
تكريس ثقافة الهدم بدل البناء والانتقاد بدل المشاركة
خاص الرقيب
في مدينة أنهكها الإهمال، وتعبت من الوعود، تبقى المبادرات الفردية الصادقة نافذة أمل ينبغي أن تُقابَل بالتقدير لا بالتشكيك. ومن هذا المنطلق، جاء قرار النائب فيصل كرامي المبادرة بترميم بركة “الملاحة”، هذا المعلم الأثري الذي يشكّل جزءا من ذاكرة طرابلس وهويتها العمرانية.
بركة الملاحة ليست حجرا صامتا، بل شاهد على تاريخ المدينة، ومرآة لحضارتها. وقد عانت، كما عانت طرابلس، من سنوات طويلة من الإهمال والتراجع، حتى باتت بحاجة ماسّة إلى مبادرة تعيد إليها بعضا من بريقها. فجاء الترميم اليوم ليعيد البركة أفضل ممّا كانت عليه في آخر عملية ترميم شهدتها عام ٢٠٠٠، بشهادة كل من عاينها قبل وبعد، لكن لا احد يستطيع اعادتها لما كانت عليه في عهد المماليك!!!!
لكن، في السياسة اللبنانية، يبدو أنّ المشكلة ليست في الفعل، بل في الفاعل. فبدل أن يُستقبل العمل الإيجابي بكلمة تقدير، انهالت حملات الانتقاد من بعض الافراد، لا لعيب في الترميم، بل لأنّ المبادرة صدرت عن خصم سياسي. وهنا تكمن المعضلة.
إن تحويل كل خطوة إيجابية إلى مادة للتشكيك، وكل مبادرة إنمائية إلى مادة للتجريح، لا يخدم المدينة ولا أهلها. فالسياسة، مهما اشتدّ التنافس فيها، يجب ألا تتحوّل إلى حالة إنكارٍ جماعي لأي إنجاز لمجرد أنّه لا يصبّ في رصيد فريقٍ معيّن.
السؤال البديهي: ماذا يريد المنتقدون؟
هل كانوا يفضّلون بقاء البركة على حالها؟
أم أنّ المشكلة في أن يُسجَّل عمل إنمائي في خانة من لا يريدونه أن يسجّل نقطة؟
إنّ من يريد الاستهداف لأجل الاستهداف، لن يرضيه شيء. ولو تُركت البركة على إهمالها لقالوا تقصير، وحين رُمِّمت قالوا استعراض. وهذه ازدواجية لا علاقة لها بالنقد البنّاء، بل تدخل في إطار الكيد السياسي المكشوف.
النقد حقّ مشروع، بل ضرورة، حين يكون موضوعيا ويهدف إلى التصويب. أمّا حين يصبح أداةً لتعطيل أي مبادرة أو تشويه أي خطوة إيجابية، فإنه يتحوّل إلى عبءٍ على الحياة العامة، وإلى مساهمة إضافية في تكريس ثقافة الهدم بدل البناء.
لقد عادت بركة الملاحة أجمل ممّا كانت، وعادت معها رسالة واضحة: أن العمل لأجل المدينة لا يحتاج إلى مزايدات، بل إلى إرادة. وأن من يؤمن بطرابلس وتراثها لا ينتظر توافقا سياسيًا ليبادر، بل يبادر لأن الواجب يفرض ذلك.
أما الحملات، فستبقى حملات.
والأثر، في النهاية، هو الذي يبقى….


