
في عصر تتداخل فيه التكنولوجيا مع كل تفاصيل حياتنا، ويصبح فيه الذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي جزءًا أساسيًا من يومياتنا، تزداد الحاجة لفهم تأثير هذه الأدوات على وعينا وسلوكنا. إيمان غانم، كوتش ومدرّبة معتمدة في البرمجة اللغوية العصبية (NLP)، دخلت هذا المجال بدافع شخصي لفهم النفس البشرية، قبل أن يتحوّل شغفها إلى مسار مهني لمرافقة الأفراد نحو وعي أكبر بأنفسهم وبعلاقاتهم.
في هذا السياق، أجرينا معها الحوار التالي:
– إلى أي مدى تحوّلت وسائل التواصل الاجتماعي من أداة تواصل إلى إدمان فعلي يتحكم بسلوك معظم الناس، كبارًا وصغارًا؟
تحوّلت وسائل التواصل الاجتماعي عند شريحة كبيرة من الناس من وسيلة تواصل إلى نظام تحفيز نفسي مستمر.
لم تعد تُستخدم فقط للتعبير أو التواصل، بل أصبحت مصدرًا سريعًا للدوبامين، يخلق تعلّقًا لا واعيًا، ويؤثر على الانتباه، المزاج، وتقدير الذات المشكلة ليست في التكنولوجيا نفسها، بل في طريقة تصميمها التي تعتمد على الإشعارات، التمرير اللانهائي، والمقارنة الاجتماعية .الكبار يتأثرون كما الصغار، لكن الفرق أن الأطفال والمراهقين يفتقدون لأدوات الوعي والضبط الذاتي، ما يجعل التأثير أعمق وأخطر .
– ما الدور الذي يجب أن يلعبه الأهل لحماية أولادهم من الإدمان الرقمي؟
لا يقتصر دور الأهل على المنع أو الرقابة، بل يبدأ بـالقدوة، لا يمكن مطالبة طفل بتقليل استخدام الهاتف او السوشال ميديا والذكاء الاصطناعي إذا كان يرى الأهل غارقين فيهم.
الحماية الحقيقية تقوم على : الحوار المفتوح لا التخويف ، وضع حدود واضحة ومتّفق عليها، تعليم الطفل الفرق بين الاستخدام الواعي والاستهلاك القهري ، تنمية البدائل: أنشطة، تواصل حقيقي، ومساحة للتعبير العاطفي .الأهل ليسوا حرّاسًا، بل مرافقين في رحلة الوعي الرقمي.
– نلاحظ اليوم أن كثيرًا من الناس أصبحوا يلجؤون إلى الذكاء الاصطناعي لمشاركة أفكارهم ومشاكلهم وطلب النصيحة في كل تفاصيل حياتهم…ما رأيك؟
إن اللجوء إلى الذكاء الاصطناعي يعكس حاجة إنسانية حقيقية : الحاجة لمن يسمع دون حكم، ويُجيب بسرعة، ويمنح شعورًا بالأمان .
لكن الخطورة تظهر حين يتحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة مساعدة إلى بديل عن الوعي الذاتي والعلاقات الإنسانية. الذكاء الاصطناعي يستطيع التحليل، لكنه لا يعيش التجربة، ولا يتحمّل نتائج القرار بدل الإنسان.المشكلة ليست في السؤال، بل في التفويض الكامل للتفكير والمسؤولية.
– هل الاعتماد الكبير على الذكاء الاصطناعي قد يُضعف مهارات التفكير والتحليل واتخاذ القرار عند الإنسان مع الوقت؟
نعم، إذا استُخدم بشكل غير واعٍ،أي مهارة لا نستخدمها تضعف، والتفكير النقدي ليس استثناءً لكن في المقابل، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون أداة تدريب للعقل إذا استُخدم بذكاء..لطرح أسئلة أعمق، لتوسيع زاوية الرؤية لاختبار الفرضيات، لا لاستبدال القرار.الفرق دائمًا بين:فكّر بدلًا عني وفكّر معي .
– كيف يمكن للإنسان الاستفادة من التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي دون أن يفقد استقلالية تفكيره وهويته الشخصية؟
الجواب يكمن في الوعي والحدود أن نستخدم التكنولوجيا كوسيلة، لا كمرجعية نهائية:الإنسان يحافظ على هويته حين يعرف قيمه قبل أن يبحث عن إجابة يراجع ما يتلقاه بدل ابتلاعه.
يسأل: هل هذا القرار يشبهني؟الذكاء الاصطناعي قوي، لكن الوعي الإنساني هو البوصلة.
– ما التداعيات النفسية والاجتماعية طويلة المدى إذا استمر هذا النمط من الاعتماد الرقمي لدى الأجيال الحالية؟ وما الحل؟
إذا استمر الاعتماد الرقمي دون وعي، قد نواجه : ضعف في العلاقات العميقة،تراجع مهارات التعبير العاطفي،هشاشة نفسية أعلى، جيل يعرف كل شيء..لكنه لا يعرف نفسه.
أما الحل فليس في الرفض أو المنع، بل في التربية على الوعي الرقمي، إدخال الذكاء العاطفي إلى التعليم،إعادة الاعتبار للتواصل الإنساني الحقيقي، تعليم الأطفال كيف يفكّرون، لا ماذا يفكّرون.