صورة تنزلق
اخبار ومتفرقات

المفتي دريان في افطار دار الفتوى: الدَّولَةَ القَوِيَّةَ بِقَرَارِها مَهمَا صَغُرَت تَمْلِكُ قَدْرَاً كَبِيراً مِنَ الحُرِّيَّةِ بِالدَّاخِلِ الوَاثِق وَتُجَاهَ الخَارِج

وطنية – أقامت دار الفتوى حفل إفطارها بدعوة من مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان في حضور رَئيسِ الجُمهورِيَّة العماد جوزاف عون ورَئيسِ مَجلِسِ النُّوَّاب نبيه بِرِّي ورَئيسِ مَجلِسِ الوُزراء الدكتور نَوَّاف سلام والرُّؤَسَاءِ السَّابِقِين للحكومة ورؤساء الطوائف والوزراء والنواب الحاليين والسابقين واعضاء السِّلْكِ الدِّبلومَاسِيِّ والقَضَائيِّ وَالعَسكَرِيِّ والاجتِمَاعِيِّ والأَهْلِيّ.والقى المفتي دريان الكلمة الآتي نصها:”أهلاً وسهلاً بكم في دارِ الفتوى، في هذا البيتِ الإيمانِيّ، الذي يَرفَعُ لِوَاءَ الوَحدَةِ الوَطَنِيَّة، وَالعَيشِ الوَاحِد، والذي قَدَّمَ بِسَخَاءٍ الشُّهَدَاءَ وَالتَّضحِيَاتِ في سبيلِها .أهلاً بِكُم في رِحَابِ شَهرِ رَمَضَان، شَهرِ الإِيمانِ وَالمَحَبَّةِ والأُخُوَّةِ الإِنسانِيَّةِ وَالسَّلام . في هذِه المُناسَبَةِ الرُّوحِيَّةِ وَالوَطَنِيَّةِ المَشهُودَة، تَحضُرُ الإِرادَةُ الجَامِعَة، التي نَضَعُ في اعْتِبَارِهَا وَتَقدِيرِهَا المَوَدَّةَ الحَاضِرَةَ بَينَ اللبنانِيِّين، وَبِخَاصَّةٍ في الظُّرُوفِ الصَّعبَةِ التي يَمُرُّ بِهَا وَطَنُنَا، والتَّمَسُّكَ باتفاقِ الطَّائف، المَرجِعِيَّةِ الوَطَنِيَّةِ الجَامِعَة، هو التَّمَسُّكُ بِوَحدَةِ لبنانَ وَهُوِيَّتِهِ العَرَبِيَّة، هذا الِاتِّفاقُ الذي رَعَتْهُ المَمْلكَةُ العَرَبِيَّةُ السُّعُودِيَّةُ بِقِيَادَتِها الحَكِيمَةِ وَالرَّشِيدَة، ثَبَّتَ أُسُسَ الشَّرَاكَةِ وَالتَّوَازُنِ بَينَ كُلِّ مُكَوِّنَاتِ الوَطَن، وأيُّ مَشرُوعٍ إِنقَاذِيٍّ لا يُمكٍنُ أَنْ يَقُومَ إِلا على قَاعِدَةِ اتِّفَاقِ الطَّائف. نَلْتَقِي اليَومَ حَولَ مَائدَةِ الرَّحمن ، في الوَقْتِ الذي لا يَزَالُ إِخوانٌ لنَا يَتَضَوَّرُونَ جُوعاً وَعَطَشاً، تَحتَ القَصْفِ الإِسرائيلِيِّ المُتَوَاصِلِ لِغَزَّةَ ، وَالضِّفَّةِ الغَربِيَّةِ في فِلسطِينَ المُحتَلَّة . إنَّ مَثَلَ الإِسرائِيلِيِّ كَمَثَلِ الذِّئبِ الذي إنْ يَفْقِدْ مَخَالِبَه ، لا يَفْقِدُ طَبِيعَتَه . لقد بَدَأْتُم عَهدَكُمْ يَا فَخامَةَ الرَئيسِ بِخِطَابِ القَسَم، الذي وَضَعَ كُلَّ المَهَامِّ وَالمسؤُولِيَّاتِ الوَطَنِيَّةِ على طَاوِلَةِ الإعلان وَالإِنجَازِ مَعاً . وَهُوَ الأَمْرُ الذي سَارَعَتْ حُكُومَةُ الإصلاح والإِنقَاذِ إلى تَقْرِيرِه ، وَتَحوِيلِهِ إلى إِجراءَات ، وَإِلى مَشْرُوعَاتِ قَوَانِين ، وإلى سَيرٍ حثيثٍ في اتِّجَاهِ (الإِخوَةِ وَالأَصدِقَاء) العَرَبِ وَالدَّولِيِّين . وعادَتِ الإِدارَاتُ وَالمُؤَسَّساتُ إلى الِاكْتِمَال ، وَبَدلاً مِنَ المُرَاوَحَةِ بَينَ الِاسْتِغَاثَةِ وَصَرَخَاتِ الأسَى وَاليَأْس ، تَجَدَّدَتِ المَسِيرَةُ بَينَ العَمَلِ وَالأَمَل . لا يَستَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَتَجَاهَلَ الحَمْلَةَ الكُبْرَى لِلإِغَاثَةِ وَالإِعمَارِ في الجنوب، المُتَعَطِّشِ لِلأَمْنِ وَالإِعمَار ، كَمَا لا يَستَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَتَجَاهَلَ الإِسرَاعَ لِإِغَاثَة طَرَابلس بِطَرِيقَةٍ مَا كَانَت تَحدُثُ مِنْ قَبْلُ .يُمَيِّزُ فُقَهَاؤُنا بَينَ الاخْتِلافِ وَالخِلاف . فالِاخْتِلافُ مُمكِنٌ وَصِحِّيّ ، وقد يكونُ ضَرُورِيّاً لِاستكْشَافِ سُبُلِ الحُلُول، فَهِيَ مُتَعَدِّدَةُ الأَوجُه، وفي النُّظُمِ الدِّيمُقرَاطيَّة يكونُ الِاختِلَافُ النّزِيهُ سَبِيلاً لِلِاسْتِنَارَةِ وَالتَّسهِيل . أمَّا الخِلافُ فَكَثِيراً مَا يَكُونُ افْتِرَاقاً أَو مُؤَدِّياً لِانْقِسَامٍ سِيَاسِيّ ، يُصبِحُ مَعَ التَّمَادِي في التَّنَافُرِ غَيرَ سِيَاسِيٍّ أبداً . والذي أُرِيدُ الوصولَ إِليه ، أَنَّ ظُرُوفَنَا يَصعُبُ فِيها الِاخْتِلافُ فَكَيفَ بِالخِلَاف ؟ أَعرِفُ أَنَّكُمْ في الإرادة وَالقَرَار، لا تَقْصِدُونَ إلى الخِلافِ أو تُرِيدُونَه ، وتَلْتَمِسُونَ دائما الحُلُولُ الوَسَطُ التي تَنْضَمُّ فيها الحِكْمَةُ إلى السِّيَاسَة . لَكِنَّكُمْ وَلِلْمَرَّةِ الأُولَى مِنْ زَمَان ، تَمْتَلِكُونَ هذا المِقيَاسَ الأَعلَى، مِقْيَاسَ ثَقَافَةِ الدَّولَةِ وَقَرَارِها وَعَزِيمَتِهَا ، وَهُوَ الْمِقْيَاسُ الذي غَابَ كَثيرَاً مِنْ قَبْلُ ، فَتَعَدَّدَ السِّلَاح ، وَتَعَدَّدَ القَرَارُ الِاقْتِصَادِيّ ، وَتَعَدَّدَتِ السِّيَاسَاتُ تُجاهَ الجِوَارِ وَالخَارِج .إنَّ الدَّولَةَ القَوِيَّةَ بِقَرَارِها مَهمَا صَغُرَت ، تَمْلِكُ قَدْرَاً كَبِيراً مِنَ الحُرِّيَّةِ بِالدَّاخِلِ الوَاثِق ، وَتُجَاهَ الخَارِج . ونحن نَتَطَلَّعُ – وَالعَهدُ على مَشَارِفِهِ الواعدة – إلى القَرَارِ القَوِيِّ بِمَقَايِيسِ ثَقَافةِ الدَّولةِ الوَاحِدة ، وَالمَصَالِحِ الِاسْتَرِاتِيجِيَّةِ لِلمُوَاطِنِين . نَعْرِفُ الصُّعُوبَاتِ جَيِّداً ، وَكَثرَةَ المَطَالِبِ التي لا يُمْكِنُ تَلْبِيَتُهَا بِسُرعَة ، لكِنَّنَا نَعرِفُ أيضاً أنَّ المُوَاطِنَ الوَاثِقَ بِسُلْطَتِهِ وَدَولَتِه ، يَستَطِيعُ أَنْ يَصبِرَ وَيَعْذِر، وَلا يُضَيِّعُ الأَمَل . وَهُوَ الأَمرُ الذي نُطَالِبُ بِهِ أَنْفُسَنَا وَالمُوَاطِنِينَ في هذا العَهدِ وَحُكُومَتِه ، وَسَوَابِقِهِ وَصَنَائعِه لِلحَاضِرِ وَالمُستَقْبَل. رَسُولُ الإنسانيَّةِ والرَّحمة ، سيِّدُنا مُحمدٌ صلّى اللهُ عليه وسلَّم عندَما سُئل: مَن هُوَ المُسلِمُ أَجَاب :(المُسلِمُ مَنْ سَلِمَ المسلمون- مِن يَدِهِ وَلِسَانِهِ) .وفي رواية :(المُسلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ – أي جَمِيعُ النَّاسِ- مِن يَدِهِ وَلِسَانِهِ) .لِذا :فَإنَّ الِاعْتِدَاءَ على المُسلِمِ لِاخْتِلَافِ مَذْهَبِه حَرَام ؛ والِاعْتِدَاءَ على المَسِيحِيِّ لِاختِلافِ دِينِه حَرَام ؛ والِاعْتِدَاءَ على الإِنسَانِ لِاخْتِلَافِ عِرقِهِ أَو لَونِهِ حَرَام ؛ لقد عَلَّمَنا الإسلامُ أَنْ نَقُولَ لِلنَّاسِ حُسناً . وَعَلَّمَنَا أَنَّ اللهَ خَلَقَ النَّاسَ جَمِيعاً مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَة. وَأنَّهُ خَلَقَهُمْ مُخْتَلِفِين، وَأَنَّهُ هُوَ وَحدَهُ مَنْ يَتَوَلَّى حِسَابَهُمْ يَومَ الدِّين . أُجَدِّدُ التَّرحِيبَ بِكُمْ في دَارِكُم دَارِ الفَتْوَى ، وَأَبْتَهِلُ إلى اللهِ العَلِيِّ القَدِير ، أَنْ يُخْرِجَ لُبنانَ مِنْ مُعَانَاتِه ، وَأَنْ يُحَرِّرَه مِنْ أَعدَائهِ مَا ظَهَرَ مُنْهُمْ وَمَا بَطَن ، وَأَنْ يُسَدِّدَ خُطَى قَادَتِه ، لِيَرْتَفِعَ إِلى مُستَوَى رِسَالَتِه في الأُخُوَّةِ الإِنسَانِيَّةِ الوَاحِدَة.وَالسَّلامُ عليكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُه .                      ============

زر الذهاب إلى الأعلى