السياسية

فضل الله: نستهدي تطلعاته والعمل لايجاد حالة وطنية عابرة للطوائف


أقامت مؤسَّسات العلامة المرجع الراحل السيّد محمّد حسين فضل الله(رض) احتفالاً حاشداً في قاعة الزهراء(ع) مجمع الإمامين الحسنين(ع)، في الذكرى الثالثة عشرة لرحيله، بحضور حشد من الشخصيّات والفاعليات الدينية والسياسية والدبلوماسية والعسكرية والحزبية والثقافية والبلدية والإعلامية والاجتماعية على رأسها النائب أشرف بيضون ممثلا رئيس مجلس النواب نبيه بري، وزير الثقافة محمد وسام المرتضى ممثلا رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم ممثلاً الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، مفتي الجمهوريّة الشيخ عبد اللطيف دريان ممثلاً بالشيخ بلال الملا، الأب عبدو أبو كسم ممثلا البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، الشيخ عامر زين الدين ممثلا شيخ عقل طائفة الموحّدين الدروز الشيخ سامي أبو المنى، الشيخ حسن شاهين ممثلا المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، وزير الزراعة عباس الحاج حسن، ، النواب محمّد رعد، علي عسيران، جميل السيد، أسامة سعد، عبد الرحمن البزري، غازي زعيتر، امين شري، إبراهيم الموسوي، حسين جشي، رائد برو، فادي علامة، راني أبو حمدان، حسن عزالدين، المحامي نشأت الحسنية ممثلا عن الحزب التقدمي الاشتراكي، الأستاذ ربيع عواد ممثلا رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، الأستاذ طوني الحاج ممثلا حزب الكتائب ، السفير الإيراني مجتبى أماني، السفير الفلسطيني أشرف دبور، سفيرة السودان سارة ادريس، رئيس البعثة العراقية أمين النصراوي، ممثل عن السفير الروسي ، المستشار الثقافي الإيراني كميل باقر، العميد علي ناصر الدين ممثلا لقائد الجيش ، العميد حسين خشفة ممثلا مدير عام قوى الأمن الداخلي، المقدم إيهاب الديراني ممثلا مدير أمن العام وزراء سابقون: ناجي البستاني، عدنان منصور، فوزي صلوخ وحشود شعبية غصت بهم القاعة.
بدأ الاحتفال بتلاوة آيات من القرآن الكريم للقارئ الشيخ محمود المقداد، فالنشيد الوطني اللبناني، ثم قصيدة للشاعر نديم شعيب تلاها أناشيد لكورال المبرات من وحي المناسبة وقدم للحفل الشيخ حسن بشير.
وفي الختام القى العلامة السيد علي فضل الله كلمة جاء فيها: تتوالى السنون والأيام ويزداد الحنين إلى طلتك وابتسامتك وحنوك وعطفك ودعمك الذي كان يبعث فينا الأمل والتفاؤل، ورغم طول الغياب ما زلنا نتعلم منك، نتزود من كلماتك، ومواقفك، وننهل من معين علمك الذي لا ينضب، لا لأن الزمن تجمد عندك أو لأننا أدمنا في هذا الشرق أن نقدس من نحبهم، فأنت علمتنا أن لا نقدس إلا المقدس، بل لأننا لا نزال نراك بيننا، يعيش طيفك معنا وننهل من معين فكرك، ونجد عندك ما يخفف به آلامنا ونضمد به جراحنا وما يرتقي بنا إلى حيث ارتقيت، نجده في ما تركت لنا في الفقه والعقيدة والفكر والسياسة والاجتماع وفي دنيا الشباب والمرأة والطفل…
نستهديك في انفتاحك الرحب على الآخر كل الآخر، فأنت لم تغلق باب قلبك وعقلك وباب بيتك على أحد، كنت تقول للجميع: “القلب عندي مفتوح والعقل مفتوح والبيت مفتوح”، وحتى عندما بنيت المؤسسات عملت على قيام مؤسسات مرحبة بالجميع، ورأيت أن الانفتاح هو الذي يؤدي إلى تقارب القلوب والعقول، وهو الذي يمكن من تبادل الآراء والأفكار ويساهم في إزالة الهواجس والمخاوف ويؤمن الوصول إلى القواسم المشتركة، فيما الانغلاق والانقسام يغلق الباب على كل ذلك.
نستهديك في ثقافة الحوار التي نظرت لها وعملت لها، فأنت حاورت الجميع على صعيد الأديان والمذاهب والثقافات، ودعوت إلى الحوار بين الحضارات، لم تغلق هذا الباب على أحد إلا من أغلقه على نفسه.. أردته حواراً عقلانياً هادئاً بديلاً من لغة العنف والسب والشتيمة والكلام المستفز الذي مع الأسف، بات يتحكم بواقعنا وحواراتنا، ونشهده في إعلامنا وعلى صفحات مواقع التواصل عند الاختلاف.
نستهديك في وعيك للدين، فأنت لم تفهمه انغلاقاً وبغضاً وانزواءً عن الحياة وعن الآخر، بل رأيته انفتاحاً على الحياة وعلى الآخر، ديناً لا يمكن أن يصادم العقل الذي هو أحب الخلق إلى الله، ولا حقائق العلم التي هي قوانينه، فشريعة الله لا تصادم قوانينه.
نستهديك في حريتك، فقد حرصت أن تكون حراً في قرارك ومواقفك، لم تخضع للسائد والمشهور ولا للتهاويل من حولك، عبرت عن ذلك في الآراء التي التزمت بها في الفقه والشريعة والفكر وفي التاريخ وفي كل مواقفك وقراراتك، وعندما دعوت إلى مراجعة التراث الديني وأخضعت نصوصه للعقل والمنطق والقيم الأخلاقية والإنسانية وقيم العدالة وكرامة الإنسان التي جعلها القرآن الكريم قواعد لا يمكن المساس بها.
نستهديك عندما اعتبرت أن الأديان التي أرسلها الله جاءت لخدمة الإنسان، وقد أرادها أن تتكامل لا أن تتصارع، وأن تتعاون لا أن يعزل بعضها بعضاً، وإذا شهدنا صراعات بين الأديان فهي لم تكن من تعاليمها بل لخروج أتباعها عن قيمها وتحولها إلى أداةٍ للسيطرة.
نستهديك في الأمل المشرق الذي كنت تبعثه في النفوس، والتفاؤل الذي كنت تدعو إليه عند اشتداد الأزمات والتحديات… كنت دائماً تقول إن لم يسعفنا الحاضر لتحقيق الأهداف التي نريدها لاختلال موازين القوى فيه، فعلينا أن نتطلع بالأمل إلى المستقبل ما دمنا نلتزم الحق والعدل، فالله لن يترك من يعملون في هذا الطريق لن يدعهم وحدهم، نعم علينا أن نقوم بما يمكننا القيام به ولندع الأمور لرب العالمين.
إن الوفاء للسيد في يوم الوفاء له، هو بالإخلاص لهذا الوطن لبنان الذي أحبه السيد(رض) وعاش فيه ، للحرية التي ينعم بها ولتنوع الأديان الذي تميز بها، ولكنه كان يخشى عليه ممن يريدون العبث بصيغته ليكون دوراً بدلاً من أن يكون وطناً، بحيث يفقد معنى وجوده عندما يفقد الدور الطبيعي له وهو ما نخشى أن يكون ما قد وصلنا إليه، كان يخشى أن تتحول ممارسة الحرية بلا ضوابط والتي تتمتع بها الطوائف فيه إلى مشكلة له وللآخرين عندما تتفلت من هذه الضوابط حيث تتحول إلى تجمعات بشرية، تتعنون بعنوان الدين من دون أن تحمل قيمه، وتصبح المواقع الدينية التي هي صمام أمان للوطن ودليله إلى ما فيه الخير يداً طيعة لمن يتولون المواقع السياسية وأداةً من أدواتها.
كان يخشى على لبنان من نظام لا يعيش فيه الإنسان، وكان يقول: “أفكر بإنسان هذا الوطن، أن يعيش فيه إنسانيته التي تضمن حقوقه وتحدد مسؤوليته، لا لبنان الطوائفي الذي يتقاسم فيه رجال الطوائف المغانم والحصص…
ومن هنا، كانت دعوته في لبنان إلى دولة الإنسان الذي يحترم فيه الإنسان لإنسانيته لا لطائفته أو مذهبه أو موقعه السياسي.
لقد آن الأوان للعمل لإخراج البلد من هذا الواقع بكل جدية وإيجاد حالة وطنية جامعة عابرة للطوائف، حالةٍ تستعصي على كل محاولات التدجين والتطييف في حسابات الطوائف أو لحساب مشاريع خاصة.. لكن ذلك لن يتم ولن يحصل إن لم يخرج من يديرون الواقع السياسي من حساباتهم الخاصة والفئوية والمغانم التي حصلوا عليه من غير وجه حق والتي لا يزالون يحصلون عليها.
إن الحريصين على هذا الوطن، هم من يقدمون التنازلات لحسابه ويسلمون ما سلمت أمور اللبنانيين، لا الذين يرونه بقرةً حلوباً لهم، تتحدد قيمتها بمقدار ما تنتج لهم من مغانم.
إن من المعيب أن نبقى في المراوحة التي نحن عليها والتي يبدو أنها ستطول على صعيد الاستحقاق الرئاسي وقد لا يحصل في الأيام القادمة، بعد أن لم يبد أي منهم استعداداً للتوافق على إيجاد صيغة لهذا البلد ولا يريد أن يتقدم خطوةً باتجاه الآخرين ليبقى البلد أسير رهانات الخارج ومصالحه وينتظر من يتصدق عليه برئيس.
ويبقى الوفاء للسيد هو أن يكون لبنان قوياً، قوته في قوته لا في ضعفه ليقف في وجه كل من يريد العبث بسيادته وأمنه واستقراره، وهو– رضوان الله عليه- لم يوفر جهداً في هذا السبيل.. من هذا المنطلق دعم السيد المقاومة في لبنان في تصديها للعدو الصهيوني وساندها، وكان كهفها الحصين كان يرى المقاومة قوة للبنان في مواجهة عدو لا يزال يرى لبنان نقيضاً لكيانه ولا يكف عن تهديد بره وبحره وجوه، والسيد لم ينطلق في ذلك من بعدٍ طائفي ومذهبي بحيث كان يدعو المقاومة إلى أن تكون عابرة للطوائف والمذاهب وتتسع لمساحة الوطن وتعمل لحساب كل الوطن.
لذلك دعا إلى عدم التفريط والمس بها، لتبقى قوة رادعة لهذا العدو، وتشكل توازنا معه وسنداً للجيش اللبناني وليست بديلاً منه، الذي ندعو كل الحريصين عليه إلى أن تعزيز قدراته وإزالة الحواجز أمام تسليحه، ليكون قادراً على أداء دوره وردع هذا العدو و ولتصدي لكل من يكيد لأمنه واستقراره وسيادته.
أما على الصعيد العربي والإسلامي، فإن الوفاء للسيد(رض) هو بالالتزام بما كان يدعو إليه، وهو التحرر من نفوذ الدول الكبرى التي لا تريد التقارب بين دوله لتبقى بقرة حلوباً له وأن تعي أن ما تمتلكه من قدرات وإمكانات مادية وبشرية وعلى صعيد القيم بما يمكنها من أن تتجرأ على رفض الإملاءات الخارجية وتعميق التعاون في ما بينها لتثبت حضورها بين الأقوياء بديلاً من السياسات التي اكتوت بنارها وسمحت للخارج أن يعبث بأمنها ويهدد استقرارها وكيانها.
وهنا ننوه بالتعاون الذي بتنا نشهده بين الدول العربية والإسلامية والذي نأمل أن يتجذر ويتعمق، وأن يتحصن في وجه من لا يريدون له أن يحقق الأهداف المرجوة منه لتعزيز الاستقرار الداخلي ومنع نزيف الدم من الاستمرار.
ونحن في الوقت نفسه ندعو إلى تعزيز التعاون مع العالم الآخر الغربي والشرقي الذي نريده أن يبنى على قاعدة الاحترام المتبادل والأخذ في الاعتبار مصالح شعوبنا التي من حقها أن تعيش وتستفيد من ثرواتها لتحقيق رفاه شعوبها، وفي الوقت نفسه نريد أن نكون أصدقاء العالم، وإن كنا نحذر اليوم من تنامي المد العنصري في الغرب والذي بدأنا نشهد نتائجه بالمسلسل الدائم لإحراق نسخ القرآن الكريم كما حصل أخيراً في السويد لإيذاء مشاعر المسلمين واستفزازهم وتيئيسهم وما نراه يحصل اليوم في فرنسا.
إن العالم هو أحوج ما يكون إلى استعادة القيم الأخلاقية والإنسانية ومنطق العدالة والخروج من منطق العبث بمصالح الشعوب ومقدراتها والذي نراه هو الطريق الوحيد لتحقيق استقرار هذا العالم ومنع إذكاء نار الحروب فيه، فلا سلم عالمياً من دون عدالة ولا أمان من دون حق الشعوب في تقرير مصيرها والإمساك بقرارها وأخذ حريتها.
ويبقى الجرح النازف في فلسطين والذي نشهده اليوم هو أحد مظاهره في الجرائم التي تحصل في جنين والضفة الغربية بفعل الاعتداء الغاشم الذي يمارسه العدو الصهيوني على هذه المدينة، والذي يجري مع الأسف في ظل صمت العالم. وهنا لا بد من توجيه التحية للتضحيات التي يقدمها ولصموده امام ممارسات الهمجية لهذا العدو.
إن الوفاء للسيد هو في الوقوف مع الشعب الفلسطيني وهو الذي قال قبل وفاته عندما قيل له وهو على فراش مرضه، هل أنت مرتاح؟ قال: لن أرتاح إلا عندما يعود الشعب الفلسطيني إلى أرضه ويحصل على حقوقه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى