
من عادتي أنني أكتبُ للعقل أولاً، وأخاطبُ الفكرَ في تجرُّدٍ يُجاوزُ الاصطفافات، ومهما كان موقعك أو حجمُ تأييدك أو رفضك لما أخطُّه، فإنني أُقدّم إليك “المنطق” في صورةٍ نقية، بعيداً عن صخبِ العاطفة أو ضجيجِ الانتماء.
في موازين السياسة الباردة، يمكن القول إن الشيعة قد جانبوا الصواب في قرار “إسناد غزة”؛ فالحسابات الرقمية والظروف السياسية والإعلامية تشير إلى خطأٍ جسيم في التوقيت وإدارة المعرفة.
لكن، حين ننتقل من “براغماتية السياسة” إلى “رحابة الأخلاق”، نجد مشهداً مغايراً تماماً.
ما قام به الشيعة -على قلة عددهم وتواضع عتادهم في مواجهة آلة عاتية، وفي ظل تخلٍّ وخذلانٍ من محيطٍ عربي وإسلامي غارق في الصمت- هو عملٌ بطولي إنساني، يرتقي إلى مرتبة “الإنسانية المطلقة” والنزوع الفطري نحو نصرة المظلوم.
لقد استبان لنا بوضوح: في السياسة أخطأ الشيعة الحساب، وفي الأخلاق صدقوا الامتحان، مسجلين أسمى تجليات الإيثار في التاريخ المعاصر.
إن ما اجترحه الشيعة في عام 2023 يتماثل -حدَّ التطابق- مع ملحمة “المُصفّين” “في كارثة مفاعل “تشيرنوبل” عام 1986.
حينها، تطوع إطفاؤون وعمال مناجم وجنود في مهمات انتحارية لتطويق الإشعاع القاتل، وغاص “الغواصون الثلاثة” في قلب المياه الملوثة لمنع انفجارٍ بخاري كاد أن يمحو نصف القارة الأوروبية. هؤلاء الأبطال ضحوا بحياتهم وأجسادهم لإنقاذ ملايين البشر من فناءٍ محتم.
وبالمثل، تقدم الشيعة في لبنان ليحملوا عن الأمة وزر المواجهة، ضاربين عرض الحائط بسلامتهم الشخصية واستقرارهم الوجودي.في غمار الحرب، خسر الشيعة الكثير؛ خسارةٌ فادحة في الأرواح والمقدرات ربما لا تُعوّض في المدى المنظور.
ومع ذلك، لا يمكن لأي منصفٍ نكران حقيقة أنهم لم ينكسروا. بل هم اليوم يحاولون النهوض من بين الركام في مشهد تاريخي يجسد قدرة الشعوب الحية على الانبعاث. ولو أن هذا الشعب الشيعي الذي يجيد التضحية، امتلك أدوات تسويق سياسي وإعلامي توازي حجم بذله للتضحيات، لدخل التاريخ والمستقبل من أوسع أبوابه.
“حتما سيتراجع هذا الضجيج الإعلامي المستورد من شعارات قومية ويسارية زائفة، لتحل محله “الواقعية الروحية” التي أرسى قواعدها إمام البلاغة والانسانية علي بن أبي طالب، الذي يسيرون على نهجه.”كما أثبت الشيعة، في التزامهم التام بوقف إطلاق النار، أنهم “أهل عهد”.
فقد انضبطوا حرفياً أمام دولتهم اللبنانية، والقوى الدولية رغم الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة لاستفزازهم وجرهم الى حرب جديدة، لذلك كل تحريض او استفزاز بعد اليوم ان كان داخليا او حتى من قبل اسرائيل لجر الشيعة الى حرب جديدة، هو بمثابة خيانة وطنية وانسانية وحتى دولية الغاية منها ان ترتكب جريمة جديدة بحق الشيعة الذين لم يعد يريدون الحرب. ان هذا الالتزام الشيعي يحمل رسالتين:
•دولياً: أن هذه الطائفة تلتزم بتعهداتها بمسؤولية وطنية عالية.
•داخلياً: ثمة “اعتذار ضمني” للشعب اللبناني والعربي والاسلامي وحتى الدولي.
فرغم أن التضحيات والدمار تركزت في ارواحهم واجسادهم وبيوتهم ومناطقهم، إلا أنهم أدركوا أن قراءتهم للمحيط كانت مفرطة في المثالية.
لم يتصور الشيعة أن يصل اخوتهم في المواطنة والانتماء الوطني، وكذلك في العالم العربي والاسلامي إلى هذه الحالة من الطائفية القاتلة بمعنى ان الشيعي يقتل وكانه كائن من كوكب اخر، بينما الشيعي لم يفكر للحظة بانه يدافع عن سنة غزة، بل مات الشيعي ليوقف الموت في غزة.
• كما ان الشيعي اكتشف ان القيم التي يحاول ان يجسدها، ” من إنسانية ودينية، قد تخلى عنها الكثيرين الذين رضوا ان يُذبح الأطفال والنساء دون أن تتحرك حتى “مجموعة” صغيرة لنصرتهم.
لقد اعتذر الشيعة لأنهم “أحسنوا الظن” بضمير الشعوب وعدالة المجتمع الدولي.
منذ وقف إطلاق النار، قدم الشيعة أكثر من 1500 شهيد وجريح ودماراً لا يوصف، وتعاونوا مع السلطة السياسية اللبنانية بلا مماطلة أو شروط. لذا، لم يعد يجوز -وطنياً أو أخلاقياً- مطالبتهم بالمزيد.
المسؤولية الآن تقع على عاتق الدولة: عليها انتزاع وقف العدوان، قبل الحديث عن انتزاع ما تبقى من سلاح، وتأمين الانسحاب من النقاط المحتلة، والشروع في إعادة الإعمار.
إن أي ضغط إضافي على الشيعة هو تفريط بالسيادة الوطنية بلا مقابل، وإعلان صريح بهزيمة الدولة اللبنانية ككيان. لقد قبل الشيعة “تجرع مرارة الهزيمة” في حسابات الميدان لتبقى “الدولة” منتصرة في دورها وخياراتها السيادية. وكما صرح الشيخ نعيم قاسم: “الجميع اليوم خلف الدولة، وهي المسؤولة بالدفاع عن شعبها وسيادتها، والمقاومة خلفها فيما تطلبه”.
إن الحديث عن نزع ما تبقى من سلاح المقاومة شمال نهر الليطاني، قبل أن تفي إسرائيل بالتزاماتها، يخرج من سياق السياسة ليدخل في سياق “التخلي عن السيادة الوطنية”.
كيف يُطالب شعبٌ يقطن في العراء، بلا سقف يحميه ولا دولة تدافع عنه، بالتخلي عن وسيلة دفاعه الوحيدة والمحدودة في منطقة تُذبح فيها الناس على الهويات الطائفية؟مطلب نزع السلاح لم يعد مطلبا سياسياً او سياديا، بل هو دعوة لـ “الانتحار الجماعي” أو تسليم رقاب الشيعة لمقصلة الاحتلال الاسرائيلي.المطلوب اليوم هو حماية لبنان عبر استثمار التضحيات الشيعية للضغط دولياً على إسرائيل، واستلام بقية سلاح المخيمات، وايجاد حل لقضية النازحين السوريين.
المطلوب حراك عربي ودولي للوصول إلى تسوية شاملة تحفظ الحقوق.
كما ان صمت الشيعة عن الحراك الدبلوماسي اللبناني هو موافقة ضمنية على اي تسوية دون الانزلاق إلى التطبيع اوالتبادل الدبلوماسي والتجاري، بل ضمن اتفاق سلام مبدئي يحمي الأرض والكرامة إلى حين التسوية الكبرى في المنطقة برعاية عربية.لقد قدم الشيعة كل ما يملكون.. والآن جاء دور “الدولة” و”الأشقاء” ليثبتوا وجودهم.