اقلام

الديك “المنتوف” الدكتور نسيم الخوري

الديك “المنتوف”
الدكتور نسيم الخوري

يكتب اللبنانيون ويرسمون ويتبادلون المقالات أو القصائد والشتائم والإشارات قائمين قاعدين في “الواتس أبّات”، بما يملأ الشاشات والأعمار في عصر الكوكبية لا العولمة، وفي اليوم التالي تسمع عن صحافيين وكأنهم نازلون من السماء بأناقاتهم وسآلتهم أو صحافيات “يطلّقون” بيوتهم ورجالهم ونسائهم وعائلاتهم، ويحمل الذكر أو الأنثى منهم لا فرق سيجاراً يستدين ثمنه ، ويرفع واحدهم عبسةً مصطنعة فوق جبينه تُذكرنا بماركس ولينين أيام العز الشيوعي في لبنان، ويتأبّطون كتباً وصحفاً لا يتصفّحوها إلاّ أمام المقاهي التي لم تعد جاذبة المارة والزبائن إليهه لأن الدخول إليها يجعلك مجذوباً لما هو مكتوب أمامك من أسعار، وقد لا يجد من يطلب إلتقاط صورة معه أو الحصول على توقيعه من السياسيين والإعلاميين سوى التمتمة بالشتائم.
كانوا يمكثون أعمارهم في المقاهي وفوق الأرصفة وأطفالهم بحاجةٍ إلى علبة حليبٍ أو “نونيّة”، وزوجاتهم مشنوقات غاطسات حتّى قمم رؤوسهن، يبحثن عمّن يسعفها مشترياً لها ولو “أوقيّةً” من اللحم في لبنان ال”منتوف”.
غالباً ما كانت وتكون النتيجة الصراخ… فالطلاق…والتنظير في الشوارع والزوايا عبر الخلوي بحسنات الطلاق والعزوبية والحرية والإستمرار بأكل الفلافل، وحولهم أو خلفهم أجيال من النزلاء النازحين الذين ما عادوا يمتهنون الإستعطاء ولا يفترشون الأرصفة، بل يمتلكون لبنان وأصحابه وبقاياه. لبيكِ يا بيروت …لبيك يا بيروت…لبيك يا لبنان الأخضر….
لنشكر ونصلّي أعزائي وعزيزاتي بعودة الكورونا وفي هذا تخفيف لمخاطر تدفق الذريّة والتناسل الشغّال والتي قد تكون أرحم من القنابل النووية. يا لرحمة الخالق إيّاكن المغادرة وليتكن تنتصرن على اللقاحات القادمة من الصين إلى أبناء الصرّافين والصرافات في لبنان.
عزيزتي الكورونا .
عودي إلينا بسرعة. أهلاً أهلاً. حتّى القبلة صارت قبراً، لكنّ الحفيد المولود قبل تشريفك تتمّ تربيته من بُعد في عصر العولمة بالإشارات والصراخ على شاشات الخلوي تماماً مثل القرود التي أصابها الجنون. رحمات الله على روحك يا صديقي الحميم تشارلز داروين.
أعذرنا. كان الحقّ معك بالرغم من بطش السلطات الدينية ورجال الدين وألبستهم الذهبية فهم لبنانيون ووكلاء الله على الأرض وفي السماء لا لمئوية واحدة بل للألاف السنين وصكوك الملكية مدسوسة في الألسن والعظام. كلّ جمعة وأحد يتدفقون بالخطب والمواعظ نفسها.
نعم هم وحدهم سفراؤك الذين يرسلوننا إلى السماء، لا أهل لنا ولا أقارب ولا أصدقاء…
أدرت زرّالتلفزيون إذن.فأطلّ علينا إعلامي يقدّم برنامجاً مع إبنته وراح ينادي:
يلّلا فرنسا، يلّلا أميركا، يلّلا إلمانيا، يلّلا الفاتيكان ويلّلا البابا( كيفك بابا إشتقنا) يللاّ المجموعة الأوروبيّة،
يلّلا العراق وسورية وإيران وتركيّا واليمن وفلسطين وروسيا والصين و”إسرائيل”،
يلّلا السعودية والإمارات ومصر وقطر والسودان وأثيوبيا…
وفهمت من نداءات الإعلامي أنّه سيقدّم لنا برنامجاً ليليّاً “لوك جديد” بحثاً عن رئيس ٍ جديد كما البحث لكشف مواهب أبنائنا وبناتنا والمستقبل بعد أن يمنحهم أسماءً جديدة أوروبيّة، فقلت: الآن فهمت معنى الحروب وكوارثها بين أن يكون لبنان بلداً عربيّاً أو ذو وجه أو لسان أو غمزة أو جيبةٍ عربيّة….
وتذكّرت الرصاص عند وصولنا إلى شقّة مستعارة لتاجر حبوب سوداني شيوعي في قريطم هرب عندما علقت قرب قريطم. نعم قريطم لماذا تفتح أذنيك وعينيك؟
قريطم؟ نعم وكنّا نبعد خطوات عن رفيق الحريري وقصره، حتّى أنّنا كنّا نسمع صوته وضحكاته وصوت عميق نومه، وصفّارات حرّاسه، وكان معنا بطاقة جار يُسمح لنا بالدخول والخروج إلى بيتنا من دون أي اعتراض من الحواجز. وكنّا نستيقظ وننام على أبواق موكبه ولربّما كان اللبنانيون في أقاصي القرى يصطفّون أمام شاشاتهم كي يسمعوا أو يروا الذي قلت له مرّةً: يا جار لن يبقى لك في كتاب التاريخ سوى كلمتين: شقّ الطرقات وبنى القلاع والحصون. أجابني: يعني مثل محمّد علي؟
أجبت بنعم مغلّفة بابتسامة.

قال: القلاع ما في قلاع ولا حصون. كلّوا موجود في الخارج. ما كانوا يعرفون أو يرون مثله سوى في الشاشات والأفلام السينمائيّة. كان وعداَ وأغنيةً.

كلّ الذين دار اللبنانيون حولهم وصفّقوا لهم وأطلقوا النار في الأعالي إذ ابتسم زعيمهم أو شفي من نزلة برد قتلوهم قتلاً شنيعاً ولم يبق سوى بقايا أزلامٍ يتقاتلون مثل الديكة التي لا ريش لها في الشاشات وقد طار الريش من جسد لبنان. لا مجال للتعداد ورائي متناولاً الطوائف والمذاهب اللامنتهية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى