صورة تنزلق
السياسية

خريف الأحلام اللبنانية في جمهورية الرماد: كيف تُدار مراسم الدفن بالتقسيط؟

بقلم: لبنى عويضة…

خاص: جريدة الرقيب الالكترونية

لم يعد الصباح في بيروت مجرد استيقاظ روتيني على ضجيج مدينة متعبة؛ بل صار استيقاظاً على وقع الموت نفسه. مدينة فقدت ملامحها، تحاول لملمة أشلاء أحلامها من تحت الركام. بيروت اليوم أشبه بممرٍ إلى مأساة إغريقية، أبطالها أطفال وضعفاء فرّوا من القصف جنوباً، ليلاحقهم الردى على تخوم العاصمة.

هذا الحزن الذي يلفّ لبنان ليس عفوياً. إنه حزنٌ ممنهج، نتاج سياسة حوّلت الوطن إلى ساحة بريد، وشعبه إلى طوابع تُلصق على رسائل القوة والنفوذ. وبينما تتطاير الصواريخ، يقف المواطن اللبناني وحيداً، عارياً من أي حماية، إلا من صوته الذي بحّ وهو يطالب بدولة تشبهه؛ لا بدكانة سياسية تبيع الوهم وتشتري الوقت بدم الفقراء.

ما يحدث اليوم، مع امتداد الاستهدافات إلى خارج الجنوب وضاحية بيروت الجنوبية، وصولاً إلى مناطق يفترض أنها آمنة كالعاصمة والشمال، يحمل رسالة واضحة: كسر ما تبقى من قواعد الاشتباك المعنوية. فعندما يُقصف قلب العاصمة في مناطق تعجّ بالنازحين، يصبح واضحاً أن الاستراتيجية الإسرائيلية تجاوزت الأهداف العسكرية المباشرة لتضرب الحاضنة الاجتماعية في العمق، محاولةً خلق شرخ داخلي بين اللبنانيين عبر تحويل النزوح إلى قنبلة اجتماعية موقوتة. وهكذا يتحول الجسد اللبناني نفسه إلى ساحة اختبار لتوازن الرعب، فيما تبقى الدولة في موقع المتفرج، أو في أفضل الأحوال، المناشد الخجول.

ولا يمكن قراءة هذا المشهد من دون الالتفات إلى الشمال، وتحديداً إلى طرابلس. المدينة التي تعاني أصلاً من تهميش تاريخي وإهمال مزمن، تجد نفسها اليوم تستقبل آلاف النازحين وسط غياب شبه كامل لخطط الطوارئ الحكومية. هذا الضغط الهائل على بنية تحتية متداعية أصلاً، ومع استمرار اللامبالاة الرسمية، يضع المدينة على فوهة بركان. صحيح أن مأساة الحرب تطاول الجميع، لكن طرابلس اليوم تستضيف أهلها النازحين، ما يفرض على المسؤولين التحرّك سريعاً، ووضع خطط حقيقية بدل الاكتفاء ببيع الكلام.

أما هذا المشهد الدامي، حيث تُقصف خاصرة البلاد وتشتعل الجبهات بالنار والحديد، فليس مجرد اشتباك عسكري تقليدي، بل أقرب إلى لعبة “عضّ الأصابع” الدموية: كل طرف يرفع الكلفة على الآخر لتجنّب الانزلاق نحو الحرب الكبرى، لكن هذه المرة فوق رمال متحركة. فمعادلة الردع التي أرساها ما بعد حرب الـ 2006 كذلك اتفاقية وقف إطلاق النار التي أبرمت عام 2024 لم تعد صالحة كما كانت، بعدما تآكلت تدريجياً أمام توسيع بنك الأهداف وتبدّل الحسابات العسكرية.

في المقابل، يمسك حزب الله بخيوط اللعبة بحذر شديد؛ يشعل الجبهة بما يكفي لإبقاء الضغط قائماً، لكنه يتجنب الضربة التي قد تدفع البلاد إلى حرب شاملة. إنها مواجهة تسير على خيط رفيع، وسط صراع إقليمي تتقاطع فيه حسابات القوى الكبرى، ليبقى لبنان مرة أخرى ساحة اختبار لهذا التوازن الهش.

هنا تتجلى المفارقة اللبنانية المرّة: بلد كان يوماً يُوصف بمنارة الشرق، فإذا بمصابيحه تنطفئ بفعل إهمال سلطوي تجاوز حدود الوقاحة. بلد يبحث أبناؤه اليوم عن الأمان في خيام لا تقي برداً، بينما تنهش الضرائب والقوانين ما تبقى من كرامة الإنسان قبل أن تنهش جيبه.

لبنان اليوم لا يبكي سيادته المستباحة فحسب؛ بل يبكي إنسانه أيضاً، ذلك الإنسان الذي بات غريباً في أرضه، مصلوباً بين عدو لا يرحم وسلطة لم تتعلم يوماً كيف تحب ناسها.

في لحظة كهذه، لا يحتاج لبنان إلى ميكانيزمات دولية معقّدة بقدر ما يحتاج إلى رجال دولة يتوقفون عن التعامل مع البلد كرهينة أو صندوق بريد. نحن أمام مواجهة وجودية، والسكوت عن تقاعس الدولة في حماية ناسها وتأمين كرامتهم ليس حياداً… بل تواطؤ لا يقل خطورة عن العدوان نفسه.

زر الذهاب إلى الأعلى