
بقلم: لبنى عويضة…
خاص: جريدة الرقيب الالكترونية
على وقع ارتطام الركام بمجرى الليطاني، تُلغى اليوم خرائطُ وتُرسَم أخرى. فقصف الجسور في الجنوب اللبناني ليس تعطيلاً لحركة السير، بل هو ‘اغتيالٌ للمجال الحيوي’؛ حيث تتحول الأرض بقرار عسكري من فضاءٍ مفتوح إلى زنزانات جغرافية متناثرة، ينتظر فيها كلُّ قضاءٍ قدرَهُ وحيداً. اليوم، ومع قصف جسرٍ تلو الآخر، يتّضح أن المستهدف لا يقتصر على الحجر، بل يطال فكرة التواصل نفسها؛ إذ يجري تفكيك المكان تمهيدًا لتحويله إلى جزرٍ معزولة، تختنق بصمتها وتغدو أرضًا مقفرة، خاويةً من الناس والحياة.
ما يشهده امتداد نهر الليطاني ليس تفصيلًا عسكريًا عابرًا، بل انتقالاً إلى هندسةٍ ممنهجة للحصار. فالجسر الذي يُقصف لا يعطّل حركة آليةٍ فحسب، بل يعيد تعريف المنطقة جغرافيًا؛ فتتحوّل القرى من فضاءاتٍ مفتوحة إلى مساحاتٍ محاصرة. هكذا، بدأت الخريطة تُرسم بالنار، فمع قصف جسر القاسمية، ضُرب العصب الواصل بين صيدا وصور؛ ومع استهداف جسر الزرارية، انقطع الرابط بين الساحل والداخل وقرى النبطية وبنت جبيل؛ أمّا جسر القعقعية، الذي استُهدف مؤخرًا، فاستكمل عزل المفاصل الحيوية بين الأقضية الأساسية.
ولعلّ هذا التفكيك الممنهج سيحوّل الجنوب إلى أرخبيلٍ من المناطق المنفصلة، حيث تجد كل بلدة نفسها في مواجهة مصيرها وحيدة.
في هذه الحرب الشعواء، لا يُقصف المكان فحسب، بل الزمن أيضًا. فالرحلة التي كانت تستغرق دقائق باتت تحتاج ساعاتٍ من الالتفاف الوعر. وخلف كل ركام، حكاية إسعافٍ قد يصل متأخرًا، وربطة خبزٍ تصبح أكثر كلفةً ومشقة. هكذا، يتحوّل العبور من حقٍّ بديهي إلى امتيازٍ محفوفٍ بالخطر، ويغدو البقاء اختبارًا يوميًا للنجاة.
ولا تقتصر رسالة العدو الإسرائيلي على استهداف البنية العسكرية لـ”الحزب”، بل تتعدّاها إلى ضرب المجال الحيوي لبيئته الحاضنة: طرقها، حركتها، وإيقاع حياتها. فقطع الجسور لا يوقف صاروخًا، لكنه يعيد ترتيب الأرض: من يمرّ؟ من يبقى؟ ومن يُحاصر؟ إنه سعيٌ لخنق المجال الكامل وفرض واقعٍ ميداني جديد.
غير أن الخطوة الأخطر لا تكمن فيما سقط من ركائز، بل فيما قد يُحضَّر له تحت غبار الركام. فالتاريخ العسكري في لبنان يقدّم درسًا قاسيًا، فحين تُستهدف البنية التحتية بهذا الشكل الشمولي، لا يكون القصف مجرّد عقاب، بل تمهيدًا لمرحلةٍ أشدّ قسوة. وقد يكون قصف الجسور مقدّمةً لتوغّلٍ بري، أو محاولةً لفرض سيطرةٍ بالنار تعيد رسم ملامح الجنوب كما لم نعرفها من قبل. والخوف الذي يسكن الناس اليوم لا ينبع من القصف وحده، بل من الإحساس بأن طريق النجاة لم يعد موجودًا، وأن المكان الذي كان مأوى تحوّل فجأة إلى زنزانةٍ جغرافيةٍ كبرى.
إذن، وفي الجنوب، لم يعد الجسر مجرّد وسيلة عبور، بل صار المسافة بين الخوف والبيت. وحين يسقط الركام في مجرى النهر، لا تتباعد الضفّتان جغرافيًا فحسب، بل تتّسع بينهما فجوةٌ من القلق الوجودي. ما يجري اليوم هو محاولة لترويض الوعي الجنوبي على الفقدان، فقدان الطريق، الجار، المنزل، ويقين العودة.
ومع ذلك، يهمس التاريخ بأن الأرض التي اعتادت السير على الوعر تملك ذاكرةً أقوى من الإسمنت؛ وأن قطع الشرايين قد يُنهك الجسد، لكنه لا يوقف نبض أرضٍ تروى بدماء أبنائها، وتبتكر دائمًا طرقها الخاصة للنهوض من تحت الرماد.