السياسية

لماذا يغيب “بابا الشيعة” عن جنوبنا.. بينما يحطّ “بابا المسيحيين” في رحابنا؟

بقلم: ناجي علي أمهز

“في البدء، ومن منطلق الحقائق الراسخة التي تُثبِت أنّ لبنان أرضُ الرب، تأتي زيارة الحبر الأعظم، قداسة البابا لاون الرابع عشر، إلى لبنان. ففي هذا الوقت تحديدًا، وفي ظلّ الظروف القاهرة، تبدو هذه الزيارة كأعظم هدية إلهية تمنحها السماء لحفظ حدود لبنان في زمن المتغيرات الجغرافية الإقليمية. كما أنّ أسمى استقبال لقداسته من قبل الشعب اللبناني، في هذا التوقيت بالذات، هو أقلّ واجب يُقدَّم لمن يأتي حاملاً الرجاء والسلام.”

وامام دموع الفرح والرجاء التي يعيشها اخواننا المسيحيين، تقف الطائفة الشيعية المحاصرة من اسرائيل وسوريا اضافة الى اختلاف الداخل عليها، وما يرافقه من ضغوط امريكية وحصار دولي عليها، للتسال اين “بابا الشيعة”

وهو تساؤلٌ مشروع ينبثق من رحم المعاناة: أين هو “أبُ الشيعة” الروحي عن جنوب لبنان؟ لماذا لا يطأ ترابه، ويقيم صلاة الحاضر على أرواح شهدائه، ويمسح بعباءته المباركة على جراح أهله وأرضهم؟

لم يكن لبنان يوماً مجرد رقعة جغرافية عابرة، بل هو، كما تصفه الأدبيات اللاهوتية والفلسفية، “رسالة” ووطنٌ تشكّل من هندسةٍ دقيقة للتوازنات الروحية. هذا البلد الذي حُبي بنعمةٍ سرمدية تُحاكي أعجوبته الكبرى، يمتلك قدرةً فيزيائية وميتافيزيقية على اختزال أوجاع العالم في مساحته الضيقة. فالسماء لم تكتفِ بمباركة أنبيائه فحسب، بل أسبغت قداستها على كينونته الطبيعية؛ فشمسه، وقمره، وترابه الذي تجاوز المفهوم الجيولوجي ليصبح امتداداً للتاريخ والقداسة، كلها شواهد على ذلك.

من هذا المنظور، فإن زيارة قداسة البابا ليست مجرد بروتوكول دبلوماسي، بل هي وقوفٌ رمزي على “عتبة الألم”، وإقرارٌ بأن قدر هذا الوطن أن يكون منصةً كونية للروح والمحبة في عالم يضج بصخب الحروب.

بيد أن هذا المشهد الجليل، ورغم هالته النورانية، لا يحجبُ سؤالاً ثقيلاً يختلج في صدور السواد الأعظم من الشيعة، سؤالاً يتردد صداه في الأروقة والنفوس:

لماذا يعتكف المرجع الأعلى، سماحة السيد علي السيستاني، عن زيارة لبنان في هذه الحقبة المفصلية التي تسير فيها الطائفة وكأنها تعبر “صراطاً” ضيقاً بين الحياة والفناء؟

لقد سجل التاريخ الحديث لحظةً فارقة حين تجشّم البابا فرنسيس عناء السفر إلى النجف الأشرف عام 2021، ليقف متواضعاً عند بابٍ خشبي بسيط في تلك الحارة العتيقة. جلس قبالة السيد السيستاني، ليُصدّر للعالم انطباعاً مفاده أن حوار الأديان ليس تنظيراً أكاديمياً، بل هو شجاعة الإقدام على “الآخر”، والذهاب إليه لاخبره عن محبة “الاله الذي اعبده”. وهنا يبرز التساؤل المضمخ بالمحبة والعتب الصادق: إذا كان رأس الكنيسة الكاثوليكية، بما يحمله من أثقال السنين ومسؤوليات الفاتيكان، قد استطاع الوصول إلى عتبة المرجع، أفلا يستطيع المرجع أن يصل إلى “أيتامه” في لبنان، ولو لمرة يتيمة، ولو لساعة زمنية واحدة؟

إن المطلب هنا يتجاوز الطقوس الدينية أو الكرنفالات الاحتفالية، ولا يمت بصلة للاصطفافات السياسية الضيقة. إنها حاجة سيكولوجية وروحية عميقة؛ حاجة الجماعة البشرية إلى “أبٍ” يقف بينهم حين تضيق عليهم الأرض بما رحبت. شيعة لبنان لا يطلبون اجتراح المعجزات، بل يطلبون “الحضور”؛ يطلبون الترياق النفسي المتمثل في كلمةٍ يُتصدّق بها عليهم. وليعلم القاصي والداني، أن ضجيجنا وصراخنا وتحدينا للعالم، ما هو إلا انعكاسٌ لجزعٍ دفين، وحزنٍ سرمدي لا ينضب. نحن بحاجة ماسة إلى “يدِ أبٍ” تربت على أكتافنا المثقلة.

ثمة مسؤولياتٌ جسام تقع على عاتق المرجعية، ليست سياسية بالمعنى الوضعي، بل “وجدانية” عابرة للحدود، تتجاوز جغرافيا العراق لتشمل كل بقعة يُرفع فيها لواء أهل البيت. من النجف، يمكن أن تنطلق كلمة واحدة تعيد هندسة الوجدان الشيعي في لبنان، كلمة مفادها: “لا تخافوا.. أنتم لستم وحدكم”. جملةٌ مقتضبة، لكنها كفيلة بترميم اليقين المتصدع، ووضع حدٍ للهواجس التي جعلت الطائفة تعيش تراجيديا “كربلاء” يومية، وكأنّ قدرها أن تظل تدور في فلك الكرّ والبلاء.

بإمكان المرجعية – لو شاءت الإرادة – أن تخاطب الضمير العالمي، من الأمم المتحدة إلى الفاتيكان وعواصم القرار. فصوت السيد السيستاني ليس صوت دولة محدود الصلاحية، بل هو “صوت الحكمة”، والحكمة حين تنطق، تُحرك مياهًا راكدة تعجز الجيوش والمعاهدات عن تحريكها. بإمكانه تذكير القوى الكبرى، وحتى الحكومة العراقية، بأن شيعة لبنان هم جزءٌ أصيل من المسؤولية الأخلاقية للنجف، وليسوا هامشاً جغرافياً منسياً، وأن التحرك الدبلوماسي العراقي يجب أن يكون بحجم المأساة، لا موقف المتفرج.

لكن، يبقى جوهر السؤال وجودياً لا سياسياً. إنه السؤال الذي يتمتم به الشيعي منذ واقعة الطف: لماذا كُتب علينا هذا اليُتم الطويل؟ لماذا كلما اشتد الخطب، لم نجد ملاذاً سوى دموعنا وصور الأئمة المعلقة على الجدران؟ لماذا نشعر دائماً بمسافةٍ ضوئية تفصلنا عن الأبوة الروحية؟

هذه الأسئلة ليست برسم المرجعية فحسب، بل برسم القدر ذاته. فالشيعة الذين عاشوا تاريخياً عند تقاطع الألم والصبر، يبحثون اليوم عن “ظلٍ” يقيهم لفح هجير الخذلان.

ختاماً، إن زيارة البابا للبنان حدثٌ مبارك يحمل نسائم السلام التي يحتاجها الشرق. ولكن، يظل غياب السيد السيستاني عن المشهد اللبناني جرحاً مفتوحاً وسؤالاً معلقاً. ليس عتباً بقدر ما هو رجاء.. رجاء أن يرى الأب أبناءه، أن يجالسهم، أن يبلسم جراحهم، وأن يقول بلسان الحال والمقال: “أنا هنا”.

ففي هذا الشرق الحزين، بعض الكلمات لا تغير المعادلات السياسية فحسب، بل تُعيد صياغة مصائر الشعوب. ولبنان، المشرئب بعنقه نحو السماء، ما زال يأمل أن تأتيه البركة من النجف، كما تأتيه من روما.

زر الذهاب إلى الأعلى