبيوتر الذين يصدرون الإيصالات)، واذا لم تُحلّ أزمة النقص في التجهيزات والمستلزمات من محابر وورق وقرطاسية، وكذلك اذا لم تحلّ مسألة تعطّل النظام المعلوماتي بشكل متكرّر.

وفي هذه المُراسلة، طُلب تأمين مادة المازوت وحلّ مشكلة المولّد الخاص بالدائرة العقارية الذي اذا تأمّنت له المحروقات لا يعمل.

ويوضح أن استمرار إقفال الدوائر العقارية يُضرّ بالمواطنين ويعرقل شؤونهم ويُضرّ بالخزينة اللبنانية، ويؤدي الى تجميد سوق العقارات جراء عدم تسجيل العقارات والعقود والسندات بسبب تقلّبات الأسواق والقوانين والرسوم والموازنات.

جلب موظّفين مؤقّتين؟

الخشية اليوم على ما يورد المصدر أن يتمّ استبدال الموظّفين الرافضين للعودة الى العمل في الدوائر العقارية بموظّفين مؤقّتين من جمعيات NGOS، على غرار ما يُحضّر في إحدى الوزارات في بيروت حيث هناك 60 متدرّبًا من هذه الجمعيات يستعدّون للعمل في بعض الوظائف مقابل 20$ كبدل عمل يومي.

الأزمة مُتشعّبة

ليس بعيدًا، للمهندس الاستشاري والمطوّر العقاري وليد جباوي رأيه في ما يجري عقاريًا، إذ يعتبر أن “الدوائر العقارية مشلولة تمامًا اليوم ومشكلتها مُعقّدة ومُتشعّبة”.

يُرجع جباوي في حديثه لـ”العهد” الأسباب الى أكثر من عامل سلبي:
الأزمة الاقتصادية المستمرة،
تدهور العملة الوطنية،
الوضع السياسي العام الذي يؤثّر على حركة الاستثمار في البلد،
انخفاض العمل بالعقار وانخفاض الثقة بقدرة الحكومة على توفير الاستقرار،
القيود على رأس المال؛ فالمستثمرون اليوم يعتمدون على التمويل المصرفي والمؤسسّات التي تُموّل المُطوّرين العقارييين،
البيروقراطية (الهيكلية التي يقوم عليها تنظيم السلطات الإدارية وتوزيعها) الموجودة في الدوائر العقارية، والمواطن جاهل بآلية تسجيل العقارات أو الشقق.

كذلك يُشدّد جباوي على أن عدم انتخاب رئيس للجمهورية من العوامل التي تنعكس بشكل غير مباشر على سوق العقارات، بموازاة الفساد المستشري في إدارات الدولة الذي يؤثّر أيضًا على حركة العقارات والعمل في هذا القطاع.

الرسوم العقارية بعد عائدات المرفأ

ووفق جباوي، المطوّر العقاري والمواطن لا يثقان بإمكانية إنجاز أيّة معاملة قبل مرور سنتيْن على تقديمها، مع العلم أن أرباح ورسوم الدوائر العقارية تأتي في المرتبة الثانية بعد عائدات مرفأ بيروت لناحية رفد خزينة الدولة.

يؤكد جباوي أن “الذهاب لإنجاز معاملة عقارية هو إجراء بيروقراطي من الطراز الأول”، ويضيف “هناك إذلال واضح لدى الانتظار لساعات وأيام من أجل الانتهاء من هذه المهمّة منذ بداية تسجيل المعاملة وحتى ختامها، ما يُحتّم على الدولة اتخاذ اجراءات من شأنها أن تُسرّع في إتمام العملية وليس تعقيدها بأنظمة مضى عليها سنوات”.

على الرغم من كلّ هذا المشهد السوداوي، يُلاحظ جباوي أن “حركة الاستثمار في البلد في تحسّن، وخاصة أن الدولار بات متوفّرًا وهذا أمر إيجابي”.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى