اقلام

أمريكا وأوروبا إمبريالية جماعية متقادحة ومتصدعة.الناتو والتباهي بلعبة سل السيوف ضد روسيّا

جو بايدن مثل الدويري المشوي بفعل مفاعيل طوفان الأقصى.

كتب: المحامي محمد احمد الروسان

*عضو المكتب السياسي للحركة الشعبية الأردنية*

الامبريالية: هي الرأسمالية الاحتكارية، التي نضجت تماماً في القرن العشرين، والتي تتميز من حيث خصائصها الاقتصادية الأساسية، بكرهها للسلم والحرية والديمقراطية الحقيقية، وبزيادة دعم الطغمة العسكرية والاستخباراتية، في كل مكان وساح ومساح في هذا العالم المجنون – عالم فوكا.

خصوم الولايات المتحدة الأمريكية في منطقتنا والعالم يدركون، أنّ معضلة اليانكي الأمريكي في جانب منها تتموضع في التالي: كيف انتقلت دبلوماسية أمريكا من الأدمغة البشرية الى الأدمغة الإلكترونية، فبانت عوراتها الأمنية والعسكرية والدبلوماسية، بعكس حلفائها، الذين لا يفكرون الاّ في كيفية ملئ البطون والجيوب، واشباع ما بين الأرجل، حتّى ولو كان بين الأصول، سفاحاً دون ضمانات صحية.

أعمدة ظلال كارتلات مفاصل وتمفصلات الحكم الأمريكي، وعبر الإدارات الأمريكية المختلفة، من جمهوري الى ديمقراطي، وديمقراطي بأجندة جمهورية كحال إدارة جو بايدن الحالية، مع جمهوري بأجندة ديمقراطية، عندما هندسة وعملت على خلق وتخليق “الداعشية” العسكرية كهدف وأجندة ووسيلة فوق استراتيجية، عبر توجيه أسباب انتاج ظروف بيئتها في المنطقة الشرق الأوسطية، هندسة وخلقت “الداعشية” الثقافية والفكرية والسياسية والإعلامية والدبلوماسية والقضائية، وجلّ المتعدد من الأخيرة، ضرورة لاستمرارية الأولى في فعلها وتفاعلاتها ومفاعيلها، والإرهاب الخيار الاستراتيجي لنواة الدولة الأمريكية، كون الاقتصاد الأمريكي، اقتصاد حرب وحروب عبر الجيش الأمريكي الذي لا يستريح بالمطلق، دفاعاً عن الدولار فقط، وقيمته كعملة أممية، والادارة الأمريكية كحكومة بلوتوقراطية في الداخل الأمريكي حكومة الأثرياء، هي صدى المجمّع الصناعي الحربي الأمريكي، والشركات المتعددة الجنسيات كذراع فاعل، وهي التي تمارس فن الأقناع بالإرهاب، بالمعنى الرأسي، وبالمعنى العرضي، ان لجهة الداخل الأمريكي، وان لجهة الخارج الأمريكي.

وتعتقد الولايات المتحدة الأمريكية، وعبر وكالة المخابرات المركزية الأمريكية بإدارة وليام بيرنز، وباقي أجهزة مجتمع المخابرات الأمريكي الخمسة عشر جهازاً، ومعها بعض جهات عربية ذيلية، متساوقة ومتماهية معها في كلّ شيء، بأنّ فلادمير بوتين الرئيس الروسي، الذي أعاد الشعور القومي للروس، هو غارق حتّى أذنيه في الأزمة الأوكرانية، والإيرانيين في حال تقهقر وتراجع مفرط، والى حد اتخاذ مواقف هي أقرب ما تكون الى الدفاع عن النفس، وعلى هذا الأساس والمفصل والتقييم الأمريكي والأوروبي والبعض العربي الذيلي، أنّ الطريق الى دمشق، صار آمن أكثر من أي وقت مضى، عبر الدواعش ومحاربتهم افتراضياً، وبعد بدء المواجهة الروسية الأطلسية، والذهاب من جديد الى تسخين الجنوب السوري ثانيةّ، عبر افتراضهم ان موسكو تسحب قوّاتها من سورية، لحاجتها داخل الجغرافيا الأوكرانية، وقطعا وبالقطع، هذا ليس صحيحاً بالمطلق، ولكن هي محاولات انجلوسكسونية عبر الأدوات لا الأطراف السياسية(لا يمكن أن تسمي الأداة طرف سياسي، لأنك سترفع من قيمتها)، تجيء في سياقات الضغط على الروسي فقط لا غير.

كما تعمل واشنطن هذا الآوان، وأثناء المواجهات الحالية في الداخل الأوكراني، عبر استراتيجية الادرة من الخلف، وحرب الوكالة كحرب بروكسي، على اعادة توجيه الإرهاب الى موسكو وشمال القوقاز، عبر مجتمعات الدواعش والزواحف والقوارض، من خلال ضخ المزيد من السلاح الى الداخل الأوكراني للفاشست والنازيين الجدد، فهي(أي واشنطن)تملك شيفرة تركيبها التنظيمي وانتشارها من أجل اعادة توجيهها، وسيكون لتركيا المخفر المتقدم للناتو في المنطقة أدوار في ذلك، حيث الرعاية الخاصة لأنقرة عبر مجتمع المخابرات التركي لهذه المجتمعات الإرهابية، من الدواعش والزواحف والقوارض، منذ بدء العدوان العسكري التركي في الداخل السوري، بصورة مباشرة وغير مباشرة، مكنّها ذلك على الحصول على كل تركيبتها البنيوية وطبيعة عملها وانتشارها وتوجهاتها.

الفدرالية الروسية لديها تصوراتها ورؤيتها حول الأهداف الأمريكية ازاء القارة الأوروبية العجوز، حيث واشنطن تسعى الى تقسيم أوروبا عبر خلق الإرهاب، ثم محاربته بشكل جماعي أو فردي، والأمريكان هم المسؤولون عمّا يجري في أوكرانيا، وتضخيم خطر مجتمعات الدواعش والزواحف والقوارض أمريكيّاً وبريطانيّاً، لدفع كثير من الدول الى المظلة الأمريكية من جديد ابتعاداً عن المظلة الروسية، ثم يصار الى توزيع مساحات النفوذ بينهما، بحيث لا يتحول التنافس بين لندن وواشنطن، الى صراع عميق يستنزف أولوياتهما وقواهما الحيّة وأدواتهما، فالروسي موجود ويتربص بهما المنون، هذا ما تعتقده واشنطن ولندن من باب التظليل والتعمية السياسية، كونهما يدركان أن هناك بينهما صراع عميق من تحت الطاولة لاستعادة مناطق وساحات ومساحات نفوذ، خسرتها لندن بعد يالطا 1 التي أنهت الحرب العالمية الثانية.

في السياسة الكونية، تعتبر لندن وواشنطن بأنهما قوّة بحرية، أمّا روسيّا والصين والهند وحتّى ألمانيا قوّة بريّة، والهدف الرئيس للندن وواشنطن من الحرب العالمية الأولى والثانية كان السيطرة على كافة الطرق البحرية في العالم، وعلى الشواطىء البريّة القريبة من هذه الطرق، وقد نجحتا في ذلك لفترات زمنية محدودة، فمشروع الناتو الذي كان من أهدافه الانتشار في آسيا وشق القوى العظمى فشل فشلاً ذريعاً، فمثلاً أفغانستان التي أريد لها أن تكون المحطة الأولى لهذا المشروع في نهايات العام 2014 م، ستخرج من السيطرة الأمريكية وتدخل ضمن نطاق التأثير الروسي الصيني، وهي خرجت فعلاً، بعد إعادة التموضع الأمريكي في شبه القارة الهندية وأفغانستان، وقدوم جلّ القوّات هناك الى الأردن، وانتشارها في ستة عشرة قاعدة عسكرية أمريكية، في عروق الجغرافيا الأردنية عبر اتفاقية الدفاع الأمريكية الأردنية المشتركة، ومنظمة شانغهاي المعادل العسكري للناتو بدأت بالمناورات المبكرة من أجل ذلك، قد تتبعها مناورات بالأسلحة الاستراتيجية لجلّ دول البريكس، المعادل المدني والعسكري للاتحاد الأوروبي.

الشرق الأوسط يشكل قلب الحروب الاستراتيجية الدولية، وروسيّا تعلم وتعي أنّ القاعدة وجلّ مشتقاتها ومجتمعات الدواعش والزواحف والقوارض، تخضع للحماية الأمريكية وتشكلت في مصانع الاستخبارات الأمريكية لمواجهة الفدرالية الروسية والصين.

من جهة ثانية، تتجلّى صور الصراعات الدولية الخفية في جيوب جغرافية مختلفة في العالم، لصناعة أرخبيلات أثنية وطائفية مختلفة عبر بؤر ومسارب سياسية وعسكرية بالوكالة، ألمانيا مثلاً تعتبر العرق الكردي جزء من العرق الألماني الآري، فايران وروسيّا لعبت دوراً في معارضة ألمانيا ورغبتها في تأسيس دولة كردية مستقلة في العراق، فايران وروسيّا نجحتا في اجلاس الحليف الثاني(الكرد) لأمريكا بعد “اسرائيل” على طاولة الحوار الدبلوماسي.

الولايات المتحدة الأمريكية، تحاول جاهدةً كبح سقوط امبراطوريتها المهيمنة على المنطقة والعالم، والقائمة على استقساء الدماء كعصابة تسيطر أحادياً لعقود خلت، وهي مدركة بعمق، أنّ أدوات الهيمنة القديمة، لم تعد مجدية ومفيدة، لحالة التطورات المتسارعة في العالم، بمخاضاتها وارهاصاتها غير مكتملة حتّى اللحظة، فهي من ناحية تدرك أن التحولات العالمية ستنهي الأحادية القطبية، ومن ناحية أخرى تعمل على انشاء الأحلاف العسكرية الخاصة بها في أكثر من ساحة ومساح ومنطقة، علّها تكبح تراجع هيمنتها المطلقة.

كما تعي واشنطن من جهة، أنّ ميكانيزميات سلال تراجع هيمنتها كمؤشرات، تشجع قوى دولية خصوم لها ومنافسين، على تسريع أفولها كإمبراطورية، تعمل على إعادة انتاج وخلق وتخليق نفسها من جديد، ومن جهة أخرى فانّ الاصطفاف الى جانب واشنطن في ظل ما يجري من متغيرات أممية على كافة الصعد، يعتبر مقامرة غير محسوبة النتائج والمعطيات، في ظلال صعودات صينية وبالدرجة الأولى بالاقتصاد، كعملاق اقتصادي، وعودة روسية متصاعدة ومتنامية بشكل سريع وثابت، وتناميات هنا وهناك لدور ايران الإقليمي، في مواجهة غطرسة وامبريالية هيمنة اليانكي الأمريكي المتعجرف والصفق سياسياً.

هيمنة أمريكية وان كانت تقليدية عادية، مع تعددية أقطاب ناشئة وأقطاب قديمة، لها جذور في التحدي، تعمل على هيكليّة حديثة لأدوار مختلفة ومتعددة، من شأنها أن تعجّل بشكل سريع وبثبات، من أفول هيمنة القطب الواحد، وان كانت المواجهة الروسية الأطلسية الحالية، عبر عروق الجغرافيا الأوكرانية المتقيحة بصديد النازية والفاشية، دليل بجانب أدلة أخرى، على تراجع الغطرسة والهيمنة الأمريكية الإمبريالية، وهذا صحيح واقع ومنطق، أنّ نفوذ كارتلات الحكم الأمريكي في العالم، لم يعد كما كان في السابق، وهو في تراجع مستمر كل يوم.

انّ المواجهة الروسية مع الغرب وأمريكا، من خلال ما يجري في أوكرانيا، وتداعيات ومفاعيل طوفان الأقصى، تسرّع في عمليات تحلل جثة الإمبراطورية الأمريكية، والتي أوغلت في القتل والتشريد، ونهب خيرات ومقدرات الشعوب، وفي فرض عقوبات قصوى وحادة، تمثل الوجه الأخر لفشل استراتيجيات رفض الشراكات، بجانب ابتعاد دول مركزية عن اعتماد الدولار، ساهم في اضعاف الولايات المتحدة الأمريكية.

بجانب تحلل الإمبراطورية الامريكية، نجد أن اليانكي شطب الأوروبي عبر المواجهة الروسية الأطلسية، وجلّ القارة الأوروبية صارت بفم الأمريكي، والاتحاد الأوروبي ينهار، وما قاله المجري رئيس الوزراء صح مئة بالمئة: أوروبا بفرضها عقوبات قصوى على روسيّا كمن أطلق النار على صدره.

فالعالم يتبدّل ويتحول الى تعددية مراكز، وليس من الان، بل ومن عقود خلت، والانتقال من نظام القطب الواحد الى المتعدد، يحتاج الى وقت، والعملية بدأت الان، وادارته ستكون مشتركة بصورة مختلفة ضمن تعددية الأقطاب، حتّى الفشل في اخضاع ايران انعكس تراجعاً في قيادة أمريكا لسياسة المنطقة، وزيارة جو بايدن للمنطقة الان، هي نوع من الاستدراك الأمريكي للفراغ في الشرق الأوسط، لكنه استدراك غير مقنع لأحد، وبالتالي صارت العولمة العسكرية الأمريكية في دائرة التساؤل والاستفهام؟!.

بالمناسبة: موسكو لا تقول أنّها بديل محتمل عن أمريكا، ان في منطقة الشرق الأوسط، وان في العالم، حيث الأسباب كثيرة وكذلك المعطيات، وفي جلّها لا تسمح بذلك، انّها الواقعية الروسية بأبهى صورها، ومرتكزاتها وتجلياتها، لكن موسكو بالتعاون مع الصين، قادرة على تعطيل أي مشروع أمريكي في العالم، وواشنطن تدرك ذلك.

لكن ثمة سؤال بتجدد نطرحه دوماً على أنفسنا، لتحفيز العقل على التفكير وهو: هل تعوض هندسة الأحلاف العسكرية الأمريكية المحتملة، من تراجع امبراطورية عسكرة البحار؟.

الهيمنة العالمية للإمبريالية الأميركية، بدأت بالتآكل والتضعضع، حيث باتت أميركا تلاقي صعوبة واضحة، حتى في إقناع أصدق حلفائها في آسيا والشرق الأوسط، بتطبيق إستراتيجياتها الأصيلة والبديلة على حد سواء، بالرغم من تساوقهم وتماهيهم وانبطاحهم معها، وفي عميق أهدافها، حيث التوظيف والتوليف والسياق، مع السوق لسلة الحلفاء، فأن تكون معادياً لأمريكا أمر خطير، لكن أن تكون حليفاً وصديقاً لها، أمر أكثر خطورة وأعمق جلل، على الأمن القومي للحليف، والأمن الشخصي والأسري، لمن يمثل ذاك الحليف.

انّ زعزعة هيمنتها، قادت وأدّت إلى حدوث تصدعات في صفوف الإمبريالية العالمية، وخصوصاً هناك موجة تمرد متصاعدة في أوروبا، بالرغم من أنّ الحملات الجيوسياسية للولايات المتحدة الأميركية، وحروبها في أوكرانيا وفي سوريا وفي العراق، وفي غزة وفي كلّ ساح ومساح، أضحكت وجوه معامل السلاح الوطنية، وملأت خزّناتها بالمال والتصنيع للسلاح من جديد – سلاسل التوريد، ولكنها في المقابل حازت على ردة فعل كتل شعبية كبيرة، بسبب العبء الذي حمّلته على الميزانية، وبسبب الأذى الذي سببته لأبناء العائلات الفقيرة، وللطبقات الوسطى العليا والدنيا.

ربما كانت سياسات الدولة العميقة في واشنطن، سواء كانت الإدارة جمهورية أم ديمقراطية، سياسات لرؤى تجريدية دامغة، قد وضعت الإصبع على الجرح بحسب التعبير الشعبي، وربما لهذا السبب مثلاً: الرئيس السابق دونالد ترامب نال هذه الشعبية الواسعة، وعلى الأغلب هو عائد الى البيت الأبيض في الانتخابات الرئاسية القادمة، وبنفس الحال والمسألة والشكل أيضاً، إن الشركات متعددة الجنسيات – أميركية المركز، وجهت مراكز إنتاجها، عن طريق سلسلة العروض، إلى الأماكن التي تكون فيها أجرة الأيدي العاملة متدنية، والتشريعات الضريبية ملائمة مع القوة الإنتاجية، ومع ازدياد هذه الظاهرة، تزداد التوجهات الاحتكارية لديهم، وتتناسل كارتيلات الاحتكار، مثل ما تتناسل الفئران.

وبالنظر إلى المستويات المعيشية، وفرص العمل للطبقة العاملة في أميركا على وجه الخصوص، نراها أنّها تضررت بسبب هذه السياسات الخاطئة، وأبدت عدم رضاها على العولمة بأشكالها المختلفة، عن طريق ردة فعلها على تفاهمات السوق الحرة، وأحسب معتقداً، أنّه يصعب علينا الحديث، عن تشرذمات ضمن مصفوفة وصفوف الإمبريالية، كذلك نكون قد بالغنا إذا اعتقدنا بعودة ما تسمى بالإمبريالية الكلاسيكية، التي ظهرت بسبب المنافسة بين القوى الإمبريالية، انطلاقاً من صراع الأذرع(المكاسرة)، بين أميركا وأوروبا، ولكن جميع الدلائل تشير، إلى وجود العثرات أمام أميركا، دعونا نلقي نظرة على الأحداث كلاً على حداه، ونشاهد مسير نضال الشعوب، ثم نحكم على ما يحصل.

في الشرق الأوسط الساخن، بفعل ومفاعيل وتفاعلات وتداعيات، طوفان الأقصى، والحرب في سورية والعراق، ودخول اليمن على خط المواجهة، فانّ الهيبة الأميركية في الشرق الأوسط تتزعزع، والنفوذ يتآكل بعمق: وكما يعلم الجميع، بدأت فترة حكم جورج بوش الابن، بتنفيذ المخطط الذي صممه شيوخ المحافظين الجدد، باحتلال أفغانستان والعراق، بعيداً عن مسألة القضاء على حركة طالبان في أفغانستان، ثم احتوائها عبر تكليف الوكيل القطري باحتوائها، فقد اضطروا إلى التصالح معهم في النهاية، وفاوضت أمريكا الإرهاب، الذي صنعته ورعته في مواجهتها مع الفدرالية الروسية، وقطعاً وطبعاً ما زالت تستثمر في الإرهاب، وتجري عمليات قسطرة للشرايين، لكثير من الجماعات الإرهابية، وتستثمر في الوهابية العسكرية والوهابية السياسية، ان في الوهابية القطرية، وان في الوهابية السعودية، وتفضل الأولى عن الثانية.

واشنطن: صرفت مليارات الدولارات من أجل لا شيء، كذلك في العراق، اضطرت أميركا أحياناً، إلى اللجوء لهمة الوحدات الإيرانية، في تأمين الاستقرار في بعض المناطق الساخنة، في بدايات احتلال العراق، بالإضافة إلى مقتل السفير الأميركي في ليبيا، توجت الحملة الأميركية في ليبيا بالفشل الذريع، تحولت ليبيا إلى الدولة الفاشلة، عديمة الأمن والاستقرار وما زالت على حالها.

بالنسبة لسوريا، ناهيكم عن الفشل بإسقاط الرئيس الأسد ومنظومة حكمه، لم تعد واشنطن قادرة على فرض كلمتها على أدواتها وتنظيماتها، من ما سمى الجيش بالحر الذي أسسته وغذّته ودعمته، كذلك ما يسمى بالجيش الوطني السوري، والذي دفعت تركيا الى تأسيسه وتعداده 35 ألف عنصر، كذلك الأمر بالنسبة لحزب الاتحاد الديمقراطي، فلم يعد الآخر يثق بأميركا، بالرغم من المساعدات التي قدمتها له، والسبب هو اعتقادهم بأنها أخذت منحاً سياسياً داعماً للموقف التركي، وخانت القضية الكردية التي دعمتها، بداعي المصلحة فقط على حد تعبيرهم.

وفي أنقرة: سخّرت تركيا وزير الداخلية سليمان صويلو(على الأغلب يتم اعداده، لأن يكون الرئيس القادم بعد أردوغان)، لإلقاء البيان الذي يفيد في حينه، بوقوف أميركا خلف محاولة الانقلاب الفاشلة الأخيرة على الرئيس التركي قبل سنوات خلت، حتّى إسرائيل أيضاً، انتقدت أميركا عدة مرات ووبختها في بعض القضايا، بالرغم من المساعدات العسكرية بقيمة 38 مليار دولار، التي قدمتها لها أميركا مؤخراً، بعضها علناً والجزء الأكبر سراً، لتجاوز المأزق الاقتصادي، وعدم الاستثمار الآمن في الكيان، بفعل مفاعيل طوفان الأقصى، حيث الاقتصاد الإسرائيلي على حافة الكارثة.

ومع ذلك، وبالرغم من كل الأحداث التي تجري، وبالنظر إلى مساراتها وتوظيفاتها وتوليفاتها، لا يصعب علينا رؤية تأذي الهيبة الأميركية في الشرق الأوسط، فالأمر واضح وجلي كالشمس في رابعة نهار عمّان للجميع، في مدى عمق هذا التراجع، والتأذي لتلك الهيبة اليانكية الأمريكية، وتوظيفاتها للإنجليزي، والذي يمتاز بالخبث الشديد، حيث الصراع البريطاني الأمريكي، من تحت الطاولة عميق جدّاً، وسعي لندن الحثيث، لاستعادة مناطق نفوذها، التي خسرتها بعد اتفاقية يالطا، التي أنهت الحرب العالمية الثانية، ونحن الان على مشارف يالطا 2، والتي تعيد صياغة العالم من جديد، بفعل المسألة السورية والمسألة الأوكرانية، وطوفان الأقصى الشامل، والذي لا عاصم لأحد منه في هذه المعمورة – تبّاً لنا وتب.

بلا شك: الجميع يتذكر الرئيس الأسبق باراك حسين أوباما، فبعيد انتخابه رئيساً لأمريكا، وخلال زيارته إلى آسيا عام 2009 م، عرّف أوباما نفسه بأنه أول رئيس باسيفيكي منتخب، يأتي على رأس الولايات المتحدة الأميركية، وفي عام 2011 م أعلنت الولايات المتحدة الأميركية عن إستراتيجية: محور آسيا Asia Pivot – بهدف بناء سد أمام النهوض الاقتصادي الملحوظ للصين، وما زالت هذه الاستراتيجية مستمرة ويتم تطويرها باستمرار.

فماذا يعني ذلك، في اللغة الدبلوماسية؟: لقد تم وسيتم باستمرار، من خلال هذه الدبلوماسية الأمريكية، والتي قد تتغير أدواتها في اطار تكتيكي، لكنها ثابتة في الاستراتيجيات، حيث تم ويتم تطوير العلاقات الأميركية مع جلّ الدول الآسيوية، وفي اللغة الصريحة: لقد تم ويتم وسيتم تحريض هذه البلدان لقوقعة الصين.

إنّ قمة العشرين G-20 – التي استضافتها الصين في مدينة هانغزو في عام 2016 م، بينت أنّ الأمور ليست على ما يرام، وإن صح التعبير، نستطيع تطبيق المثل الشعبي على ما أصاب الرئيس الأسبق أوباما بهذه القمة، بأواخر مرحلة حكمه بالقول: ما حصل له لم يحصل مع الدجاجة المشوية، ولمن منكم يتذكر وتابع: بدايةً تم استقباله في المطار بطريقة أهانت مكانته، لاحقاً في القمة الآسيوية ASEAN التي حصلت في دولة لاوس(قمة تجمع دول جنوب شرق آسيا استهدف الرئيس الفلبيني رودريغو دوترتي نظيره أوباما، بخصوص موضوع مكافحة المخدرات، وشتمه باللهجة المحلية واصفاً إياه: بابن العاهرة.

بالمقابل فانّ الرئيس الأمريكي الحالي جو بايدن، والد بو وهنتر: فحاله حال طائر الدويري المشوي بفعل 7 أكتوبر 2023 م – طوفان الأقصى، حيث طائر الدويري وهو حر يغني: ((آني دويري والدردار… فخذه مني تشبع دار …. وعند اصطياده يقول: آني دويري وش مني… طبخت كشك أحسن مني)) وهذا حال الرئيس جو بايدن، وهو رئيس بلا ذاكرة أصلاً.

ناهيكم عن تقارب الصين وكمبوديا، حديثنا هنا عن التغيير في جبهات الفلبين، وزعيمها دوترتي، التي كانت في يوم من الأيام مستعمرة أميركية، طالب الزعيم الفلبيني من أميركا إخلاء القاعدة العسكرية المتواجدة في جزيرة مينداناو جنوب البلاد، كما أنهى المناورات المشتركة في بحر الصين الجنوبي في وقته، وتم ويتم وسيتم تبديل مصدر السلاح من أميركا إلى الصين وروسيا.

أمّا بالنسبة لتايلاند، التي توترت علاقاتها مع أميركا بعد الانقلاب العسكري الذي شهدته عام 2014 م، تم شراء 3 غواصات حربية من الصين بقيمة مليار دولار، اعتمادا على مبدأ حق تقرير المصير، وعدم التدخل بشؤون الدول الأخرى ضمن إطار: مصالحة بكين، وبدأت اتفاقية Trans-Pacific Partnership (TPP) بالتميع، لأنها لم تدخل حيز التنفيذ، رغم توقيع الاتفاقية التي تشمل 11 دولة آسيوية وأميركا اللاتينية وأستراليا، كذلك الوضع غير مطمئن في الجبهة الاقتصادية.

ومؤخراً: بدأنا نلاحظ، تعمّق التناقضات في الساحة العسكرية والاقتصادية، ما بين الولايات المتحدة الأميركية وحليفه الأهم تحت سقف: الامبريالية الجماعية، وهو الاتحاد الأوربي، بفعل حروب واشنطن في العالم، فقد ظهرت التصدعات بشكل واضح جداً بين الامبرياليين في قممهم الجماعية والفردية الثنائية، بعد بدء المواجهة الروسية الأطلسية، وكانت فكرة البنتاغون بالنسبة لألمانيا وفرنسا، أن يلعبوا دوراً فعالاً أكثر ضمن خطة تجريد روسيا، في حين لم يعد يريد هذان البلدان تكرار كابوس الحرب الباردة، التي عاشتا ملامحه، مع تأثر اقتصادهم الوطني، في تطبيقهم العقوبات الاقتصادية على روسيا ومعهما جلّ أوروبا.

الدولة العميقة في فرنسا، بعد الفشل في أوكرانيا ترى: أن روسيا لا تشكل تهديداً لبلدهم ولا يعتبرونها عدواً، في حين عميق المؤسسات في ألمانيا مثلاً، ترى التالي: أنّه لا يوجد معنى لقيام الناتو بالتباهي بلعبة سل السيوف، ومع ذلك شاركت ألمانيا، مشاركة رمزية، في أضخم مناورة عسكرية للناتو(أناكوندا)بعد الحرب الباردة.

ومنذ زمن، تؤيد كل من فرنسا وألمانيا، أن يكسب الاتحاد الأوربي بعداً عسكرياً، وكانت بريطانيا غالباً، ما تفشل هذه التوجهات، بلعبها دور حصان طروادة لأميركا، داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي – بالرغم من صراعها الخفي والمستتر مع واشنطن، وبخروج لندن من الاتحاد الأوربي، أراح ويريح وسيريح كل من باريس وبرلين في هذا المجال، وهنا لا نرى الخير والعلامات المبشرة بالنسبة للطبقات الكادحة، وخصوصاً بوجود أحلام بإضفاء الصفة العسكرية للاتحاد الأوربي، ضمن الحجة التي يتم تسويقها بحماية الحدود والمواجهة المشتركة للإرهاب، ولكن من جهة أخرى نستطيع قراءة هذا الحدث، بأنّه يحمل أبعاد: المواجهات الشديدة على طول خطوط العلاقات بين أميركا والاتحاد الأوربي.

وجاءت شراكة Transatlantic للتجارة والاستثمار (TTIP) – لتعزيز التكامل الاقتصادي بين أميركا والاتحاد الأوربي، وشكّلت بذلك بؤرة، لتعميق عقلية الاحتكار لدى الليبرالية الجديدة، ولم تنتهي اللقاءات تم اماً، ولكن منذ البداية أبدى كلاً من الرئيس السابق دونالد ترامب وساندرز معارضتهم الشديدة لهذا المشروع، ولاحقاً سحبت هيلاري كلينتون دعمها له، بقي TTIP وحيداً، وكما شهدت كلاً من شوارع ألمانيا وفرنسا وفنلندا، مظاهرات شعبية عارمة، متمثلة بجمعيات ونقابات وأحزاب اشتراكية، ليظهرون غضبهم على TTIP.

وبالرغم من حروب واشنطن المختلفة، وتداعيات الحدث السوري، ومن بعده الحدث الأوكراني، ومن بعدهما: طوفان الأقصى الشامل والمانع والقادح، فإنّ الواقع الذي أدركناه وندركه: هي أنّ كلاً من واشنطن وبروكسل، قد أشهرت الأسلحة بوجه بعضهما البعض، تأهباً واستعداداً لحرب اقتصادية، حيث عروق الجغرافيا الأوروبية، ساحة تنافس اقتصادي لواشنطن، والأخيرة تريد شطب الأولى عبر مبكانيزميات التعاون، والتورط والتوريط في حروبها لأمريكا.

وأساساً نستطيع القول: أنّ أول رصاصة أطلقتها واشنطن في حربها مع أوروبا، كانت في عام 2016م، عندما فرضت على شركة فولكس واجن Volkswagen ضريبة بقيمة 15 مليار دولار، وإذ بمجلس الاتحاد الأوربي يفرض ضريبة 13 مليار دولار على شركة آبل Apple بعد إثبات تهربهم من الضرائب، وبعدها جاءت واشنطن بحملة ضريبة 14 مليار دولار على أكبر بنك ألماني في واشنطن بنك دوتش Deutsche.

وليست آبل فقط، من المعلوم أيضاً، أنّ شركات أميركية كبيرة أمثال غوغل، والفيسبوك، ومايكروسوفت، وبفيزر، وغيرها من الشركات الضخمة، تستغل التراخي في القوانين الضريبية في أيرلندا، للتملص من هذه الضرائب، وبذلك ضاعفت هذه الشركات ثرواتها بأضعاف الأضعاف، ومن الواضح أيضاً، أنّ البنوك الأوربية، كان لها دورا ملموساً في الأزمة الاقتصادية التي ضربت العالم عام 2008 م، انطلاقاً من أميركا.

وبالمختصر المفيد، إنّ الشركات متعددة الجنسيات، لا تضع بالحسبان، قوانين التصاميم الليبرالية الجديدة، حتى التي وضعت لأجل مصالحها، ومع تصاعد ردّات وارتدادات، فعل الفئات الشعبية الواسعة، ومع الركود الاقتصادي الذي جاء بعيد الأزمة رأسمالية المصدر، والتي أدت إلى رفع الرماح الإمبريالية بوجه بعضها البعض.

هذا وقد نشرت وتنشر واحدة، من أهم المجلات الاقتصادية: The Economist الاقتصادية، ملحقاً بعنوان: ملحق خاص شركات مؤخراً، بالرغم من أنه كانت مصطلحات النص مختلفة بعض الشيء، ولكن في الحقيقة أظهرت منظومة الألاعيب التي استخدمتها كبرى الشركات، التي صنفت الأغنى عالمياً مثل: آبل، وغوغل، مايكروسوفت، وأمازون، والفيسبوك، والتويتر، في سبيل احتكار السوق، وإخراج باقي الشركات من حلبة المنافسة.

وفي كلمة ألقاها أوباما(منها نستطيع الحصول على استنتاجات جمّة)في مركز شركة نايك Nike من شهر أيار عام 2015 م قال العندليب الأسمر في حينه: في حين بقي اقتصادنا محافظاً على هذه القوة الكونية، يجب أن نكون على ثقة بأن أميركا هي من سيضع قوانين الاقتصاد العالمي، إذا ما وضعنا نحن قوانين التجارة العالمية، والاّ سيأتي يوم ستضعها الصين.

واضح أنّه: بدأ البساط ينسحب من تحت أقدامهم في المراكز الامبريالية، وزادت الدوافع التي تسبب الصدامات العنيفة بينهم، في المحصلة لا نستطيع أن نحكم الآن، إن كانت ستزداد الصدامات أم إن كانت ستهدأ، بسبب حروب أمريكا التي تورطت فيها أوروبا، وخاصةّ في أوكرانيا وقبلها سورية وباقي الساحات والمساحات وآخرها، الحرب والعدوان على غزة: فهو انجلوسكسوني غاية في الخبث، وهي ضمن الجماعة الامبريالية، يجب علينا أن ننتظر، تفاعلات اجتماع صندوق النقد الدولي واجتماع البنك الدولي في هذه السنة 2024 م، والتي أعتبرها سنة معيارية، ان لتصاعد الصدامات على طول خطوط العلاقات الأمريكية الأوروبية، وان لجهة أنّ الأمور تتجه نحو التهدئة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى