السياسية

حين يصبح الوطن شركة طائفية… هل نعلن إفلاسه؟!

بقلم: لبنى عويضة…

خاص: جريدة الرقيب الالكترونية

ما إن يُدقّ ناقوس الخطر لإنقاذ لبنان من مستنقع الطائفية، حتى تخرج من تحت ركام التاريخ أصوات مهووسة بالتقسيم، تستمدّ قوتها من الأوهام، وتصرّ على إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. ليست هذه الطروحات سوى مشاريع مشبوهة تتلطى خلف شعارات براقة، لكنها في جوهرها ليست إلا محاولة جديدة للالتفاف على مفهوم الدولة. ففي الوقت الذي يسعى فيه اللبنانيون إلى إعادة إحياء المؤسسات وترسيخ الشراكة الحقيقية، يعيد البعض طرح أفكار تقسيمية مغلّفة بعبارات الحداثة والتطوير.

المشكلة في النظام أم في تطبيقه؟

قبل الغوص في طروحات الفيدرالية، لا بدّ من طرح سؤال جوهري: هل المشكلة تكمن في النظام السياسي نفسه، أم في طريقة تطبيقه؟ لقد أُسيء تنفيذ العديد من الإصلاحات في لبنان، ليس بسبب عيوب في الدستور، بل نتيجة تعنّت القوى السياسية وسوء إدارتها.

الفيدرالية بين الطرح النظري والواقع العملي
لطالما كانت الفيدرالية موضع نقاش في لبنان، إذ نظر إليها البعض كمصباح علاء الدين القادر على انتشال البلاد من أزماتها، باعتبارها وسيلة تضمن الإدارة اللامركزية وتعزز التنمية المتوازنة. لكن اليوم، تغيّرت ملامح هذا الطرح، ولم يعد مجرّد مشروع لإعادة تنظيم الحكم، بل بات أقرب إلى إعلان الطلاق بين مكونات الوطن، حيث يُستخدم كأداة للتقسيم بدلاً من كونه حلاً إصلاحيًا.

لماذا تعود الفيدرالية إلى الواجهة الآن؟

ما يثير الريبة في الطروحات الفيدرالية اليوم هو توقيتها. فقد عادت هذه الدعوات بالتزامن مع العدوان الإسرائيلي الأخير على الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، مما أعاد لبنان عقودًا إلى الوراء. كما ترافقت مع السعي الدولي لإعادة رسم خرائط المنطقة، مما يطرح تساؤلًا جديًا: هل هذه الدعوات نابعة من قناعة داخلية، أم أنها مجرد صدى لأجندات خارجية؟

الخطر الحقيقي: الطائفية لا الخارج

من قال إن لبنان مهدّد من الخارج؟ الخطر الحقيقي ينبع من الداخل، من أولئك الذين يتغذّون على العصبيات الطائفية، ويستخدمونها متى دعت الحاجة لحماية مصالحهم الضيقة. هؤلاء لا يتوانون عن استدعاء التدخلات الخارجية كلما شعروا بتغير موازين القوى، وكأن الوطن مزرعة خاصة تُرسم حدودها بناءً على هواجسهم المرضية.

الحلّ الحقيقي: بناء الدولة بدل تفكيكها

لو كان لدى هؤلاء ذرة صدق، لطرحوا حلولًا لإعادة بناء الدولة، بدلًا من تقديم مشاريع تهدف إلى تقويضها. وبدلًا من تطبيق اتفاق الطائف بحذافيره، وإقرار قانون انتخابي حديث يعتمد الدوائر الكبرى، وإلغاء الطائفية السياسية، يهربون إلى الأمام، مستظلين بوهم التفوّق الطائفي.

اتفاق الطائف: الفرصة الضائعة

لقد كان اتفاق الطائف خطوة حاسمة نحو الاستقرار، لكنه ظلّ حبراً على ورق. فإلغاء الطائفية السياسية، وإصلاح النظام السياسي، وتحقيق الإنماء المتوازن، كانت جميعها بنودًا بقيت غير منفّذة، فيما ظهرت صفقات عززت الانقسام الطائفي والمجتمعي. فهل المشكلة في الاتفاق نفسه، أم في القوى التي عطّلت تطبيقه؟

الفيدرالية ليست حلاً بل مقدمة لانهيار لبنان

الفيدرالية لا تقدّم أي حلّ عملي للمشاكل البنيوية في لبنان، بل إنها تعمّق الفجوات بين اللبنانيين، وتفتح الباب أمام صراعات داخلية تُضعف الدولة وتجعلها أكثر عرضة للتدخلات الخارجية. وإذا ما اعتُمدت، فسنجد أنفسنا أمام مراكز قوة طائفية متناحرة تتصارع على السلطة والموارد، مما يهدّد وحدة البلاد ويغلق الباب أمام أي إمكانية للتنمية الشاملة.

الفيدرالية: حلٌّ لمن؟

حين تُطرح الفيدرالية كخيار سياسي، لا بدّ من التساؤل: من المستفيد منها حقًا؟ هل هي في مصلحة اللبنانيين جميعًا، أم أنها مجرد وهم يُباع لهم تحت عناوين الحقوق والخصوصيات؟ تخبرنا دروس التاريخ أن المشاريع التقسيمية لم تجلب يومًا الاستقرار، بل زادت الأزمات وعمّقت الشكوك بين أبناء الوطن الواحد.

لبنان ليس ملكًا لأحد… الوطن للجميع

لبنان لم يكن يومًا حكرًا على طائفة أو فئة دون أخرى، ولن يكون. هذه الأرض بُنيت بتضحيات الجميع، ولا يحقّ لأحد أن يحتكرها أو يفرض رؤيته عليها وكأنها ملك شخصي. من يرى في التنوع عبئًا، أو في الشراكة خطرًا، ربما عليه أن يعيد النظر في مفهومه للوطن. فلبنان ليس ساحة لمشاريع فوقية، ولا منصة لأوهام التفوّق التي لا تؤدي إلا إلى عزلة من يعتنقها.

الدولة المدنية هي الحلّ الوحيد

لقد اختبرنا في الماضي نتائج المغامرات السياسية غير المحسوبة، ونعلم جيدًا كيف يدفع الأبرياء الثمن في كل مرة. فهل نحتاج إلى تجربة جديدة لنستوعب الدرس؟ الفيدرالية ليست حلاً لأزمة لبنان، بل تعميق لها. الحلّ الحقيقي يبدأ ببناء دولة المواطنة، حيث يكون القانون هو الحكم، وحيث تُلغى الطائفية السياسية لصالح نظام حديث يضمن العدالة والمساواة للجميع. وهنا تجدر الإشارة إلى أن دستور الطائف هو الحل، وتطبيقه الكامل من دون انتقائية هو الطريق الوحيد إليه. فلا حلول مجتزأة تنقذ الوطن، ولا استنسابية تعيد بناء الدولة.

لا حاجة لمزيد من الجدران… بل إلى جسور تواصل

السؤال الأهم يبقى: هل أولئك الذين يرفعون لواء الفيدرالية مستعدّون حقًا للعيش في دولة المواطنة؟ أم أنهم يفضّلون الاحتماء بجدران الطوائف، حتى لو كان الثمن انهيار الوطن بأسره؟ في النهاية، لا تحتاج الأوطان إلى مزيد من الأسوار، بل إلى جسور تعيد وصل ما كسرته الحروب والانقسامات.

زر الذهاب إلى الأعلى