
في السياسة كما في الاقتصاد، هناك علاقات عابرة، وأخرى تُشبه “العمود الفقري” الذي لا تستقيم البنية بدونه.
بالنسبة للبنان، شكّلت العلاقة مع المملكة العربية السعودية كبرى الركائز الأساسية التي قام عليها الاستقرار السياسي والمالي منذ نهاية الحرب الأهلية، فقد كان الظهر والسند العربي للبنان في عامة المحطات هو الرياض.
من الطائف إلى تثبيت الاستقرارعندما رعت السعودية اتفاق الطائف عام 1989، لم تكن ترعى تسوية سياسية فحسب، بل كانت تؤسس لمرحلة جديدة أنهت حرباً دامت 15 عاماً، وأعادت انتظام المؤسسات الدستورية.
هذا الاتفاق ما زال حتى اليوم الإطار الناظم للنظام السياسي اللبناني، وهو ما يكرّس الدور السعودي في لحظة مفصلية من تاريخ الدولة.
ومنذ عام 2005، لعبت الرياض دور عنصر التوازن العربي في لحظات الانقسام الحاد، مؤكدة دعمها لسيادة الدولة ومؤسساتها الشرعية.
وفي بلد تتنازعه التجاذبات، يبقى الغطاء العربي عامل استقرار محوري، وتبقى الرياض المحور الذي تدور عليه عجلة الدعم العربي.
الرياض… أمان واستقرار
قبل أزمة 2019، شكّل السعوديون نحو 20% من إجمالي السياح القادمين إلى لبنان، أي حوالي 300 ألف سائح سنوياً.
وبلغ متوسط إنفاق كل سائح سعودي 2,500-3,000 دولار لكل رحلة، وقدر إجمالي إنفاقهم السنوي 750-900 مليون دولار ما جعلهم في طليعة السياح الخليجيين من حيث العدد وحجم الإنفاق.
وفي مواسم الانفراج السياسي كانت نسب الإشغال الفندقي ترتفع بأكثر من 25% مع عودة السياح السعوديين بشكل خاص ما انعكس مباشرة على قطاع السياحة والفنادق والاقتصاد المحلي.
أما التحويلات المالية من المغتربين فقد شكلت تاريخياً بين 12% و20% من الناتج المحلي الإجمالي للبنان، ويأتي نحو نصف هذه التحويلات تقريباً من دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، حيث تقدر بحوالي 1.5 إلى 2 مليار دولار سنوياً.
هذه التحويلات كانت شرياناً حيوياً للاقتصاد، خصوصاً في ظل العجز التجاري المزمن ونقص العملة الصعبة وانتشار الفقر والبطالة.
كما ساهمت الودائع السعودية المباشرة في مصرف لبنان بمليارات الدولارات خلال مراحل مختلفة، حيث وصلت بعض الحصص إلى نحو 3 مليارات دولار في أوقات معينة، ما عزّز استقرار سعر الصرف وساهم في تثبيت الثقة بالقطاع المصرفي لسنوات طويلة.
الرياض بوابة الاستقرار والنهضةإذا أردنا مقاربة المسألة بعيداً عن العواطف، فإن الأرقام وحدها كافية:
• مساهمات مالية في مؤتمرات الدعم الدولية (باريس 1 و2 و3).
• حزم دعم وإعادة إعمار بعد حرب 2006 بمليارات الدولارات.
• إعلان برنامج بقيمة 3 مليارات دولار عام 2013 لدعم تسليح الجيش اللبناني، إضافة إلى مليار دولار دعما للمؤسسات الأمنية.
• ودائع مباشرة في مصرف لبنان لتعزيز الاستقرار النقدي.
• جسر جوي إغاثي واسع بعد انفجار مرفأ بيروت عام 2020 قدّم مئات الأطنان من المساعدات الطبية والغذائية.
وتقدر المساهمات السعودية المباشرة وغير المباشرة منذ التسعينيات بعشرات المليارات من الدولارات بين دعم رسمي واستثمارات خاصة وتحويلات.
في بلد بحجم الاقتصاد اللبناني، تمثل هذه الأرقام وزناً نوعياً لنهضة الاقتصاد ودعم مباشراً لحياة الناس.
حاجة لبنان اليوم: ضرورة وليس ترفمنذ عام 2019، خسر لبنان أكثر من 90% من قيمة عملته، وتراجع ناتجه المحلي من نحو 55 مليار دولار إلى أقل من نصف هذا الرقم خلال سنوات قليلة.
معدلات الفقر لامست 70%، والبطالة ارتفعت إلى مستويات قياسية.
في مثل هذا الواقع، يصبح السؤال الحقيقي هو: من أين يبدأ التعافي؟.
النهضة الاقتصادية في لبنان تحتاج إلى ثلاثة عناصر مترابطة:
1. إصلاح داخلي فعلي يعيد هيكلة القطاع المالي ويعزز الشفافية.
2. دعم عربي موثوق يعيد ضخ السيولة ويشجع الاستثمارات.
3. ثقة دولية تفتح أبواب المؤسسات المالية الكبرى.
وهنا تحديداً تبرز السعودية كعامل جامع لهذه العناصر. فدعم الرياض يتجاوز مجرد الأموال ليصبح إشارة الثقة للأسواق وللدول المانحة.
وعندما تتحسن العلاقة السياسية، ينعكس الدعم السعودي بشكل مباشر وعميق على الاقتصاد اللبناني، فتتسارع تدفقات السياحة، وترتفع إشغالات الفنادق، وينشط الاستثمار العقاري، وتتضاعف التحويلات المالية، ليصبح هذا الدعم بمثابة محرك استراتيجي يعيد الحيوية للأسواق ويعزز الاستقرار المالي، مؤكداً دور السعودية كرمز ثقة لا غنى عنه في مسيرة النهوض الشامل.
لبنان اليوم بحاجة إلى إعادة وصل ما انقطع مع محيطه الخليجي.
ليس من باب التبعية، بل من باب الشراكة الطبيعية. والسعودية كانت ولا تزال كبرى أعمدة الدعم العربي للبنان.
بين الإصلاح والدعم: معادلة النهوض
لا يمكن للبنان أن يبني نهضته على الدعم الخارجي وحده، ولا يمكن لأي دعم أن يكون مستداماً من دون إصلاح داخلي جاد.
لكن التجربة أثبتت أن تحسن العلاقات مع السعودية يفتح نافذة أمل اقتصادية سريعة التأثير.
إن أهمية السعودية لنهضة لبنان ليست شعاراً سياسياً، بل حقيقة تؤكدها الوقائع والأرقام.
وحاجة لبنان إلى تأييد ودعم المملكة اليوم هي حاجة استراتيجية واقتصادية في آن معاً.
وعندما يلتقي الإصلاح الداخلي مع الدعم العربي الصادق، يمكن للبنان أن يستعيد دوره ومكانته وحينئذ يأتي الفرج والتيسير، ويستريح الناس، وتزول السنوات العجاف، ويتجلى قول الله سبحانه: “سيجعل الله بعد عسر يسراً “إن نهضة لبنان وشعبه ممكنة متى توفرت الإرادة والشراكة، ومتى امتدت أيادينا إلى أياد صادقة تنشد الخير للبنان وشعبه، وتدعم مسيرته نحو الاستقرار والازدهار المستدام.
دمتم ودام لبنان سيداً حراً مستقلاً، عامراً بالأمن والأمان، ومزدهراً برغد العيش، قوياً ومتيناً في علاقاته مع أشقائه العرب وخاصة مع الشقيقة الكبرى المملكة العربية السعودية.
رئيس الجمعية الخيرية للعطاء
ورئيس مجلس إدارة مجمّع الصدّيق
الشيخ الدكتور / أحمد مصطفى المزوق
الاثنين 23 شباط 2026