صورة تنزلق
السياسيةجبيلجبيل المدينةجبيليات وكسروانيات

الشيخ محمد عمرو: تلاقي الصومين رسالة وحدة وطنية وواجب عاجل لمساندة طرابلس

باسم الله الرحمن الرحيم
إلى شركاء الوطن والإيمان، إلى أهلنا في جبل لبنان والشمال، إلى المسلمين والمسيحيين على امتداد هذه الأرض المباركة،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وتحية المحبة والرجاء وبعد،
في هذا العام، شاءت الإرادة الإلهية أن تفتح لنا أبواب السماء معاً، فتلاقت الأشهر المباركة واجتمع الصوم الكبير مع شهر رمضان الفضيل. إن هذا اللقاء الروحي السماوي ليس مجرد صدفة في التقويم اللبناني، بل هو رسالة صريحة تقول لنا: إن الجوع إلى الله، والعطش إلى رحمته، والطريق إلى بناء المواطنة، قيمٌ لا تعرف فاصلاً بين مسجد وكنيسة.
إننا اليوم نصوم ونجوع معاً، متساوين حتى في لهفتنا على قطرة الماء. هذه التجربة الإلهية تفرض علينا، كمؤمنين حقاً بشعائرنا ووطنيتنا، أن نطلب الصفح، ونلتمس الغفران، ونناجي وحدتنا الداخلية.

فمنذ ما قبل “لبنان الكبير” بقرون، هكذا كنا وهكذا سنبقى: نلقي التحية بمحبة، ونتشارك الصلاة والحضور في الكنائس والمساجد. هذا هو جوهر لبنان قبل أن تُرسَم له حدود أو يُكتب له دستور. فحين كان يرتفع الأذان معانقاً أجراس الكنائس، كان بعض الرحالة يتساءلون باستغراب عن سرّ هذا التآلف: “من هؤلاء القوم؟”، فيأتيهم الجواب: “إنهم اللبنانيون”. هو مشهدٌ يختصر رسالتنا ولماذا تميزنا في هذا العالم عن سائر المجتمعات: لاننا معاً في العبادة كما نحن معاً في الحياة، شركاء في الرجاء كما نحن شركاء في الألم في البناء والدفاع عن الوطن.

يا أهلنا في جبل لبنان والشمال،
إن الصوم في جوهره ليس مجرد امتناعٍ عن الطعام والشراب، بل هو وقفة امتناعٌ عن الظلم والقسوة والانقسام. هو دعوة سماوية لنطهّر نفوسنا من رواسب الأحقاد، ونعيد بناء جسور الثقة التي لا تهتز، ونحفظ هذا الوطن أمانةً مقدسة في أعناقنا جميعاً.

وإلى أهلنا في طرابلس العزيزة والغالية، مدينة العلم والعلماء، التي تألمت بانهيار مبانٍ فيها، وتهدّمت في أزقتها بيوتٌ وأحلام.. نقول من موقع المسؤولية الدينية والوطنية: إن الوقوف إلى جانبكم ليس نافلة، بل هو واجبٌ شرعي وأخلاقي لا يقبل التأجيل. إن تحسين أوضاع أهلنا في طرابلس ليس مِنّة من أحد، بل هو حقٌّ أصيل يجب أن يُسترد، وواجبٌ على الدولة والمجتمع معاً. فكما نتقاسم الخبز على موائد الإفطار، يجب أن نتقاسم المسؤولية في إعادة الإعمار، وصون كرامة الإنسان، وتأمين السكن الآمن والحياة الكريمة لكل مواطن.

ليكن هذا التلاقي المبارك بين الصومين فرصةً لمراجعةٍ عميقة للذات، ولتجديد العهد بأن يبقى لبنان أرضاً للرسالة والعيش المشترك. لنجعل من صلواتنا قوةً تدفعنا نحو الإصلاح، ومن جوعنا إحساساً بآلام الفقراء، ومن صبرنا طاقةً لبناء ما تهدم في الحجر والبشر.

أسأل الله العلي القدير أن يتقبّل صيامكم وصلاتكم، وأن يحمي لبنان وشعبه، وأن يجعل من هذا التلاقي الروحي باباً لوحدةٍ أمتن، ورحمةٍ أوسع، وعدالةٍ أصدق.
كل عام وأنتم بخير، ولبنان بخير.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الشيخ محمد عمرو
مسؤول منطقة جبل لبنان والشمال في حزب الله

زر الذهاب إلى الأعلى