اقلام

مقال من خارج المألوف للشيخ توفيق علوية: هل محورية الفرد هي الاهم ام ان محورية المجتمع هي الاهم ؟

الشيخ توفيق علوية : كاتب وباحث اسلامي له العديد من الكتب التي تناولت نمط الحياة السلوكية من منظار ديني، اضافة الى مشاركته التلفزيونية ببرامج هادفة تعزز الحوار الديني بين الاديان،


هل محورية الفرد هي الاهم ام ان محورية المجتمع هي الاهم ؟ هناك اطروحات عديدة حول هذا الموضوع الاجتماعي الحساس ، ولكن من الواضح اننا ننحاز الى النظرية التي تتحدث عن ضرورة تكاملهما معا على نحو المعية لانتاج مجتمع سليم ينحل الى افراد يعيشون في ظل مجنمع سليم ، فهذا لا نقاش فيه.

وانما موضوعنا حول التأثير اي هل الفرد يؤثر على المجتمع ام ان المجتمع هو الذي يؤثر على الفرد ؟ بالغالب المجتمع هو الذي يؤثر على الفرد ويهيمن على ذاته وصفاته وافعاله وسلوكياته ويفرض عليه نمطا حياتيا معينا ، ولهذا نجد ان اغلب الافراد يتبعون قالبهم الاجتماعي مظهرا وجوهرا ، واذا كان المجتمع صالحا فيصلح الفرد وبالعكس ان كان فاسدا ، وقد ينفلت عن هذه القاعدة مجموعة افراد بنحو كلي او جزئي الا ان القاعدة هي هذه بما لا مزيد عليه.

اننا اذا رجعنا الى المجتمعات الشرقية نجد ان الافراد في ظل الانظمة لا قيمة لهم وربما يتم التضحية بهم في سبيل الهرمية الاجتماعية والنظم السياسية والاقتصادية وما اشبه ، ففي ظل مئات الافراد او الاف الاشخاص او ملايين الافراد لا قيمة لراي فرد او فردين او حرية فرد او فردين او حتى لوجود فرد او فردين في حال التعارض مع ما يسمى المصلحة العامة او النظام العام او التيار العام وما اشبه ذلك ، بينما نجد ان الامر ليس كذلك في مجتمعات اخرى تعطي الاهمية والقيمة للفرد ولا تسحقه ولا تكبسه ولا تطمسه لاجل الهرمية العامة فربما كان احد هؤلاء الافراد يمتلك مؤهلات عظيمة تنفع السياق العام والوجود العام اكثر من ملايين الافراد !! ولهذا اذا طالب ثلاثة افراد في بعض المجتمعات بقانون خاص بهم فلربما وجدوا عند انظمتهم اذانا صاغية حتى لو كان مطلبهم غير متقبل وغير مالوف بل ومخالف للنمط الاجتماعي المتواجد عندهم ، وقد راينا ان عدة دول تدرس تشريعات خاصة لافراد قلائل لديهم مطالب خاصة وربما تصادق عليها ايضا ولا تدرسها فحسب . ومما يضحك الثكلى في يوم حزنها ويبكي العروس في يوم فرحها ان الكثير من المجتمعات والانظمة عندنا التي تضغط على الفرد بل وتسحقه من اجل المصلحة العامة والنظام العام ربما تفعل ذلك بمجتمع باكمله ويكون المقصود بالمصلحة العامة والنظام العام الحاكم نفسه او الزعيم ! وايضا تفعل ذلك وبعد ذلك تقول عن الزعيم او الحاكم بأنه امة في رجل وفرد بمجتمع باكمله بل بشعوب وما اشبه ، واذا درست احوال هذا الحاكم او هذا الزعيم نجد انه ليس لديه اي قيمة ذاتية وانما اكتسب قيمة اعتبارية من السلطة والحكم وما اشبه ذلك من العرض الزائل.
من جميع ما تقدم ندرك صوابية القول بان الفرد له قيمة وللمجتمع له قيمة وينتج عن تكاملهما منظومة انسانية سليمة.
اما عن تأثير الفرد بالمجتمع وبتغيير مجتمع باكمله فهذا ممكن وواقع ، وهو يعود الى مدى قوة الشخصية الفردية وجامعيتها لصفات مميزة ، وقد حفل الوجود بنماذج عدة من هذا الطراز الرفيع ، ولم يقتصر الامر على القادة الدينيين وانما تحقق ايضا على يد قادة غير دينيين ، نعم لان للشخصية الدينية عدة ابعاد في خطابها ومشروعها فإن تاثيرها كان اقوى واوسع ، ولهذا تم التعبير مثلا عن الرسالة المحمدية بأنها ليست مجرد سفارة الهية وانما هي ثورة انسانية عامة احدثت تغييرا عاما في الوجود وما زالت متألقة ومتوهجة.
ومن هذه الشخصيات التي كان لها تاثير تغييري حقيقي بمجتمع باكمله بوصفها صاحبة قيمة ذاتية لم تكتسب قيمتها من عرض زائل من قبيل سلطة ومال وما اشبه ، الامام السيد موسى الصدر اعاده الله بخير.
فهذه الشخصية تمتاز بمجموعة من المميزات التي تكشف عن جزء من شخصيته لا عن كامل ابعاد هذه الشخصية ، ومن هذه المميزات : ( الانسانية المتجذرة ) .
ولا ادري سر هذه الشخصية المميزة للامام السيد موسى الصدر التي استطاعت اختراق كل العوائق والاطر والقوالب الاجتماعية والدينية والبيئية والجغرافية والديمغرافية لتعيش الانسانية بطريقة عيش طبيعية غير مصطنعة ، فمن المعلوم ان هناك من يرفع شعار الانسانية العامة في الظاهر وصرف الصورة العابرة لكل الطوائف والاديان والمذاهب والملل والنحل ، والانتماءات والاصطفافات وما اشبه وماثل وناظر ، بينما هو لا بعيش الانسانية في الواقع والحقيقة ، وانما بعيش خصوصاتبه الفكرية والذهنية والدينية والمذهبية بدوائر خاصة ، إما بدائرة دينه ، واما بدائرة مذهبه ، واما بداىرة فكره واتجاهه السياسي ، لكن الامام موسى الصدر كان يعيش في عمق ذاته الانسانية بأبعد مدياتها ، ومن منطلق عيشه للانسانية لمس من كان حوله وفي زمانه انه كان بعلاقته مع كل انسان يعيش العلاقة المتجردة عن كامل خصوصيات هذا الانسان ، فيجرده عن دينه وطائفته ومذهبه وتوجهه الفكري والسياسي ويتعاطى معه كانسان بطريقة طبيعية غير متكلفة ، وقد قيل في بعض الدراسات ان احد وظائف العقل التجريد ، فيستطيع العقل تجريد الشجرة مثلا من الاغصان والثمار والاوراق ويقول : هذه شجرة . كما يسنطيع التركيب فيقول : جبل من ثلج . وكان الامام موسى الصدر في طريقة تعاطيه ونظرته للاخر عقل وظيفته تجريد الاخر من خصوصياته والتعاطي معه كانسان . وقد تحدث غير واحد عن هذه الخصوصية اي الانسانية المتجذرة في عمق اعماق شخصية الامام الصدر منها قضية المسيحي الذي كان يبيع المثلجات في صور ، ومنها الحديث عن المحرومين بلا اي تمييز بين محروم واخر ، ومنها ما فاض عنه حول كرامة الانسان والانسان في مؤلفاته ، وبالعموم فإن محورية الانسان من ارقى تجليات الظاهرة الصدرية ، فمجرد ان يرى الانسان فلا يوجد اي مانع يمنع من التفاعل معه وفتح كل قنوات اجهزة الاستقبال البشري ، وهناك قصص كثيرة عن الامام موسى الصدر وانسانيته مع الانسان وأنسنة الانسان بالعموم ومنها انه قال لبعض المسيحيين الذين كانوا قد رهنوا بعض اراضيهم وكانوا يخشون مرور مشروع العاصي عليهم فتذهب اراضيهم المرهونة : انكم ستبقون هنا مع اراضيكم التي تزرعونها وتتعهدونها ، ولهذا ورد ان من جملة من تلقف خطابه في قضية المحرومين هم اهل عرسال ، وهذا دليل على انه اعاده الله نجح في اختراق بنيان الطائفية والمذهبية .
انسانية الامام الصدر دعته الى تشييد مؤسسات وطنية وانسانية وجعلها في طور الوجود بعدما كانت في كتم العدم ، فان تبني حينما لم يكن ييني اي احد ، وان تواجه حينما لم يكن يواجه اي احد ، وان تاخذ موقفا حينما لم يكن اي احد ياخذ موقفا اي احد ، وان تحاور حينما لم يكن يحاور اي احد احدا ، فهذه هي فرادة التاسيس للمؤمن لالانسانية ، هذه الفرادة انما تليق بالامام السيد موسى الصدر الذي حاز هذه الفرادة بكل جدارة
الامام الصدر بانسانيته عاش نبض الناس في لبنان فانتقش اسمه بالرغم من تقادم الايام والاعوام في صميم وجدان الناس على سبيل الدوام ، فالوجود الامتدادي للامام موسى الصدر من منطلق انسانيتخ حقق ولا زال يتحقق وسيبقى في كل انسان عاش ويعيش وسيعيش مبادئ وقيم الامام الصدر وحقق ويحقق وسيحقق بعض اهدافها ويعمل لتحقيق كل اهدافها ولم ينحرف عنها قيد انملة .
وقد فيل ان الشخص اذا احب عائلته فقد احب وطنه ، زاذا احب وطنه فقد احب الانسانية جمعاء ، وانسانية الامام الصدر ظهرت في تطبيقه العملي لعبارته المعروفة ( التعايش الاسلامي المسيحي ثروة يجب التمسك بها ) . انها عبارة عميقة ودقيقة وواقعية ومتحققة اكثر من اي شعار اخر حول مقاربة الموضوع المسيحي الاسلامي ، لانك ان احببت الاخر ام لم تحببه فإنك ملزم بالتعايش معه ، بينما عبارات من قبيل الحوار وما اشيه لا تعني الالزام ، فقد تحاور وقد لا ، بينما انت مضطر الى التعايش في بلد كلبنان الذي لا يتسنى لاحد ان لا يتعايش فيه مع الاخر حتى لو كان بعترف بوجوده ، والذي لا تساعد جغرافيته وديمغرافيته على التقسيم والفدرلة وما اشبه
في لبنان ومع تلك المفاهيم المعڨدة والملتبسة والشائكة بين المتدين وغير المتدين ، وبين المسلم والمسيحي ، والمسلم والمسلم ، والديني وغير الديني ، واذ بالامام موسى الصدر يخرق كل هذه التعقيدات والشائكات والحواجز والموانع فيدخل الكنيسة ويطرق باب غير المتدين ويجتمع مع غير الديني حول مشترك انساني ما ، وهكذا ينجح في حبك العلاقات حتى المعقدة منها ، وليس في لبنان وحسب بل حتى في الخارج ، فعلاقته الموطدة مع الرئيس الفلاني والفلاني والفلاني مشهودة ولاجل ماذا ؟ لاجل الانسان والقيم والوطن . وكشاهد حي على ما تقدم في ميزة حبك العلاقات انه اعاده الله شارك في تتويج البابا بولس السادس من خلال دعوة رسمية وكان رجل الدين الوحيد المدعو ، ومن المعلوم انه حينما تم دفع مبلغ من المال اليه هناك قام بالتبرع به لبناء احدى الكنائس .

توفيق حسن علوية
كاتب وباحث من لبنان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock