صورة تنزلق
السياسية

الحرب على إيران… و«الجزيرة» تنجح في التسويق للسياسة الإيرانية بقوة

بقلم: ناجي علي أمهز

ليست الحروب دائماً صواريخ تعبر السماء. أحياناً تكون عباراتٍ تعبر الشاشات. الحرب على إيران بدأت منذ زمن، لكنها لم تبلغ بعد لحظة الإعلان الرسمي. إنها حرب انتظار، حرب أعصاب، حرب شروط معلّقة بين فشل المفاوضات وانفجار الميدان.

المعادلة، كما قلتُ مراراً، بسيطة في ظاهرها: إذا فشلت المفاوضات تبدأ الحرب. وما لم يُعلن هذا الفشل كاملاً، تبقى المنطقة معلّقة بين طبول التصعيد وواقعية التسويات. الرئيس دونالد ترامب أمام مهلة زمنية غير مكتوبة تمتد حتى منتصف 2026 ليحسم خياراته في ملفات تمتد من لبنان إلى إيران، ومن سوريا إلى فلسطين. لكنه يدرك أن القرار هنا ليس عسكرياً فحسب، بل تاريخيّ أيضاً.

في مقال سابق بعنوان “المقايضة الكبرى”، طُرحت سؤالا لم يكن بريئاً: هل تعرض واشنطن على طهران مقعداً دائماً في نادي الكبار مقابل الطلاق الاستراتيجي من بكين؟ السؤال لم يكن خيالاً سياسياً. فالعالم يعاد ترتيبه على إيقاع الصفقات لا الشعارات والامنيات، والعالم اكبر بكثير من امنيات سياسي هنا او هناك.

الهمس الذي تسرب عن “الصندوق الأسود وهو الهجمات السيبرانية” لم يكن تفصيلاً تقنياً. ويقال إن الصين وضعت أدواتها السيبرانية في تصرّف الإيرانيين، وإن رسالة غير مباشرة وصلت إلى واشنطن مفادها أن الاختراق ممكن، وأن زمن الحصانة الرقمية انتهى. أما الهند، فقد دخلت المشهد من بوابة زيارة رئيس وزرائها ناريندرا مودي إلى تل ابيب، في توقيت بدا وكأنه جزء من رقصة التوازن بين القوى الكبرى.

كما ان الخبر الذي هز الاسواق الرقمية في العالم حول سيطرة سيبرانيين ايرانيين على مبالغ طائلة، لم تتلقاه واشنطن على انه مسألة أموالاً مسروقة من منصة رقمية. بل إنها لغة ردع جديدة تقول إن الحرب، إذا اندلعت، لن تكون تقليدية، ولن تكون أحادية الاتجاه.

من يظن أن إيران نسخة أخرى من العراق أو افغانستان، يقرأ الجغرافيا بعين الأمس.
في العراق كان المطلوب إضعاف الدولة وتفكيك مركزيتها.
في أفغانستان كان الرهان على تغيير نمط مجتمع متجذر في تاريخه.، وفي سوريا، كشفت الحرب هشاشة البنية المركزية حين تُترك الطوائف تتنازع بديلاً عن الدولة.

أما إيران، فهي مسألة أخرى.
هناك قومية فارسية تتقدم على الانتماء الديني. الإيراني، أياً كان دينه، يرى نفسه جزءاً من تاريخ إمبراطوري لا من دين او طائفة.

ايران تعتبر نفسها قوة إقليمية بحكم الجغرافيا والتاريخ، لا بحكم الظرف السياسي. ثم هناك عقل تفاوضي يعرف كيف يربح الوقت، ويجيد تحويل الضغط إلى أوراق.

الاختلاف بين طهران وواشنطن ليس في السلاح فقط، بل في الذهنية. الرئيس ألامريكي اعتاد إصدار الأوامر لكنه اعترف انه يواجه نظاماً ايرانيا يتقن لعبة الصبر. لكن مستشاريه يدعونه للاستمرار بالتفاوض مع الايرانيين رغم الكيمياء المفقودة بين الاثنين، لذلك الحوار هنا يتحول إلى اختبار إرادات.

التباين الغربي خاصة البريطاني ظهر واضحا حول تصنيف الامريكي للاخوان المسلمين بانهم جماعات ارهابية، مقابل التعاطي البراغماتي مع جبهة النصرة المنبثقة عن “داعش”، التصنيف كشف حجم التناقضات الامريكية في مقاربة الملفات. هنا تتقاطع المصالح البريطانية مع سياسات قطر وتركيا، في مشهد لا يُقرأ بعناوينه العلنية بل بخلفياته العميقة.

وسط هذا كله، تنتج فضائية الجزيرة دوراً يتجاوز نقل الخبر إلى صناعة المزاج العام. لقد نجحت في تقديم سردية مضادة للحرب، وفي تسويق رؤية تُظهر إيران كدولة مستهدفة لا كقوة مهدِّدة.
وفي لحظة دولية مضطربة، يصبح الرأي العام العالمي سلاحاً لا يقل فتكاً عن الطائرات.

الحرب الإعلامية سبقت الحرب العسكرية. ومن يكسب الأولى، يربح نصف الثانية.

في الظاهر، تبدو اسرائيل الأكثر حماسة لتشديد الخناق على إيران. لكن في العمق، ثمة هاجس مختلف: ماذا لو انتهت الحرب بتسوية تُخرج إيران من عزلتها وتجعلها شريكاً مقبولاً لواشنطن والغرب؟

المفارقة أن أسوأ سيناريو لتل أبيب ليس الصواريخ، بل التحالف. إيران حليفة لأمريكا تعني إعادة ترتيب سلم الأولويات في المنطقة، وربما تراجع “التهديد الوجودي” الذي يبرر تدفق الدعم الغربي لاسرائيل. لذلك، قد يكون رفع سقف الشروط وسيلة لتعقيد الاتفاق لا لتسريع الحرب.

في علم النفس السياسي، تراجع الرئيس ترامب خطوة يفتح باب لسلسلة من التنازلات. وإسرائيل تعرف كيف تدير لعبة الحواف.

أما العرب، فيقفون على رصيف الانتظار. يُستقبلون بالسجاد الأحمر حين تتقاطع مواقفهم مع الاستراتيجية الأمريكية، لكن السؤال يبقى: ماذا بعد انتهاء العاصفة الايرانية الامريكية، ماذا سيبق من ادوارهم السياسية ام انهم فقط للدفع؟ وهل يعود الطريق إلى واشنطن تمر عبر طهران كما كانت تمر في زمن الشاه؟

بعد غزة، ثمة شعور عربي بالانكسار. ليس لأن المعركة خُسرت عسكرياً فقط، بل لأن المركزية العربية السياسية تراجعت. الغرب ينظر إلى المنطقة بوصفها ساحة صراع لا شريك قرار. والشعوب تنظر إلى أنظمتها بعين الشك لا الثقة.
الخلاصة
حتما ستقع الحرب بحال فشلت المفاوضات، لكن لن تكون نصراً صافياً لأحد. فإيران ليست دولة قابلة للكسر السريع، وأمريكا ليست قوة قادرة على إعادة تشكيل المجتمعات كما تشتهي.

العقل الإيراني صبور مفاوض شرس كما وصفهم “ترامب”، والمجتمع متماسك حول هويته القومية، وأي تغيير حقيقي لا يُفرض من الخارج بل يُصنع من الداخل.

الحرب، إن اندلعت، ستكون حرب كي تقبل ايران بان تكون شرطي المنطقة لصالح واشنطن. وبحال لم تندلع الحرب ايران الاقوى بالمنطقة، لكنها معزولة عالميا، اخصام ايران المخضرمين سياسيا يريدون اقله ان تبق ايران معزولة عالميا، والتاريخ يقول إن الحروب التي لا تحسم، تعيد إنتاج أسبابها.

في النهاية، قد تكتشف واشنطن أن أقصر الطرق إلى الاستقرار ليس عبر حاملات الطائرات، بل عبر صفقة كبرى تعيد توزيع النفوذ.
وقد تكتشف المنطقة أن زمن الاصطفاف الأعمى انتهى.

أما الحقيقة الوحيدة الثابتة، فهي أن الشرق الأوسط لم يعد ساحةً لحرب واحدة، بل مسرحاً لتصادم الطوائف، ومن يحمي الاقليات الذين لم يعد امامهم الا الهجرة…
ومن لا يملك قراره، سيبقى موضوعاً في بيانٍ لا فاعلاً في معادلة.

زر الذهاب إلى الأعلى