
هكذا هو زمن المصائب إن حضر، لا يُحضر معه إلا كل الأخبار والاحداث الحزينة معاً، كأنّ المأساة لا تكتمل الا بطعنة سكين لما تبقى من ذكرى لزمن جميل ثوري بريء كنّا نرى فيه الاممية رجاءً قريب غير بعيد وكنّا نرى فيه وحدة الأمة العربية مسألة نضج وعي جمعي سريع التكوّن والحصول وكنّا نرى فيه حتى تحرير فلسطين مسألة تفصيل بسيط حاصل غداً او بعد غد…
مات احمد قعبور،
ماتت النغمة البيروتية في موسيقى وطنية “درويشية-زعنية-قعبورية”، مات النفس البيروتي في كلمات ما زالت ترقص في ساحة “المْدينة” العتيقة قبل أن تسحقها المشاريع التجارية.
يوم سألته من أين جاء بكلمات ددددمدم دمدمدم دددمدم دمدمدم في اغنيته “تنين تنين” ابتسم بلطف وحنين وقال:
“هذا ما كانت تدندنه اميّ لي كي أنام وبعدها ما نمت “.
وحين سألته كيف له ان يأتي بهذا اللحن الخالد لقصيدة “أناديكم” للشاعر الفلسطيني توفيق زياد قال:
لحّنت القصيدة وأسمعتها لأبي الذي سرّ به فتشجعت عندها وغنيّتها ولم أكن ادري انها ستنال هذه الشهرة.
قلت له انّه يتواضع كعادته فالاغنية صارت أيقونة موسيقية-غنائية كانت تلهب كل الطلبة من كل الجنسيات في كل الاحتفالات الوطنية الداعمة لفلسطين وثم صارت أيقونة حماسية يستحيل ان يهب فيه زمن صعب على الناس وان لا تحضر أغنياته كلها لتدعم الناس على الصمود لتواجه ولتقاتل حتى المستحيل وليس فقط العدو الاصيل.
مات احمد قعبور، ماتت كمنجة والده الاخيرة، مات آخر عود بيروتي ما زال يرى بيروت أجمل ودرّة الكون لا درّة الشرقين .
مات احمد قعبور الذي غنى الجنوب وفلسطين والفدائي العربيّ الأممي قبل ان يرثي نفسه موسيقيا كترجمة حقيقية لمزاجه الحزين.
الخيبة مؤلمة.
“لينا كانت طفلة تصنع غدها” لينا يا احمد لم تسقط إنما دمها ما زال يغني للقدس ويافا واريحا ، للجسم المصلوب في الضفة.
سنفتقد فنجان القهوة الذي كان يجمعنا في المقهى في شارع الحمراء.
ظننا انّك شفيتَ وصدّقنا انك تعافيت، هكذا نحن نأمل ونتفاءل ثم تُسقطنا الخيبة.
أجمل ما في احمد قعبور ليس دوره كوديع حداد ابن الجبهة الشعبية في “كارلوس” ولا دوره في “ناجي العلي” ولا دوره كصحافي من جريدة السفير يحاور زياد الرحباني في “شي فاشل” بل أدائه الرائع في دور احمد قعبور الحقيقي في موسيقاه الخالدة.
مؤلم ان تنمو بحماس وافتخار مع اغاني يموت فيما بعد صاحبها.
انا لله وانا اليه راجعون.
.
#د_احمد_عياش.