اخبار ومتفرقات

عزم الـ.ـعـ.ـدو على ضرب المركز والجبهات الناشطة

 

د. عبد الله عيسى| كاتب وباحث سياسي

من المناسب التوقّف عند السيرة الـ.ـعـ.ـدوانيّة لرئيس أركان جيش الاحتـ.ـلال “الإســـ..ـرائيليّ” إيال زامير بما تختزنه هذه الشخصيّة من ثقة صلبة لدى المستوى السياسي الحالي في كيان الـ.ـعـ.ـدوّ وتحديدًا مع بنيامين نتنياهو، وبما يفضي الى فهم ما يدور داخل أروقة المؤسّسة العسـ.ـكر يّة “الإســـ..ـرائيليّة” وخياراتها التوسّعيّة.

ولهذا يشكّل البحث عن منطق تفكيره واشتغاله إزاء الجاري من الأحداث المعقّدة بكلّ مخاطرها، حبكة فهم مهمّة للاستشراف والتنبؤ؛ حيث تجمع منهجية زامير الفكريّة بين البُعد الإستراتيجي والتطبيق العملي الملموس استنادًا إلى تجربته الميدانيّة الواسعة وخلفيّته الاستخباراتيّة العسـ.ـكر يّة ودراسته الأكاديميّة المعمّقة؛ حيث نشر دراسة معمّقة (75 صفحة) في مايو/أيار 2022، حملت عنوان “مـ..ـواجهة إستراتيجيّة إيران الإقليميّة: خطة شاملة طويلة الأجل”، بعد استغراقه عامًا كاملًا كزميل عسـ.ـكر يّ زائر في “معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى” (مركز أبحاث مؤثّر في دوائر السياسة الأميركيّة) إذ أن أفكاره محل اهتمام وتقدير من النخب الأمنيّة الأميركيّة.

خدم إيال زامير في جيش الـ.ـعـ.ـدوّ منذ عام 1984. تدرّج في الرتب العسـ.ـكر يّة وشغل مناصب قياديّة عالية، وعُرِفَ عنه تأييده للحـ..ـرب البريّة التقليديّة وتقوية قدرات سـلـاحي المدرّعات والصوا ريخ. يوصف بأنه “منهجيّ ومنضبط”. قام بإعادة بناء هيكلة داخليّة لجيش الـ.ـعـ.ـدوّ على ضوء مراجعة الدروس بعد عمليّة طـ.ـوفان الأقـ..ـصى المظفّرة (7 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023)، معلنًا عن خطّة لدمج هذه الدروس في عمل الجيش “الإســـ..ـرائيليّ” للسنوات القادمة، حائزًا على ثقة قادة سياسيّين من أطياف مختلفة.

*إستراتيجيّات زامير في الحر ب على إيران*

بما يتصل بالجمهوريّة الإسـلا ميّة في إيران وجبهة المقــاومة، ينطلق زامير من دراسة جذور الصراع الأيديولوجيّة/ العقائديّة والتاريخيّة معتبرًا أن التهديد نشأ مع ثورة 1979، رافضًا التعامل مع هذا التهديد على حد وصفه كسلسلة أزمات منفصلة، داعيًا لإستراتيجيّة متراكمة تستغل نقاط ضعف إيران الداخليّة (كالأزمة الاقتصاديّة والانقسامات المجتمعيّة) حتّى تبلغ “الانهيار والتفكّك”.

يرى زامير أن إيران تسعى للهيمنة وتصدير الأيديولوجيا، وأنها شكّلت “دولة عتبة نوويّة” ما يعني بالنسبة إليه أن البرنامج النوويّ هو تهديد حقيقيّ وجوديّ يفوق التهديد التقليدي.

ينظر إلى الحـ..ـرس الثـ.ـوريّ الإيرانيّ كمؤسّسة شاملة (عسـ.ـكر يّة، اقتصاديّة، سياسيّة) ومركز ثقل النظام والمسؤول عن الأ سلحة الإستراتيجيّة (صوا ريخ إستراتيجيّة، طا ئرات مسـ..ـيّرة)، وكعمود فقري للمشروع الإيرانيّ وشبكته الإقليميّة والمسؤول عن تدريب وإدارة “الجيش الشيعيّ الراديكالي” بحسب تعبيره. ولذلك يجاهر في تبنّيه إستراتيجية ردع تقوم على إضعاف الحـ..ـرس الثـ.ـوري من خلال استـ..ـهداف قياداته، وشركاته الاقتصاديّة، وقدراته العسـ.ـكر يّة مباشرة.

يعتنق تعزيز المنهجية العـــ..ــمـلـيـاتيّة و”الحملة الرماديّة” المستمرّة تحت عتبة الحر ب الشاملة (عمليّات سريّة، ضربات دقيقة ضدّ أهداف حيويّة وشحنات الأ سلحة ومستودعات الصوا ريخ والقادة الميدانيّين للحرس الـثـ.ـوري ووكلائه، هـجـ.ـمات إلكترونيّة، …) بين الحروب الكبرى لتقويض المكاسب الإيرانيّة دون الدخول في مـ..ـواجهة شاملة كلّ مرّة، إلى جانب استنزاف ما يسمّيه “الوكلاء أو جيش الظلال” وإضعاف روابطهم بطهران لتحقيق ردع غير مباشر ونقل المعركة لأراضي الخصم، ويدعو لربط المساعدات الاقتصاديّة للبنان والعراق بشرط تقليص نفوذ الوكلاء الإيرانيّين.

والأهم أنه يتبنّى كسر نظريّة “التحصّن خلف الوكلاء” عبر تغيير قواعد الاشتباك وضرب المركز في إيران نفسها ردًّا على أي هـ..ـجوم، وجعلها “هـ.ـدفًا مباشرًا” للردع عن التصـ..ـعيد أو بناء التهديد، وليس فقط وكلاءها، حيث يشكّل مبدأ “الردع المرن المباشر” حجر الزاوية في مقاربته العسـ.ـكر ية.

*المعركة لم تنتهِ والجبهات ناشطة*

يميل زامير إلى تحليل الصراعات تحليلًا إستراتيجيًّا شاملًا وممتدًّا، كمعارك جيوسياسيّة ممتدّة وصراع وجود طويل الأمد يحدّد شكل المنطقة، وليس مجرّد أزمات آنيّة عابرة، ما يتطلّب تعاونًا متعدّد الجبهات من خلال بناء حتميّ لتحالف إقليميّ ودوليّ (أميركيّ، أوروبيّ، إســـ..ـرائيليّ، عربيّ، …) عبر الدبلوماسيّة التحالفيّة كقوّة مضاعفة، يشمل أنظمة إنذار مبكّر مشتركة ودفاع صـ.ـاروخيّ متكامل مع الاستعداد لضربات استباقيّة ضدّ ترسانة صوا ريخ باليستيّة وطا ئرات مسـ..ـيّرة تشكّل تهديدًا “فوق تقليدي ودون نووي”، وقدرات بحريّة غير متماثلة في مضيق هرمز.

ويرى في انتقال “إســـ..ـرائيل” إلى الـقـيا دة المركزيّة الأميركيّة (CENTCOM) و”اتفاقيات إبراهام” أساسًا لتحالف فعليّ ضدّ التهـ..ـديدات الصـ.ـاروخيّة والإيرانيّة، ويحذّر بشكل مباشر من سرعة إعادة بناء إيران لترسانتها الصـ.ـاروخيّة بعد حـ..ـرب يونيو/حزيران 2025، ويصف هذه الصوا ريخ بأنها تشكّل تهديدً وجوديًّا لا يقل عن التهديد النووي، وأن المناورات الإيرانيّة قد تكون غطاء لهـ..ـجوم مفاجئ.

منذ أسابيع، أكّد زامير أن “المعركة لم تنته وكلّ الجبهات ناشطة وما زالت أمام “إســـ..ـرائيل” تحدّيات جمّة”.

يحمل هذا الكلام معطوفًا إلى رؤيته وجهةً حاسمة تؤشّر على عزم الـ.ـعـ.ـدوان بكلّ أشكاله المدمجة للإستراتيجيّات الواردة أعلاه، وفي نفس الوقت يحمل في دلالاته إقرارًا بعدم الانـتــ.ــصـار الواضح للكيان “الإســـ..ـرائيليّ”، وعدم هــ..ــزيـ.ـمـة جبهات المقــاومة في جولات القتال السابقة، لكنّه في آن معًا يستدعي في مقابله التوازن الواقعي وحتميّة التمسّك بأوراق القوّة لإيران وقوى المقــاومة وتعظيمها بنحو ملموس وكفوء وفعّال، مع معالجة الخلل والمضي السريع والدقيق غير المتسارع في التعافي، والاستفادة القصوى من الطاقات الإنسانيّة واستثمار الموارد والتكنولوجيا وإدارتها بما لا يتوقعه الـ.ـعـ.ـدو.

*إن الجهوزيّة التامة وعدم الاغترار أو الفتور؛ هما طريق إجهاض إستراتيجيّات زامير، مع التنبّه إلى أن سيف الوقت مزدوج الأثر والتسابق على اغتنامه النوعيّ، الذكيّ والبنيوي، هو الحاسم.*

زر الذهاب إلى الأعلى