صورة تنزلق
السياسية

إلى المسيحيين… ودعوة الشرع للدخول إلى لبنان

بقلم: ناجي علي أمهز

بدايةً، لست في موقع يسمح لي بتقديم نصيحة للمسيحيين عموماً، ولا للموارنة خصوصاً. لكن لا يختلف اثنان من أصحاب المعرفة على أنني من الذين حاولوا فهم هذا الشرق وتركيبته المعقدة، وقرأوا تاريخه السياسي والحضاري عن قرب.
في الآونة الأخيرة بدأت ترتفع أصوات بعض المسيحيين تطالب احمد الشرع ومن معه من جبهة النصرة وتنظيمات متشددة تضم ارهابيين من أوزبكستان والشيشان والبلقان وغيرها بالدخول إلى لبنان للقضاء على حزب الله، أي عملياً فتح حرب سنية ـ شيعية على أرض لبنان.

وقد يكون هذا السيناريو وارداً في حسابات بعض الدول، فالكثير من الدول التي خرج منها ارهابيون متواجدين في سوريا تبحث أساساً عن طريقة للتخلص منهم، لأن الارهابي يشكل خطراً حتى على بلده الأصلي. لذلك قد ترى هذه الدول أن فتح جبهة لهم في لبنان يخفف عنها خطرهم ويريح الشرع من اعبائهم، من دون أن يكون ذلك استجابة لبعض الأصوات المسيحية.

المفارقة لو أن بعض المسيحيين طالبوا فرنسا أو إيطاليا أو الفاتيكان بالتدخل السياسي لمعالجة مسألة سلاح حزب الله، ربما وجدوا من يتفهم هذا الطرح حتى داخل البيئة الشيعية. أما المطالبة بدخول تنظيمات مثل داعش أو النصرة إلى لبنان فتعني فتح الباب لقوى لا تعترف أصلاً بوجود لبنان وشعبه.

والتاريخ علّمنا أن من يستدعي التطرف إلى بلده لا يستطيع لاحقاً إخراجه منه.
ولا أحد يقول إن حزب الله منفصل عن الشيعة، فجميعنا يعرف أن غالبية الشيعة تقف معه. وقد يقال إن السبب هو الأموال أو الخدمات التي يقدمها الحزب، لكن الحقيقة أن أي مجتمع تُهمله الدولة سيبحث عمّن يؤمّن له أساسيات الحياة.

لكن موضوعي أعمق من هذا النقاش.
ما يقلقني فعلاً هو مستوى التفكير الذي بدأ يظهر في بعض الأوساط المسيحية. فالمسيحي في لبنان والاقليم كان دائماً يمثل عنصر العقل والتوازن، وطالما بقي هذا العقل حاضراً بقي لبنان قائماً.

أما إذا انحدر هذا العقل إلى مستوى الخوف وردود الفعل الغريزية، فالمعادلة تصبح مختلفة: لن يبقى لبنان، وربما لن يبقى المسيحي نفسه في المنطقة.

هذه ليست مبالغة بل قراءة في التاريخ.
فكل نحو خمسة قرون يولد في العالم نظام حضاري جديد له فكره وقيمه وآليات حكمه. هذه الأنظمة نتيجة تطور المجتمعات البشرية، حتى لو أُعطيت طابعاً دينياً. من الإبراهيمية إلى الموسوية، والداودوية ومن المسيحية إلى الإسلام، تعاقبت أنظمة حضارية شكّلت التاريخ.

وكان يفترض أن يولد النظام الحديث الذي نعيشه اليوم مع الحروب الصليبية، لكنه تأخر بسبب سيطرة الكنيسة على أوروبا. ثم أعيد تشكيله مع بدايات العصر الحديث عندما تراجع نفوذ الكنيسة، وصولاً إلى سقوط الخلافة العثمانية عام 1923.

منذ نحو 300 عام بدأ يتشكل النظام العالمي الحديث، وكان له رموزه ومراكزه الفكرية. ومن المفارقات أن لبنان كان أحد هذه الرموز.

فكما لليهود والمسيحيين قبلة هي أورشليم، وللمسلمين قبلة هي مكة، رأى كثير من المتنورين في العالم أن يكون لبنان قبلة للعالم الحر الجديد، بسبب طبيعته التاريخية والفلسفية الممتدة من ذكره في العهد القديم الى تعددية طوائفه.

لهذا أراد صناع القرار العالمي أن يكون لبنان نموذجاً مقدسا فوضعوا فيه صورة الغرب كلها. في البداية جرى التفكير بأن يكون الحكم في لبنان بيد الموحدين الدروز، وقد تأثر الغرب منذ الغزاوت الصليبية ببعض تقاليدهم وطقوسهم وحكمتهم بل حتى بعض نواميس الدروز اعتمدت في اعظم الامبراطوريات مثل تكريم الفرسان والامراء. لكن صغر عدد الدروز جعل استمرار هذا الدور صعباً.

بعد ذلك انتقل الاهتمام إلى أن يكون لبنان مسيحياً. فأُرسلت الإرساليات التعليمية، وجاء المعلمون والأطباء والمهندسون، وفتح الغرب أبوابه للبنانيين. وخلال فترة قصيرة تحوّل لبنان إلى مساحة عالمية من الشرق، حتى سُمّي سويسرا الشرق.

في لبنان اجتمعت الجامعات والطبابة والصحافة والمسرح والفكر الحر واللغات وآليات الحكم الديمقراطية والاقتصاد والبورصات والسياحة والطباعة. وأصبح اللبناني، وخصوصاً المسيحي، جزءاً أساسياً من النظام العالمي الجديد.
وكما كان المؤمنين يحجون الى مقدساتهم، كان الساسة ونخبة وعباقرة العالم يحجون الى لبنان
حتى إن اللبنانيين لعبوا دوراً مهماً في حصول أبناء بلاد الشام على الجنسية الأمريكية الكاملة، بعدما كانوا يُعتبرون قبل عام 1900 رعايا عثمانيين من الدرجة الثانية.

أُعطي للمسيحي اللبناني مجدا غير مسبوق عالمياً (ويمكنكم مراجعة مذكرات غالبية رؤساء أمريكا وستجدون أنهم جميعاً كان مطلوباً منهم احترام لبنان حتى القداسة، من روزفلت حتى رونالد ريغان).
أما فرنسياً، وكما يُنقل عن لسان ديغول الذي عاش في لبنان لأعوام قليلة أثناء نفيه، عندما سألوه عن مهام رئيس فرنسا، عدّد لهم مهام الرئيس الفرنسي ومن ضمنها أن يذكر لبنان ولو مرة واحدة يومياً. ومن الإمبراطور نابليون بونابرت حتى الرئيس شيراك والآن ماكرون لبنان هو شرف فرنسا الذي لا يهان.

للأسف، انجرَّ المسيحيون إلى الحرب الأهلية وخسروا كل هذا المجد الذي أُعطي لهم عالمياً، والذي لم يبلغه إنسان قبلهم وربما بعدهم، واليوم يقضون على آخر ما تبقى من العقل المسيحي بسبب هؤلاء الذين يتحدثون باسم المسيحيين.

لهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يصبح التطرف أداة في التفكير السياسي المسيحي. وهنا يأتي دور الكنيسة المؤتمنة على الوعي الجمعي المسيحي من ان تنقيه من هذه الافكار التي لا تليق بتاريحها.

فالعالم اعتنق المسيحية اللبنانية بكل مجد وفخار واعتزاز، حتى المسلمين بالعالم يتهيبون الكنيسة المارونية مقارنة ببقية الكنائس مهما بلغ حجمها، فلا يجوز لبعض مسيحي لبنان الوصول الى هنا.

لان بحال سقط لبنان لن يبقى شيء، حتى الاديرة والحسينيات والمناصب الرسمية والمراتب العلمية كلها ستتبخر، علينا التمسك بلبنان لانه هو علة وجودنا ليس نحن الشعب اللبناني علة وجوده.

زر الذهاب إلى الأعلى