اخبار ومتفرقات

اللغة العربية ثروة حقيقية نملكها… لكننا لا نُحسن تقديرها.

اللغة العربية ثروة حقيقية نملكها… لكننا لا نُحسن تقديرها.

بل الأخطر أننا نتعامل معها أحيانًا وكأنها عبءٌ حضاري، لا ركيزة وجود وهوية.

خلال زيارتي إلى آيسلندا، دار بيني وبين الرئيسة السابقة للبلاد، فيغيديس فينبوغادوتير (1980–1996)، حديثٌ لا يُنسى. قالت لي جملة تختصر فلسفة أمّة كاملة:

«اللغة هي قصورنا نحن الآيسلنديين»

لم تكن تقصد اللغة كوسيلة تواصل فحسب، بل كبيتٍ رمزي يسكنه التاريخ والذاكرة والكرامة. اعتبرت أن لغة الإنسان هي هويته الأولى، الجسر الذي يربطه بأهله وأرضه، ومن يتخلّى عن لغته يتخلّى، عن وعي أو عن جهل، عن ذاته. وحين تضيع اللغة، يصبح التواصل مع الوطن هشًّا، والانتماء ملتبسًا، والهوية قابلة للتآكل.

فكيف لنا أن ننهض من كبوتنا؟

كيف نُضمد جراحنا ونبني مستقبلًا لأبنائنا، ونحن نُقنعهم – صراحة أو ضمنًا – بأن لغتهم الأم سِمة رجعية، لا تليق بـ«العصر»؟

أي مفارقة هذه، ونحن نملك واحدة من أعمق وأغنى وأجمل لغات العالم؛ لغة حملت الفلسفة والعلوم والشعر والتشريع، وكانت جسرًا حضاريًا بين الأمم؟

في لبنان، نتباهى بإتقان اللغات الأجنبية، وهذا بحد ذاته قيمة، لكن المأساة تبدأ حين يتحوّل هذا الإتقان إلى استحياء من لغتنا الأم. هنا يكمن الخلل العميق، وهنا يبدأ التفكك الحقيقي للمجتمع من الداخل.

أولادنا – إلا قلة قليلة – يعجزون عن فكّ الحرف العربي، بينما نرى في المقابل دولًا غربية وشرقية تستثمر الوقت والمال لتعلّم العربية، لا حبًّا بها فقط، بل لفهم ثقافتنا، وقراءة تاريخنا، والتحكّم بمساراتنا.

كما ثرواتنا الطبيعية المهدورة، لغتنا العربية ثروة سيادية مهدورة.

هي عنصر جامع لأكثر من 450 مليون عربي، لكن الجهل بقيمتها، وغياب الوعي بمكامن القوة فيها، جعلا هذه الأمة تتفكك وتتشرذم، فكان اختراقها سهلًا، وتمزيقها أيسر… تمامًا كما نعيش اليوم.

اللغة ليست ترفًا ثقافيًا،

وليست مادة مدرسية ثانوية،

بل هي أمنٌ قومي، وذاكرة جمعية، وأداة مقاومة ناعمة، ومن دونها لا مشروع وطن، ولا نهضة، ولا مستقبل.

لعلّنا نحتاج فعلًا إلى صاعقة وعي…

توقظنا قبل أن نفقد آخر ما يربطنا بأنفسنا.

صباحكم وطن حقيقي نحلم به ونطمح إليه.

خلود وتار قاسم 

المقال يعبر عن رأي الكاتب وليس رأي الموقع، شكرا على المتابعة. 

زر الذهاب إلى الأعلى