
بقلم ناجي علي أمهز
من وقت ولادة لبنان الكبير… ولحدّ مبارح،
كان الولد يخلق بهالأرض، ويفتح عيونو عَ صوت فيروز.
يكبر عشر سنين، وبعدو الصبح ما بيبلّش إلا فيها، ومعها أغاني الطفولة ومقدمات الكرتون.
يوصل عَ الخمستعش، يدقّ قلبو أول دقّة حب، فجأة بصير يسمع هاني شاكر. نهارو دموع، وسهراتو حزن… بس الصبح؟ الصبح ما حدا بياخدو من فيروز.
بالعشرين، بيجي الحبّ متل عاصفة، وبيفوت عَ عالم عبد الحليم حافظ. طرقات مسكّرة، شباك مسكّر، قلب مكسور، ودراما عالآخر… ولولا فيروز كل صباح، كان يمكن يفلّ من الدني كلّا.
بالتلاتين، إذا تزوّج، بيهدى. بيبطّل يركض ورا الوجع، وبيرجع عَ حضن فيروز، ومعها ملحم بركات، والأغنية اللبنانية الطيّبة متل خبزة التنور.
وإذا ضلّ عزابي، بيترك كآبة عبد الحليم، وبيسهر عَ فريد الأطرش، وصبحيتو دايمًا لفيروز… وبتصير الدني أشرح بعيونو.
بالأربعين، سواء متزوّج أو لأ، بيسهر عَ أم كلثوم لحد الفجر، ولما يطلع الضوء، بيرجع بيسلّم صباحو لفيروز.
بالخمسين، بتهدى الضجّة. يا بيقعد عَ التراتيل الكنسيّة، يا عَ القرآن الكريم… بس فيروز بتضلّ تمرق بينتن متل صلاة خفيفة عالقلب.
ومن الخمسين للسبعين، بيرجع بيلفّ وبدور حوالين فيروز، ومعها وديع الصافي و**زكي ناصيف**… ومعن ترتيلة وآية. خلطة متل لبنان: جرس كنيسة مع أذان، وصوت فيروز فوق الكل.
بالثمانين، يمكن يخفّ سمعو… بس بصير هوّي يغنّي. بيغنّي فيروز عن ظهر قلب، وبيقرأ قرآن أو بيرتّل ترتيلة وصلي مسبحة، وصوتو بيرجع شابّ متل أوّل مرة حبّ.
وبالتسعين… إذا راح، بيجوا يصلّوا عليه، قرآن أو أناشيد. وهو بالطريق عَ المدفن، أكيد بمحلّ ما في بيت، في فيروز عم تغنّي. لأنو ما في بيت بلبنان ما مرق فيه صوتها. وهيك منولد على اغاني فيروز ومنموت وعم نسمع اغانيها.
خلّونا نرجع للأغنية اللبنانية.
مش لأنو الماضي كان أحلى… بس لأنو الجذور أصدق.
تراثنا مش صندوق خشب محطوط بالعليّة.
هوّا الهوا اللي بيفوت من شباك القرميد.
هوّا ريحة الزعتر عَ البلاطة القديمة.
هوّا وقع خطوات الفلّاح عَ درب الحجر.
لما الأغنية بتقول “يا جبل”، ما عم تحكي مع حجر… عم تحكي مع بيّ واقف من زمان، حامل السهل عَ كتافو.
ولما بتقول “حقل”، عم تحكي عن تعب الإيدين، وعرق الجبين، ووصيّة الجدّ: الأرض عرض.
والشجرة مش شجرة وبس… السنديانة متل عمّة، الزيتونة متل إم، والتينة خالة فاتحة إيدينها لكل جوعان.
الجار بلبنان مش بس ساكن حدّك… هوّي ضلع من بيتك.
والدار ما بتكمل بلا قعدة عَ الباب، ولا بلا فنجان قهوة داير بين الكفوف، ولا بلا “صباح الخير” طالعة من القلب قبل اللسان.
الموال متل الوادي، طويل وصبور.
العتابا وجع حلو، بكا خفيف عَ كتف الليل.
والميجانا ما بتنغنّى لوحدها… بدها جماعة، لأنو الفرح ما بينحمل إلا إذا تقاسمناه.
الأغنية اللبنانية هي وطن بلا خطابات.
وطن بندا راعي عَ غنمو، بضحكة بنت عَ عين المي، بزغرودة طالعة من سطح بيت بعرس قروي.
وطن فيه طابون، وسطيحة، وكرمة عنب متدلّية متل سبحة صغيرة.
خلّونا نرجع لهالأغنية…
لأنو اللي ما بيسمع صدى جدّو بالمواويل، بيضيع صوتو بزحمة المدينة.
واللي ما بيعرف ريحة تراب قريتو، بتغلط الجهات بعيونو.
الأغنية اللبنانية بتعلّمنا نحبّ بعض، متل ما منحبّ أرضنا.
نشتاق إذا بعدنا، ونرجع إذا نادانا الجبل.
نبني بيوت مش بس من باطون… من ذكرى مشتركة.
ونفهم إنو الدفن بالأرض مش نهاية… هوّي رجعة عَ الحكاية الأولى.
هيك بصير الغِنا انتماء،
والكلمة شجرة،
والوطن لحن حاملينو بصدورنا… وين ما رحنا.