صورة تنزلق
السياسية

لبنان في “قلب العاصفة”: تصعيد ميداني غير مسبوق وانحباس أنفاس سياسي

بقلم: لبنى عويضة…
خاص: جريدة الرقيب الالكترونية

لم تعد عبارة “الوضع متوتر” تكفي لوصف ما يعيشه لبنان اليوم؛ فالبلاد دخلت منذ ساعات الفجر الأولى مرحلة هي الأخطر منذ سنوات. أصوات الانفجارات التي هزت الضاحية الجنوبية وجنوب لبنان وحتى البقاع لم تكن مجرد غارات روتينية، بل إيذانًا بفتح جبهة واسعة وشاملة وضعت الجميع على حافة الهاوية، خصوصًا وأن مشاهد الحرب الإسنادية التي شهدها لبنان في عام 2023 أي بعد ٧ اكتوبر لم تمحَ من الذاكرة بعد.

الأدهى كان إنذار الجيش الإسرائيلي لـ18 منطقة وبلدة لإفراغها من سكانها، باعتبار أنها تابعة لحزب الله، مع تهديد مراكز القرض الحسن وغيرها من المواقع الحساسة.

هذا وقد تصدرت مشاهد الحرب كل العناوين بعد إعلان حزب الله رسميًا انخراطه في الرد على التطورات الإقليمية الكبرى، وتحديدًا للثأر من اغتيال المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي. فانطلقت الصواريخ نحو شمال إسرائيل، وردّ الطيران الإسرائيلي بموجات غارات عنيفة طالت عشرات البلدات والقرى.

في الميدان، لم يعد “النزوح” مجرد خبر عابر، بل تحول إلى مأساة حية تراها العين؛ حيث غصّ أوتوستراد الجنوب بقوافل سيارات ضاقت بمن فيها، لعائلات لم تحمل معها سوى القلق وما تيسّر من أمتعة، هاربةً من الموت بوجوه يملؤها الذهول والضياع. المدارس والجامعات التي كانت صروحاً للعلم، فُتحت أبوابها اليوم لتكون ملاذاً أخيراً للمشردين، بينما بقيت تفاصيل الحياة اليومية معلقة على “حبال” المجهول، بانتظار ما ستحمله الساعات المقبلة من أخبار.
أما في أروقة السياسة، فقد فجّرت حكومة نواف سلام “قنبلة” من نوع آخر؛ بقرار وصفه مراقبون بـ “الانتحاري” أو “التاريخي”، حيث أعلنت حظر أي نشاط عسكري لحزب الله وحصر دوره في العمل السياسي الصرف، موكلةً إلى الجيش اللبناني مهمة فرض هيبة القانون على أي تحرك مسلح خارج إطار الدولة. هذا الموقف الجريء وضع المؤسسات الرسمية في مواجهة مباشرة مع برميل بارود ميداني، وفتح الباب أمام تساؤلات وجودية حول قدرة الدولة على ضبط إيقاع بلد ينجرف بكل ثقله نحو أتون “الحرب الشاملة”.

وحتى مع ضجيج المدافع، لم يكن الاقتصاد بمنأى عن التأثير، فقد قفزت أسعار النفط والغاز عالميًا بفعل التهديدات في الممرات المائية، خصوصًا بعد استهداف منشآت الطاقة في الخليج وإقفال مضيق هرمز. انعكس هذا القلق فورًا في لبنان مع ارتفاع أسعار المحروقات والسلع الأساسية.

بدوره الذهب شهد ارتفاعًا تاريخيًا، متجاوزًا 5400 دولار للأونصة، ليصبح الملاذ الأخير للمدخرات وسط انهيار اليقين في أي عملة أخرى.

ولم يسلم قطاع الطيران من شظايا الانفجار العسكري الكبير، اذ تعيش حركة الملاحة الجوية في لبنان والمنطقة حالة من الإرباك الشديد نتيجة الصدام العسكري بين إيران وإسرائيل؛ حيث أدى إغلاق الأجواء في العراق ودول الخليج وإيران إلى بعثرة جداول الطيران العالمية. وحتى المطارات الكبرى كدبي والدوحة باتت تعمل بقدرات محدودة، بينما تحاول شركة “الميدل إيست” (MEA) المناورة لتأمين رحلاتها وسط غابة من التعديلات والإلغاءات التي قطعت أوصال الربط بين الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا، تاركةً المسافرين في مواجهة المجهول بانتظار ما ستسفر عنه الساعات المقبلة.

إذن، العالم اليوم على مفترق خطير؛ فمنذ فجر السبت (28 شباط) بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل عملية عسكرية ضخمة أطلقت عليها الإدارة الأمريكية اسم “ملحمة الغضب” (Epic Fury)، مستهدفة قلب إيران، بما أسفر عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي.

ردّت إيران بـ”الوعد الصادق 4”، حيث أطلقت خلاله مئات الصواريخ والمسيّرات باتجاه إسرائيل والقواعد الأميركية في دول الخليج (قطر، البحرين، الكويت)، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى، وأثار حالة هلع عالمي من احتمال تحول الصدام إلى حرب عالمية ثالثة.

لكن بينما تنحبس أنفاس العالم بانتظار هوية النظام العالمي الجديد، يبقى السؤال الأكبر الذي يشغل كل لبناني: هل سيتمكن لبنان من النجاة بكيانه وسط هذا الإعصار، أم أن فاتورة الحساب الدولية ستُدفع بالكامل من أمنه واستقراره ومستقبل أبنائه؟

لبنان اليوم ليس مجرد بلد يعاني، بل جبهة متقدمة في صراع دولي قد يغير وجه الخريطة، بينما المواطن اللبناني هو من يدفع فاتورة الصواريخ والأسعار من لقمة عيشه وأمنه الشخصي.

زر الذهاب إلى الأعلى