
تُثار تساؤلات واسعة حول موقع حلفاء إيران وشركائها الدوليين مما يجري، لا سيما الدول التي تُعد منافسة للولايات المتحدة، سياسيا واقتصاديا، وفي مقدمتها روسيا والصين، في ظل غياب مواقف صاخبة أو تدخل مباشر حتى الآن.
وفي هذا السياق، قال الدكتور حسن أحمديان أستاذ دراسات الشرق الأوسط في جامعة طهران إن مواقف موسكو وبكين أُعلنت بالفعل داخل مجلس الأمن الدولي وخارجه، من خلال إدانة الاعتداءات، مؤكدا أن هذه الدول تقف عند حدود المواقف التي اتخذتها سابقا خلال ما عُرف بحرب الـ12 يوما في يونيو/حزيران الماضي.
وأضاف أحمديان أن التوقعات لم تكن يوما أن تدخل روسيا أو الصين في مواجهة عسكرية مباشرة دفاعا عن إيران، مشيرا إلى أن مثل هذا التدخل قد يكون خطرا على طهران نفسها، لأن من شأنه توسيع رقعة الحرب وتحويلها إلى صدام بين قوى كبرى قد تُدفع كلفته على الأرض الإيرانية.
وأكد أن التقدير السائد لدى القيادات العسكرية الإيرانية يقوم على خوض هذه الحرب بشكل منفرد، مع إدراك الكلفة التي ستتحملها إيران والكلفة التي ستفرضها في المقابل على خصومها.
وأشار إلى وجود انتقادات تُوجَّه أحيانا إلى الحلفاء أو الأصدقاء على المستوى الدولي، لكنه شدد على أن هؤلاء الحلفاء حاضرون، وإن بصورة غير مباشرة، من خلال الدعم القانوني في مجلس الأمن، والدعم السياسي والتقني، فضلا عن أشكال من التعاون العسكري السابق.
وأوضح الباحث الإيراني أن جزءا مما يُستخدم اليوم ضد القوات الأمريكية والقدرات الإسرائيلية والأراضي المحتلة يعود إلى هذا التعاون العسكري القائم بين إيران وهذه الدول، مما يعني أن الدعم موجود، لكنه لا يتخذ شكل التدخل المباشر في ساحة المعركة.
بقاء النظام بوصفه انتصارا
وفي رده على سؤال عما إذا كان مجرد بقاء النظام الإيراني بعد هذه الحرب واقفا على قدميه يُعد انتصارا في حد ذاته لإيران وهزيمة للولايات المتحدة وإسرائيل، قال الدكتور حسن أحمديان إنه لا يتوقع سيناريو مغايرا لذلك. وأرجع ذلك إلى طبيعة النظام الإيراني الذي وصفه بأنه نظام قائم على المؤسسات بدرجة كبيرة، يتمتع بجذور عميقة وقاعدة شعبية صلبة.
وأشار إلى أن هذه القاعدة الشعبية تظهر بوضوح في مشاهد العزاء التي تعم البلاد، مؤكدا أن النظام سيبقى، حتى وإن أعلنت الأطراف المعتدية انتصارها من زاوية اغتيال قيادات سياسية وعسكرية بارزة.
وفي سياق عرض صور جوية نشرها الجيش الإسرائيلي تظهر انفجارات عنيفة في عدد من المناطق والمدن الإيرانية، برز الحديث عن تفوق جوي إسرائيلي واضح.
وفي هذا الإطار، قال أستاذ دراسات الشرق الأوسط بجامعة طهران إن هذا التفوق التقني قائم بالفعل، ولا يوجد توازن مباشر له في القدرات الجوية الإيرانية، لكنه شدد على أن طهران تعتمد ما يُعرف عسكريا بـ”الرد غير المتماثل”، حيث تُواجَه القدرات الجوية الإسرائيلية والأمريكية بالقدرات الصاروخية الإيرانية، بما يخلق نوعا من الموازنة في مسار المواجهة.
وأوضح أن غياب صور دمار مماثلة من داخل إسرائيل لا يعكس بالضرورة الواقع الميداني، لافتا إلى وجود قيود صارمة على نشر مثل هذه الصور داخل إسرائيل، في مقابل عدم وجود حجب مماثل في إيران.
واستشهد بحرب عام 1991، حين أعلنت إسرائيل آنذاك أن صواريخ “سكود” العراقية لم تسفر عن قتلى، قبل أن تكشف وثائق لاحقة، بعد عقود، عن سقوط قتلى وجرحى، معتبرا أن الصواريخ الإيرانية الحالية لا يمكن مقارنتها بصواريخ التسعينيات من حيث القدرة والتأثير.
وأكد أحمديان أن الضربات الإيرانية مؤثرة، وأن آثارها ستظهر بشكل أوضح مع مرور الوقت، مشيرا إلى أن التجربة السابقة في حرب الصيف الماضي أظهرت أن إيران لم تكن الطرف الذي طلب وقف إطلاق النار، بل أعلنت أنها ستوقف الحرب إذا أوقفها الطرف الآخر، قبل أن تطلب إسرائيل، ونيابة عنها الولايات المتحدة، عبر الوسيط القطري، التوصل إلى تهدئة.
تعاظم القدرات الإيرانية بعد الحربوعن مدى تطور القدرات الإيرانية خلال الأشهر التي تلت حرب الـ12 يوما، أوضح أحمديان أن إيران كانت، حتى قبل الحرب، تركز على برامج متعددة للتصنيع العسكري وتعزيز قدراتها الدفاعية.
واعتبر أن الحرب، رغم كلفتها الباهظة، شكلت مختبرا قاسيا لكنه بالغ الأهمية، أتاح للقوات المسلحة الإيرانية استخلاص دروس عملية حول فاعلية ترسانتها، وسبل تطويرها وتحسين أساليب استخدامها.
وأشار إلى أن التركيز على تطوير الصواريخ الباليستية والصواريخ فرط الصوتية بلغ مستوى غير مسبوق، سواء في مرحلة ما بعد الثورة الإسلامية أو حتى في تاريخ إيران الحديث، إلى جانب تطور ملحوظ في التخطيط العسكري، وتكتيكات الضرب، وتوقيت الهجمات، مما أسهم في زيادة الخبرة والقدرات الإيرانية مقارنة بالحرب السابقة.
الشارع العربي ومراجعة السياسة الإقليميةوعلى صعيد الإقليم، تطرق الحوار إلى حالة الاستقطاب في الشارع العربي حيال الضربات الإيرانية، بين مؤيد ومعارض، على خلفية التدخلات الإيرانية السابقة في عدد من الدول العربية، مثل سوريا ولبنان.
وفي هذا الإطار، قال الدكتور حسن أحمديان إن إيران لا تنظر إلى سياستها الإقليمية بوصفها تدخلا، بل تعتبرها تحالفات مع أطراف تواجه إسرائيل والولايات المتحدة. لكنه أقر بوجود تصور عربي مختلف يرى في هذه السياسات تدخلا مباشرا.
وأشار إلى أن طهران حاولت خلال السنوات الأخيرة تعميق الحوار مع الدول العربية، وتأطير علاقاتها الإقليمية ضمن صيغ أكثر قبولا عربيا، معتبرا أن هذه المحاولات ستستمر وستترك أثرا أكبر في المرحلة المقبلة.
واعتبر الأكاديمي الإيراني أن مفهوم “الوكلاء” بات محل تساؤل، في ظل تجارب أظهرت أن بعض الأطراف المتحالفة مع إيران لم تخض المعارك نيابة عنها، كما حدث في الحرب الماضية، مما يعكس، بحسب وصفه، استقلالية قرار هذه القوى.
المصدر: الجزيرة