صورة تنزلق
اخبار ومتفرقاتالسياسيةجبيلجبيل المدينةجبيليات وكسروانيات

السفير البابوي يحمل الوجع الانساني: رسول يسوع إلى أبناء الإمام علي

السفير البابوي يحمل الوجع الانساني: رسول يسوع إلى أبناء الإمام علي

بقلم: ناجي علي أمهز

في جغرافيا القلق التي يسكنها لبنان، حيث يقتات الناس على حافة الألم وينتظرون الفجر من شقوق الوجع، تبرق أحياناً ومضاتٌ ليست من عالم المادة، بل من جوهر الروح، لتختزل وطنًا بأكمله في مشهدٍ واحد.

ليست صورة السفير البابوي في لبنان، المونسنيور “باولو بورجيا”، وهو ينوء تحت ثقل أكياس المساعدات لإغاثة النازحين، مجرد حدثٍ عابر في تدفق الأخبار الرقمية الباردة. إنها “أيقونة” حية تُرمّم ما تكسّر من ضمير الإنسانية في هذا الشرق المعذب. هي اللحظة التي تتخلى فيها الدبلوماسية عن بروتوكولاتها العاجية، لتلبس ثوب الكدح، وتعلن أن أسمى مراتب “التمثيل” ليس تمثيل الدول، بل تمثيل “الوجع البشري”.

بالأمس، وعلى وقع أصداء تغريدتي التي لامست شغاف القلوب، حدثني أحد الآباء الكهنة بصوتٍ يملؤه خشوع العارفين. لم يحدثني عن الأرقام والإحصائيات، بل عن “قداسة الخدمة الصامتة”. كان صوته يرتعش بمسؤوليةٍ أخلاقية عالية، وكأنه يعاتب نفسه ولماذا كتبت هذه التغريدة: “كيف لهذا الألم أن يحدث ونحن لا نعلم بكل تفاصيله؟”.

أدهشني بفيض تواضعه حين أشعرني أن الكنيسة هي التي تحتاج إلى هؤلاء المتألمين، وأن ميزان العطاء قد انكسر ليصبح “عكسياً”؛ فالتفضل والشكر هما للنازحين الذين قبلوا هذه المساعدات وفتحوا لنا أبواب نيل البركة بخدمتهم. حدثني بمحبةٍ تشبه الصلاة، وبتواضعٍ لا حدود له، معتذراً عن أي تقصير قد يفرضه حجم المأساة والنزوح الهائل.

قال لي: “يا أخي، جميعنا نعمل دون كلل، كأن هناك طاقة كونية جبارة تدفعنا لنقدم كل ما نملك بمحبة وسلام لا تسعهما الكلمات. ما رأيته ليس استثناءً، بل هو تجسيدٌ للكلمة حين تصبح جسداً وفِعلاً. فالمسيح لم يترك لنا دستوراً من الحروف، بل وصيةً من المحبة؛ وحين يحمل رجل دين، أو سفير يمثل صوت الفاتيكان، كيس خبزٍ على عاتقه، فهو لا يحمل قوتاً للأجساد فحسب، بل هو رسول يسوع إلى أبناء الإمام علي، يحمل صليب الإنسان المعاصر، يتقاسم معه ثقل الوجود، ويخبره أنه ليس وحيداً في عراء الحرب”.

في تلك اللحظة الفلسفية الفارقة، تهاوت كل الهويات المصطنعة. سقطت التصنيفات الطائفية والمذهبية أمام “جلالة الإنسان”. لم يعد هناك “نازح” ينتمي لجهة، و”مغيث” ينتمي لعقيدة؛ بل كان هناك “إنسان” في ذروة انكساره، و”إنسان” آخر في ذروة عطائه. هنا، يذوب “الأنا” و”الآخر” ليصبحا جسداً واحداً في مِحنة الوجود.

هذا هو “لبنان الجوهر”.. لبنان الذي ليس مجرد مساحة على الخارطة، بل هو “فكرة الله” عن التلاقي.
إن لبنان الحقيقي ليس ذاك الذي يُصاغ في صالونات السياسة أو في بيانات الشجب، بل هو لبنان الذي ينهض فيه “الآخر” ليحمل جرح “أخيه”. حين ينحني كتفٌ مسيحي ليرفع حِمالةً عن عائلة مسلمة، فإنه يعلن انتصار “الرابطة الكونية” على “القيد الطائفي”. إنه يؤكد أن الإنسان، في صميمه، أكبر من كل التعريفات الضيقة التي سجنونا فيها.

هذا المشهد البسيط في شكله، والعميق في أبعاده الإنسانية، هو تذكيرٌ أبدي بأن “العيش المشترك” ليس شعاراً وطنياً مستهلكاً أو بياناً انتخابياً، بل هو “فعل حياة” يومي ونبضٌ وجودي. إن الأديان، في جوهرها الصافي، ليست إلا جسوراً من الرحمة والمحبة، وطرقاً تؤدي جميعها إلى قلب الإنسان.

قد لا توقف هذه الأكياس زحف النار، وقد لا تُغير موازين القوى في صراعات الأمم، لكنها حتماً تحمي “المقدس الوحيد” المتبقي: إنسانية الإنسان في لبنان. هي “المقاومة الروحية” التي تمنع الوطن من السقوط في هاوية التشيؤ والعدم.

لذا، فإن انحناءة التقدير لا تذهب للسفير كشخص فقط، بل تذهب لكل يدٍ مجهولة، لكل قلبٍ نابض، ولكل إنسانٍ في هذا البلد المنهك ما زال يؤمن بأن خلاصنا الفردي هو وهم، وأن نجاتنا الجماعية هي الحقيقة الوحيدة.

في زمن الانهيارات الكبرى، وحدها “الأفعال الصغيرة” المشبعة بالحب هي التي تحفظ كرامة الأوطان. ففي نهاية المطاف، لن يرمم تصدعات هذا الوطن الساسةُ بوعودهم، بل سيبنيه الطيبون بعرقهم، وبصمتهم، وبإيمانهم المطلق بأن “لبنان هو الإنسان”، وإذا سلم الإنسان.. سَلِمَ الوطن. 🤍🇱🇧

زر الذهاب إلى الأعلى