السياسية

كتب ناجي علي امهز، هل رسالة الحزب إلى حضرة الحبر الأعظم للكنيسة الكاثوليكية هي وثيقة سياسية و”عقد جديد” مع العهد البابوي الجديد

كتب ناجي علي امهز

منذ ان وصلتني رسالة حزب الله إلى قداسة البابا لاوون الرابع عشر وانا غارقا في تشريحها لأهميتها التي يجب ان يطلع عليها الجميع.

تخرج رسالة حزب الله إلى الحبر الأعظم، البابا لاوون الرابع عشر، في توقيت دقيق (29 تشرين الثاني2025) قبل وصوله الى لبنان بساعات قليلة، وهذه الرسالة تحمل في طياتها ما هو ابعد من سياق المجاملات البروتوكولية المعتادة، لتشكل وثيقة سياسية رفيعة المستوى تعكس “الواقعية الجديدة” التي ينتهجها الشيخ نعيم قاسم ومن معه.

إنها محاولة جريئة لتأسيس “عقد جديد” بين الضاحية والفاتيكان، يتجاوز التوجس التاريخي نحو الشراكة في “الهم الإنساني” وحماية لبنان.

يمكن تفكيك الشيفرة السياسية لهذه الرسالة عبر أربع ركائز استراتيجية:

1. المبادرة نحو “العهد الجديد في الفاتيكان”:
هذه المرة لم ينتظر حزب الله أن تأتيه المبادرات، بل بادر هو تجاه رأس الكنيسة الجديد قداسة البابا “لاوون الرابع عشر”. وهذا السلوك ليس غريبا عن حزب الله الذي يسعى دائما الى التقارب مع الكنيسة المارونية والدوائر الفاتيكانية، كما يعكس هذا التقارب قراءة دقيقة للمتغيرات الدولية؛ فالحزب يدرك أن الفاتيكان في عهده الجديد قد يحمل مقاربات مختلفة للعدالة الدولية، وهذه الرسالة هي خطوة لكسر العزلة الدولية عبر “الدبلوماسية الروحية”.

2. عقد “طمأنة” للمسيحيين (تثبيت الديمقراطية التوافقية):
لعل افضل وأهم ما في الرسالة هو التوضيح الذي أراد الحزب اظهاره بوضوح وكانه يرد على اعلام وبهورجية المحور الذين اظهروا قوة حزب الله كفائض قوة، كما حديثهم عن اعداد الشيعة وكأنها لتبتلع الاخرين،

فقد كان الحزب حريصا ان يعلن في الرسالة تمسكه بـ “الديمقراطية التوافقية”. في قاموس السياسة اللبنانية، وهذا الالتزام هو نهائي بعيدا عن “القوة” أو “التغير الديمغرافي”  فقد جاء في الرسالة:

لنؤكد، من جهتنا، تمسّكنا ‏بالعيش الواحد المشترك، وبالديمقراطية التوافقية، وبالحفاظ على الأمن والاستقرار الداخلي، وبحرصنا ‏على السيادة الوطنية وحمايتها، بالوقوف مع جيشنا وشعبنا لمواجهة أيّ عدوان أو احتلال لأرضنا ‏وبلدنا.‏

3. “أنسنة” الصراع وتدويل المظلومية:
بذكاء استوقف الكثيرين ولفت انتباههم،  فقد جاءت الرسالة الى قداسة البابا خالية من المصطلحات العقائدية (الإسلامية الثورية) وكان النص هو ليخاطب البابا بلغته هو: لغة “حقوق الإنسان”، “العدالة”، “رفض الإبادة”، و”أنصار يسوع”.

حزب الله منذ نشأته وهو ملتزم الحقوق الإنسانية وما حصل في التحرير عام 2000 يثبت هذا التوجه،  لكن ان تكون رسالة حزب الله لاول مرة فيها هذه المصطلحات، يقرا هذا التحول على مقدار ضراوة المعركة الأخلاقية، فحزب الله يريد ان يعيد الصراع الى وجهته الاصلية، وانه ليس صراع ديني (يهودي-إسلامي)، بل هو صراع إنساني بين (جلاد وضحية، حق وباطل). وهذا الخطاب الحقوقي هو الوحيد القادر على اختراق الجدار الغربي حالياً.

4. تحييد “الوصاية” عبر “السيادة”:
يطلب الحزب من البابا، وبمحبة كبيرة بان لا يتخلى عن لبنان وان يكون وتكون الفاتيكان، ظهيراً لـ “السيادة اللبنانية” في مواجهة “الوصاية الأجنبية” (في إشارة واضحة للتدخلات الأمريكية).

كما ان هذا النص رغم اختصاره الشديد الا انه يبرز وضوحا يبنى عليه وهو ان الحزب خاصة والشيعة عامة يفرقون بين  “الغرب الروحي” (الفاتيكان وبقية من هم مع السلام وحقوق المستضعفين) والدعاة الى نبذ العنف والتطرف ووقف الحروب والدفاع عن العدالة الانسانية، وبين “الغرب السياسي” (واشنطن) الذي يدعم الحرب، والحزب هنا يستنجد بالأول لكف يد الثاني.

الخلاصة:

هل رسالة حزب الله إلى حضرة الحبر الأعظم للكنيسة الكاثوليكية هي وثيقة سياسية و”عقد جديد” مع العهد البابوي الجديد، ننتظر.

—————-

اليكم نص رسالة حزب الله الى قداسة البابا.

رسالة حزب الله إلى حضرة الحبر الأعظم للكنيسة الكاثوليكية في العالم البابا لاوون الرابع عشر:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

حضرةَ الحَبر الأعظم للكنيسة الكاثوليكية في العالم

البابا لاوون الرابع عشر، الكلّي الاحترام.‏

تحيّةً طيّبةً.. وبعد،

 

في البدء، نُعرِب عن ترحيبنا الكامل وتقديرنا العالي لمقامكم، وللزيارة التي خصصتم بها لبنان؛ ‏هذا البلد الجميل بما حباه الله من موقعٍ جغرافي، وتنوّع طائفي مُنتظِم، في إطار عيشٍ واحدٍ وتوافقٍ ‏عامٍّ هما سمتان ضروريتان لاستقرار نظامه السياسي وأمنه الوطني..‏

 

لقد سبق لِسَلَفِكم الأسبق، البابا يوحنا بولس الثاني، أن اعتبر لبنان “ليس مجرّد وطن، بل رسالة”.. ‏وواقع الأمر يُثبت أنّ لبنان، بتكوينه المتنوّع، يمثّل صلة وصل حضاري بين أتباع الرسالتين ‏السماويتين، المسيحيّة والإسلاميّة، وبين أتباع الاتّجاهات الدينيّة والثقافيّة والعلمانيّة في كلّ دول العالم ‏وقارّاته.‏

 

وحين يكون الإنسان محور اهتمام كلّ الديانات، وحتى الاتّجاهات العقائدية الوضعية، يمكن ‏الاستبشار بالخير والتفاؤل بإمكانية تحقيق سلامٍ وأمنٍ دائمَين.‏

 

وإذ نقرأ في توجيهاتكم ورسائلكم، حرصًا أكيدًا على حقوق الإنسان، ووجوب احترامها وحمايتها، ‏فإنّ تلك الحقوق تتخطّى الجانب الفردي إلى دائرةٍ أوسع، هي دائرة الشعوب.‏

 

وما يشهده العالم اليوم من نزاعات.. فإنّ السبب الأعمق لذلك هو تنصّل البعض من أي التزامٍ، أو ‏اعترافٍ بحقّ الإنسان الآخر، سواء لسبب اختلافٍ معه في الدين أو اللون أو العرق أو اللغة أو ‏المصلحة..‏

 

ولا يَخفى أنّ ضمور احترام حقوق الإنسان لدى البعض، سواء كانوا زعماء أو جهاتٍ أو أحزابًا أو ‏طوائف أو دولًا أو منظّماتٍ، فإنّ ذلك يُنعش ويغذّي اتجاهات الطمع والسيطرة والتسلّط واللجوء إلى القوة ‏بدل الاحتكام إلى العدالة.‏

 

المأساة التي شهدتها غزّة في فلسطين المحتلة خلال السنتين الماضيتين، ولا تزال، هي مأساة ‏ناجمةٌ عن إمعان المحتلين الصهاينة بسلب حقوق الشعب الفلسطيني في أرضه ووطنه وتقرير مصيره، ‏وعن تنكّر النظام الدولي لاعتماد مقياس العدل والحق لإيجاد حلّ للصراع المستدام في منطقتنا، بين ‏صاحب الأرض والوطن، وبين الغاصب المحتل لهما.‏

 

كذلك، فإنّ المعاناة التي يعيشها اللبنانيّون، جرّاء الاحتلال الصهيوني لبعض أرضهم، ومواصلة ‏اعتداءاته عليهم وتهديد أمنهم واستقرارهم في بلدهم؛ طمعًا بالتسلّط على مياههم وأرضهم وثروتهم من ‏الغاز، ومحاولةً منه لفرض إذعانِ وخضوعِ اللبنانيين لشروطه الأمنية والتوسعية والسياسية، التي لا ‏قعر لها ولا نهاية.‏

 

ومما لا شكّ فيه هو أنّ الاحتلال الصهيوني يحظى – وللأسف الشديد – بدعمٍ غير محدودٍ من ‏دولٍ كبرى، تشاركه نزعة التسلّط والطمع بمصالح بلدنا ومنطقتنا، دون أيّ اكتراثٍ بحقوق شعبنا ‏وشعوب المنطقة.‏

 

إنّ ما قام به العدو الإسرائيلي في غزة بحق الشعب الفلسطيني هو جريمة إبادةٍ موصوفةٍ ؛ وما ‏يقوم به في لبنان، هو عدوانٌ متمادٍ مرفوضٌ ومُدانٌ.‏

 

إننا في حزب الله ننتهز فرصة زيارتكم الميمونة إلى بلدنا لبنان.. لنؤكد، من جهتنا، تمسّكنا ‏بالعيش الواحد المشترك، وبالديمقراطية التوافقية، وبالحفاظ على الأمن والاستقرار الداخلي، وبحرصنا ‏على السيادة الوطنية وحمايتها، بالوقوف مع جيشنا وشعبنا لمواجهة أيّ عدوان أو احتلال لأرضنا ‏وبلدنا.‏

 

كما أنّنا نلتزم بحقنا المشروع في رفض التدخل الأجنبي، الذي يريد فرض وصايته على بلدنا ‏وشعبنا، ومصادرة قراره الوطني وصلاحيات سلطاته الدستورية. ‏

 

وإذا كانت عقيدتنا تؤكد أنّ أنصار يسوع المسيح عيسى بن مريم، هم رسلُ محبةٍ وحفظِ حقوقٍ ‏واحترامٍ للإنسان، فإننا نعوّل على مواقف قداستكم في رفض الظلم والعدوان، اللذين يتعرَض لهما وطننا ‏لبنان على أيدي الصهاينة الغزاة وداعميهم.‏

 

هذا ما نُوْدِعكم إياه خلال الزيارة، التي تعبّرون فيها للبنانيين جميعًا عن اهتمامكم ومحبتكم ‏وتعاونكم، والتي نتمنى لمقامكم فيها الراحة والسلامة؛ راجين من الله سبحانه أن يمنّ على المظلومين ‏في العالم بالعدل والأمان والفرج.‏

 

مع أطيب التمنيات..‏

 

حزب الله – لبنان

العلاقات الاعلامية في حزب الله

السبت 29-11- 2025‏

‏8 جمادى الآخرة 1447 هـ

 

زر الذهاب إلى الأعلى