صورة تنزلق
السياسية

إلى اللبنانيين: أنتم سرّ الله في هذا الشرق

بقلم: ناجي علي أمهز

يا أبناء هذا التراب الذي جُبِل بالصلاة وعُمِّد بالدموع، يا من تتجاور مآذنكم وقبابكم في سفوح لبنان كما تتجاور أشجار الزيتون والسنديان في عروق الأرض؛ لقد شاء الإله القدير، مدبّر الكون وساهر النجوم، في تدبيرٍ يجلّ عن الإدراك، أن يجمعنا نحن اللبنانيين على جوعٍ واحد وعطشٍ واحد، كأنه يختبر فينا سرّه، ويجلو من خلال صورتنا صورته الأسمى.

فنحن اليوم، وإن تباينت طقوس صيامنا واختلفت لغات صلاتنا، لا نحمل إلا هويةً واحدة وإرثاً وجدانياً واحداً، تنبض في أعماقه ذاتٌ جامعة تفيض بالمحبة؛ فنحن نحبكم وأنتم تحبوننا، لأننا نخرج من نَفَسٍ واحد، وعلى أرضٍ واحدةٍ نولد ونُدفن، وتحت سماءٍ واحدةٍ تُطرَّز أسماؤنا في سجل الخلود.

ما أجمله من شهر، وما أقدسها من أيام؛ حين نجوع معاً ونعطش معاً بقلوبٍ متساوية، فإذا حان الإفطار، عانق صوتُ أجراس الكنائس صمتَ الغيب، وارتفع أذان المساجد بنداءٍ يشقّ حجب المغيب، ليرسم لبنانُ صورةً إنسانيةً نقيّة يفرح بها الله؛ إذ يرى عباده يجسّدون الإنجيل والقرآن، ويحيون الصليب والهلال، لا كرموزٍ متقابلة، بل كمعانٍ متكاملة تنصهر في قلب وطنٍ واحد.

إن هذا المشهد الذي تبتسم له الملائكة وتتهلل له السماوات، هو ميزتنا التي خصّنا الله بها، حين جعلنا مثالاً حيّاً لاجتماع المختلفين على جوهرٍ واحد.

فيا أيها اللبنانيون، إن أصررتم على القتال، فليكن قتالكم في “مَن يحب الآخر أكثر”، ومَن هو المستعد للتضحية لأجل أخيه أبعد؛ لأننا إن خسرنا هذا البلد، خسرنا المعنى الذي أراده الله لهذه المنطقة بأسرها. نحن هنا لنُنضج الفرح والحياة، لنصوغ الفن والموسيقى، ولنكتب بدمائنا قصص البطولة والشهامة والكرامة؛ فلبنان هو الأرض الوحيدة التي يعطيها أبناؤها أكثر مما يأخذون منها، واللبناني هو ذاك الصابر الذي يقتات بالرضا رغم انكسار الاقتصاد وغياب الكهرباء وجفاف المياه، يموت ألف مرة ليحيي عائلته، فإذا ما استشعر خطراً على وطنه، ترك الدنيا خلف ظهره وقدم روحه وأولاده فداءً للبنان المقدس.

لذا، حرامٌ عليكم أن تفسدوا بالسياسة طهر هذا الانتماء، أو تجعلوا من اختلاف الرأي وقوداً للكراهية. تجادلوا وخوضوا معارك الرأي كما تشاؤون، ولكن حين تنتهون، لتلتقِ الأيدي وتتصافح القلوب؛ ففي السياسة كل شيءٍ محتمل، أما الحقد فمرفوضٌ مرفوض. قد تربحون مقعداً أو منصباً، ولكنكم إن خسرتم قلوب بعضكم، فلن يبقى لنا وطنٌ ولا وجوهٌ ولا حتى ذكرى طيّبة تُؤنس قبورنا. فإذا لم تجمعنا هذه الدماء التي امتزجت بالتراب، وهذا الصوم الذي وحّد الأنفاس، وهذا التاريخ الذي نسجه الوجع والرجاء، فأي شيء سيوحدنا، وبحال افترقنا حينها نكون لا نستحق وطنا او هوية.

ان انكسرت صورتنا في عيون العالم وفي عيون أنفسنا ماذا بعدها ينفعنا. ولعلنا اليوم نستحضر وصية الأب كليّ الرحمة، الأباتي انطوان ضو، الذي كان يردد بصوتٍ يشبه همس الأرز في مهب الريح: “أيها المسلمون أحبوا المسيحيين، وأيها المسيحيون أحبوا المسلمين”. لم يكن كلامه وعظاً عابراً، بل كان ميثاق حياة؛ فقد أفنى عمره وهو يرى في تقاربنا ثابتةً وجودية، إن تبدلت، انمحينا من سجل الأثر ولم يبقَ منا إلا ذكرى باهتة في كتابٍ منسيّ.

سيأتي يوم، نجتمع فيه جميعاً—مسلمين ومسيحيين—لنطوّب هذا الراحل قدّيسًا للتعايش، لأنه آمن بأن الله لا يسكن في الجدران المتراصفة، بل في القلوب المتعانقة. فأحبوا بعضكم بعضاً، فبالمحبة وحدها يثبت الوطن، وبالمحبة وحدها يثبت الله فيكم.

صوم مبارك

زر الذهاب إلى الأعلى