
بقلم: لبنى عويضة…
خاص: جريدة الرقيب الالكترونية
في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار نحو الشاشات لمتابعة خرائط القصف وتوقّعات التصعيد العسكري، يُدار مشهد آخر في الغرف المغلقة، بعيداً عن أضواء “العواجل”. هناك، حيث لا صوت يعلو فوق صوت الأرقام والمصالح، تمرّ صفقات بمليارات الدولارات، وتُفتح مسارات لسيولة مالية في توقيت يثير الريبة.
هذه المفارقة تضعنا أمام سؤال بارد: هل ما نشهده صراع إرادات عسكرية، أم ضبط دقيق لإيقاع المصالح الاقتصادية؟
في خضمّ التصعيد، وخلال الأيام القليلة الماضية تحديداً، اختارت القوى العظمى “تزييت” محرّكات الاقتصاد العالمي. فقد سمحت الولايات المتحدة بوصول نحو 14 مليار دولار من عوائد النفط إلى خصمها اللدود إيران، في ذروة التوتر العسكري.
هذه ليست صدفة، بل قرار براغماتي بحت. فالدول الكبرى تفضّل منح خصمها سيولة محدودة على أن يرتفع سعر برميل النفط عالمياً، فيحرق جيوب مواطنيها عبر التضخم.
بعبارة أخرى، عندما تهدّد الأرقام الاستقرار الداخلي، تسقط الشعارات، وتتحرك المصالح فوراً.
لكن القصة لا تقف عند حدود الـ14 مليار دولار، بل تمتد إلى عمق النظام الذي حكم العالم لعقود: “البترودولار”.
ففي وقت تحاول فيه واشنطن ضبط أسعار النفط، يتصاعد قلقها من تحركات إيرانية-صينية تهدف إلى كسر هيمنة الدولار. إذ أن قبول طهران بـ”اليوان الصيني” ثمناً لنفطها ليس مجرد تفصيلاً تجارياً، بل إشارة إلى تصدّع في قاعدة أساسية من قواعد النظام المالي العالمي، حيث كان النفط يُسعّر تقليدياً بالدولار.
هذا “التمرد النقدي” يفسّر جانباً من البراغماتية الأميركية؛ فالسماح بمرور جزء من العوائد بالدولار، عبر استثناءات محسوبة، قد يكون أهون من خسارة السيطرة الكاملة على تسعير النفط وانتقاله تدريجياً إلى عملات منافسة.
هنا يظهر التهديد الحقيقي، ليس فقط في ارتفاع الأسعار، بل في اهتزاز عرش البترودولار.
ولهذا، تمسك القوى الكبرى العصا من طرفين، تصعيد عسكري من جهة، وفتح مسارات مالية من جهة أخرى، في محاولة مستمرة للإبقاء على شريان النظام المالي تحت السيطرة.
ضمن هذه المعادلة، يبرز خط أحمر غير مكتوب، ألا وهو سقف الـ150 دولاراً لبرميل النفط.
هذا الرقم ليس اقتصادياً فحسب، بل سياسياً بامتياز. تجاوزه قد يشكّل قنبلة موقوتة، لا تهدد استقرار الدول الكبرى فقط، بل تضرب الاقتصاد العالمي بأكمله. فالتضخم، في هذه الحالة، يتحول إلى قاتل سياسي صامت، قادر على إسقاط حكومات وتبديل نتائج انتخابات خلال وقت قصير.
أمام هذه البراغماتية الدولية، يجد أي صاحب عمل أو مستثمر نفسه أمام حقيقة لا مفر منها، فالمشكلة ليست في حجم الخطر، بل في الوقوع في فخ الترقب.
فاستهلاك الوقت والطاقة في متابعة السيناريوهات العسكرية لا يؤدي إلا إلى استنزاف الموارد التي يفترض توجيهها لحماية الأصول.
وإذا كانت القوى العظمى، بكل ثقلها، لا تجد حرجاً في مهادنة خصومها لحماية أمنها الاقتصادي، فمن غير المنطقي أن يتجمّد المستثمر بانتظار استقرار سياسي قد لا يأتي.
الانتظار، في هذا السياق، ليس حذراً… بل خسارة مؤجلة.
النجاة اليوم تتطلب بوصلة رقمية، لا عاطفية.
دع الأخبار للمذيعين، وركّز على التدفق النقدي لعملك. تعامل مع الأزمة كأنها “الوضع الطبيعي الجديد”، لا كمرحلة عابرة. فالتأقلم لم يعد خياراً، بل شرطاً للبقاء، فمن يتكيّف ينجو، ومن ينتظر عودة الماضي يغرق في الانتظار.
في النهاية، قد تكون الحروب التي نراها على الشاشات أقل تأثيراً من تلك التي تُخاض بصمت في أسواق المال والعملات.
الحقيقة القاسية أن خصوم العلن قد يصبحون شركاء ضرورة في الخفاء. فالعالم لا تحكمه الصداقات ولا الشعارات، بل هاجس واحد وهو تفادي الانهيار المالي.
القوة اليوم لا تُقاس بعلوّ الصوت، بل بالقدرة على حماية الاقتصاد في عزّ العاصفة… تماماً كما يفعل الكبار، الذين قد يموّلون خصومهم اليوم، ليضمنوا بقاء عروشهم غداً.