صورة تنزلق
السياسية

قضية السفيرة جان مراد بين حكم “الشورى” وامتناع التنفيذ.. هل يواجه وزير الخارجية دعوى جزائية؟

نقلا عن “أساس ميديا”

على جدول أعمال مجلس الوزراء بند يبدو إدارياً في ظاهره: تعديل مركز عمل السفيرة جان مراد من سفارة لبنان في قبرص إلى الإدارة المركزية، وتعيين سفيرة أخرى مكانها. غير أن هذا البند، في توقيته ومضمونه، يضع وزير الخارجية يوسف رجي في قلب مواجهة قانونية مفتوحة، قد لا تتوقف عند حدود الطعن الإداري، بل قد تصل إلى دعوى جزائية تلاحقه حتى بعد خروجه من الوزارة.

المسألة لم تعد خلافاً حول مناقلة دبلوماسية، بل باتت اختباراً مباشراً لاحترام حكم قضائي مبرم وقرار صادر عن مجلس الوزراء، ولحدود السلطة التقديرية في مواجهة مبدأ المشروعية.

أولاً: تسلسل يكشف مكمن الخلل

لفهم خطورة المآل، لا بد من استعادة الوقائع:
• 14 أيلول 2023: قرار باستدعاء جان مراد من مركزها في نيويورك إلى الإدارة المركزية.
• 18 تشرين الثاني 2025: مجلس شورى الدولة يُبطل القرار ويعتبره كأن لم يكن، ويمنحه مفعولاً رجعياً، ملزماً الإدارة بمحو آثاره.
• 16 حزيران 2025: مجلس الوزراء يقرّ تعيينها رئيسة لبعثة لبنان في قبرص برتبة سفير.
• 7 آب 2025: وزارة الخارجية تُبرز قرار التعيين في قبرص أمام مجلس شورى الدولة ضمن مرافعاتها، باعتباره جزءاً من معالجة النزاع.
• 22 كانون الثاني 2026: صدور مرسوم يصحّح وضعها الإداري تنفيذاً للحكم القضائي.
• اليوم: الوزير يمتنع عن توقيع مرسوم تعيينها في قبرص حصراً، ويطرح تعديل مركز عملها، فيما باشر زملاؤها الـ13 مهامهم في الخارج بلا عوائق.

هذا التسلسل لا يشي باجتهاد إداري عادي، بل يطرح شبهة تعطيل قرار نافذ بعد اكتمال عناصره الدستورية والإدارية، وبعد نيل الدولة المضيفة موافقتها وتوقيع رئيس الجمهورية كتب الاعتماد، وادراج اسم السفيرة مراد ضمن لائحة بروتوكول وزارة الخارجية القبرصية للجسم الدبلوماسي الاجنبي المعتمد في نيقوسيا.

حكم “الشورى”: تنفيذ أم التفاف؟

قرار مجلس شورى الدولة لم يكتفِ بإبطال الاستدعاء، بل ألغاه بأثر رجعي، أي أنه أعدم الأساس القانوني الذي بُني عليه بقاؤها في الإدارة.

عندما يصبح التنفيذ المادي مستحيلاً — كإعادتها إلى نيويورك — يتحقق التنفيذ القانوني بإعادة الاعتبار إليها عبر إلحاقها بمركز خارجي مماثل. هذا ما فعله مجلس الوزراء بتعيينها في قبرص.

الامتناع عن توقيع مرسوم تعيينها اليوم لا يمكن عزله عن هذا السياق. فإما أن يُعتبر تنفيذًا منقوصًا يفرغ الحكم من مضمونه، وإما أن يُفسَّر كتحدٍ مباشر لمفاعيل حكم قضائي مبرم.

انتقائية في تطبيق القواعد؟

الوزير يبرر موقفه بأن مفاعيل حكم “الشورى” تعني أنها لم تمضِ عامين فعليين في الإدارة، وبالتالي يسقط مبرر نقلها إلى الخارج.

غير أن هذا التفسير لا يُطبَّق على سواها.
الـ13 دبلوماسياً الذين شملتهم الدورة نفسها لم يُلزموا بقضاء مدة مماثلة في الإدارة ووافق مجلس الخدمة المدنية على ذلك موضحا انه امام قرار مجلس الوزراء تسقط المهل، والامر سيان بالنسبة لمراد اسوة بزملائها، ووقّع الوزير مراسيمهم بلا تحفظ، باستثناء مرسوم السفيرة مراد الذي حفظه في الادراج منذ شهر حزيران ٢٠٢٥ تاريخ صدور قرار مجلس الوزراء بتعيينها في قبرص. كما أن الاسم المطروح لتعيينه مكانها عاد حديثاً إلى الوزارة بعد خدمة خارجية طويلة ولم تقض فترة السنتين التي يتحجج بها رجي.

حين تُطبَّق القاعدة على موظف دون غيره، تتحول السلطة التقديرية إلى سلطة انتقائية، وتدخل في دائرة الانحراف بالسلطة.

من التعطيل إلى المسؤولية الجزائية

حتى اللحظة، يجري التحضير لدعويين:

1. دعوى إدارية جديدة

قد تُرفع أمام مجلس شورى الدولة لإبطال قرار الامتناع أو تعديل مركز العمل، استناداً إلى:
• مخالفة مبدأ المساواة.
• إساءة استعمال السلطة.
• مخالفة حكم قضائي مبرم.

وقد يرافقها طلب غرامات إكراهية على الإدارة.

2. دعوى جزائية محتملة

المادة 371 من قانون العقوبات واضحة:
كل موظف يستعمل سلطته أو نفوذه ليعوق أو يؤخر تنفيذ قرار قضائي أو أمر صادر عن سلطة ذات صلاحية يُعاقب بالحبس.

إذا اعتُبر الامتناع عن توقيع مرسوم التعيين عرقلة لتنفيذ حكم “الشورى” أو تعطيلًا لقرار مجلس الوزراء، فإن الإخبار الجزائي يصبح خياراً مطروحاً.

وهنا الخطورة:
المسؤولية الجزائية شخصية، ولا تسقط بانتهاء الولاية الوزارية. أي ملاحقة، إذا سلكت مسارها، سترافق الوزير حتى بعد مغادرته منصبه، ما لم يُحسم الملف قبل ذلك.

استدعاء مقنّع أم رسالة سياسية؟

إلغاء تعيين دبلوماسية ربحت دعوى ضد الوزارة، بعد استكمال كل الإجراءات، يطرح سؤالاً قاسياً:
هل نحن أمام قرار إداري، أم أمام رسالة عقابية مقنّعة؟

التراجع عن قرار أبرزته الوزارة نفسها أمام القضاء كجزء من الحل، والمذكور في متن الحكم، يضرب مبدأ الثقة المشروعة واستقرار القرارات الإدارية.

في هذه الحالة، لا يعود النقاش تقنياً، بل يتحول إلى مسألة تتصل بهيبة القضاء وبمدى استعداد السلطة التنفيذية للالتزام بأحكامه.

اللحظة الفاصلة

هل نحن أمام استدعاء مقنّع؟

إلغاء تعيين مراد في قبرص، بعد استكمال كل الإجراءات الدستورية والإدارية، وبعد ربحها دعوى الشورى، قد يُفسَّر كاستدعاء مقنّع أو كإجراء انتقامي غير معلّل قانوناً.

وإذا كانت وزارة الخارجية قد أبرزت أمام مجلس شورى الدولة قرار مجلس الوزراء كجزء من الحل، وأُدرج ذلك في متن الحكم، فإن التراجع عنه اليوم يطرح إشكالية جدية حول استقرار القرارات الإدارية ومبدأ الثقة المشروعة.

الأسئلة لم تعد محصورة بشخص أو بحقيبة وزارية، بل باتت تمس صورة الدولة نفسها.

اختبار قاسٍ لشعار “دولة القانون”

القضية اليوم أبعد من نزاع وظيفي. إنها مواجهة بين منطقين:
منطق يعتبر الأحكام القضائية ملزمة ونهائية، ومنطق يرى في السلطة التقديرية مساحة للتعليق أو التعطيل.

إذا مضى الامتناع إلى نهايته، فقد يجد وزير الخارجية نفسه أمام دعوى جزائية لا تنتهي بانتهاء مهماته، بل تفتح سجلاً قانونياً يلاحقه شخصياً حتى بعد خروجه من السلطة.

في لحظة سياسية دقيقة، يبدو أن الجميع — من الوزير إلى مجلس الوزراء برمّته — أمام اختبار فعلي لشعار “دولة القانون”.
فإما أن تُنفَّذ الأحكام كاملة، وإما أن يُفتح الباب أمام سابقة خطيرة عنوانها: الامتناع عن التنفيذ خيار إداري مشروع.

زر الذهاب إلى الأعلى