.

بركان الانقلابات يهزّ النفوذ الفرنسي في افريقيا

تونس – عبير قاسم

تتواصل الانقلابات العسكرية في افريقيا والتي يبدو أنها لن تهدأ في القريب العاجل، وتكشف عن غضب متصاعد لدى شعوب المنطقة ورغبة عميقة في التغيير بغض النظر عن الوسيلة المستخدمة. فبعد انقلاب النيجر، جاء الإعلان عن استيلاء عسكريين على الحكم في الغابون التي تقع في غرب وسط إفريقيا.

وكما حصل في النيجر، تتداخل معطيات داخلية وخارجية لتفرز هذا المشهد الجديد في القارة السمراء، في سياق ظاهرة عودة الحكم العسكري في عدد من الدول، وتحديدا في الحزام الخاضع للنفوذ الفرنسي والذي يمتد من النيجر ومالي وتشاد الى بوركينا فاسو وجمهورية أفريقيا الوسطى.

وتتشابه أيضًا هذه الدول في وضعها غير المستقر رغم احتوائها على ثروات باطنية هامة مثل النفط واليورانيوم والذهب، مما جعلها عبر التاريخ عرضة لأطماع الاستعمار الغربي والفرنسي تحديدًا.

غضب واستياء من السطوة الفرنسية

وفي الحقيقة فإن تصاعد موجة الانقلابات في افريقيا يعكس في عمقه أيضًا أزمة حكم تشهدها افريقيا بسبب سطوة الاستعمار الذي يحمل أشكالًا مختلفة سياسية واقتصادية وعسكرية وغيرها.

وتشترك الغابون مع جلّ الدول الافريقية في احتوائها على ثروات طاقية هائلة، وهي تعد صاحبة أعلى معدل دخل للفرد في إفريقيا بفضل ثرواتها من النفط والذهب واليورانيوم. وترتبط بشراكات تجارية مع العديد من الدول أهمها فرنسا إضافة الى الولايات المتحدة والصين وروسيا. كما انها عضو في منظمة الدول المصدرة للنفط “أوبك”.

وكانت فرنسا عنصراً حاسماً في رسم ملامح السلطة في هذا البلد منذ “الاستقلال” وحتى اليوم، وهي الداعمة الرئيسية للأسرة الحاكمة الحالية التي تحكم منذ 55 عاما. ومنذ أن استقلت عن باريس عام 1960، حكم الغابون ثلاثة رؤساء هم ليون مبا عام 1961 المتهم بتطبيق نظام حكم “ديكتاتوري سعى لضمان المصالح الفرنسية”، وبعد وفاته عام 1967 حل مكانه عمر بونغو حتى وفاته عام 2009 ثم نجله الرئيس الحالي علي.

ويرى البعض أن الوضع المتردي في ظل حكم الرئيس الحالي بونغو زاد من غضب معارضيه خاصةً لدى الشرائح الشبابية التي تبحث عن طريق جديد للتخلص من الطبقة السياسية الفاسدة والمرتبطة بولاءات خارجية وخاصة لفرنسا، فالغابون تخضع لحكم ديمقراطي “صوري” مع رئيس جاء بالوراثة الى الحكم، وربما هذا الفارق بينه وبين انقلاب النيجر.

ويعتقد مراقبون أن ما شجع على الانقلاب في الغابون هو ما حصل في النيجر حيث لم يستطع الغرب ايقاف المجلس العسكري رغم تهديد “إيكواس” بالتدخل العسكري.
والمعلوم أن مردود فرنسا من الدول الافريقية يقدّر بنحو 500 مليار دولار من خلال شركاتها العملاقة المتركزة في افريقيا، وتعتمد باريس على المواد الخام والمعادن كاليورانيوم والغاز والذهب من القارة السمراء.

والمفارقة أن دول الساحل الأفريقي تحتوي على ثروات معدنية هامة كالذهب واليورانيوم والفوسفات، فضلا عن الثروات النفطية الهامة ولكنها تعد من أفقر دول العالم، وهو ما أشعل غضب شعوب المنطقة من الاحتكار الفرنسي لمقدراتها.

التداعيات

أما عن تأثيرات الانقلابات على مستقبل الأنظمة السياسية في افريقيا، فيقول الباحث السوداني المتخصص في الشؤون الافريقية معز حضرة لـ”العهد” الاخباري “بغض النظر عن المسببات لهذه الانقلابات سواء الداخلية او الخارجية، إلا أنها ستؤدي حتمًا إلى رسم مشهد جديد يبدو أن فرنسا ستكون الخاسر الأكبر فيه في اطار خارطة جيوسياسية جديدة، في القارة السمراء”.  

ويبدو أن التغيير في افريقيا آت وبات واقعًا في هذه القارة، ولئن راهن البعض على الانقلابات العسكرية إلا ان البعض الآخر يراهن على التغيير السياسي والاقتصادي من خلال التخلص من الهيمنة الغربية، عبر بناء شراكات جديدة مع الصين وروسيا في اطار تحالفات جديدة مبني على التعددية  والمصالح المشتركة بدلا عن الأحادية والاحتكار السياسي للقوى الكبرى.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى