
لم يعد الرعب الذي نعيشه في منطقتنا مجرد خوفٍ من صاروخ أو من تصريحٍ متهور أو من نشرة أخبار عاجلة. لقد أصبح الرعب نفسه جزءًا من المنظومة. يُنتَج، ويُضَخ، ويُعاد تدويره على الشاشات، حتى يتسلل إلى الأعصاب والقرارات والاقتصاد والحياة اليومية. ما نراه لم يعد فقط حروبًا بالمعنى العسكري، بل حروبًا متعددة الطبقات: نار على الأرض، وفوضى في الوعي، وهزات في الأسواق، ورسائل ترهيب موجهة إلى الشعوب قبل الجيوش.
في منطقتنا، اعتاد الناس أن يعيشوا على حافة الهاوية. لكن الأخطر اليوم أن هذه الحافة لم تعد فقط جغرافية أو أمنية، بل نفسية أيضًا. تصريح واحد من رئيس متهور، أو تهديد مبالغ فيه، أو تغريدة تلمّح إلى “نهاية العالم أو حضارة معينة”، يكفي ليجعل الملايين يعيدون ترتيب مشاعرهم وحقائبهم ووداعاتهم. هذا الخوف ليس وهمًا، حتى لو كان بعض الكلام مبالغًا فيه؛ لأنه حين يُضَخ على مدار الساعة عبر الشاشات والهواتف، يتحول إلى واقع نفسي ضاغط يدفع الناس إلى قرارات قد تغيّر حياتهم فعلًا.
أنا شخصيًا أعرف هذا الشعور جيدًا. عرفناه في أزمنة سابقة، وعرفناه خلال اجتياحات العدو لأرضنا عدة مرات والتي نعيشها اليوم وأتذكر أيضا أيام الحرب بين العراق والكويت، حين شعر كثيرون أن العالم يتجه إلى نهاية كبرى. نودّع أحباءنا لا لأن النهاية مؤكدة، بل لأن مناخ التهديد يصبح أثقل من قدرتنا على الاحتمال. واليوم يعود المشهد نفسه ولكن بصورة أكثر خطورة، لأن أدوات التأثير باتت أسرع وأذكى وأعمق اختراقًا للوعي العام.
المشكلة أن كثيرين لا يزالون يقرؤون هذه الحروب بوصفها “حروبًا مقدسة” أو صراعًا أخلاقيًا بين سرديات كبرى، بينما تكشف حركة المصالح أن جزءًا كبيرًا منها هو صراع نفوذ وهيمنة وسيطرة على الممرات والطاقة والأسواق والقرارات الدولية.
الخطاب الأيديولوجي موجود، نعم، لكنه في كثير من الأحيان غلاف تعبوي؛ أما الداخل الصلب فهو الاقتصاد والردع وإعادة رسم موازين القوة. ولهذا لا تُقاس قيمة الإنسان اليوم بإنسانيته، بل بموقعه داخل خرائط النفوذ: أين يعيش، وعلى أي ممر يطل، وما الذي يمكن أن تمثله أرضه أو موارده أو فوضاه بالنسبة إلى كبار اللاعبين.
وهنا تصبح الأسواق مرآة كاشفة وقاسية في آن. فحين ترتفع احتمالات الحرب تقفز أسعار النفط، وتضطرب الأسهم، ويتراجع الإقبال على المخاطرة. وحين تلوح إشارة تهدئة، ولو كانت هشة ومؤقتة، تهبط أسعار الطاقة بسرعة وتنتعش الأصول التي كانت تتلقى الضربات.
فجر اليوم مثلًا، وبعد الإعلان عن هدنة مؤقتة لمدة أسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران مرتبطة بإعادة فتح مضيق هرمز، هبط خام برنت بنحو 13% إلى 14% ليصل إلى قرابة 94–95 دولارًا، فيما تراجع الخام الأمريكي بأكثر من 15% إلى نحو 96 دولارًا. رويترز*
هذه الأرقام لا تعني تلقائيًا وجود “مؤامرة” بكل حركة سعرية، لكنها تعني شيئًا مهمًا جدًا: أن السوق لا ينتظر الإعلان الرسمي حتى يتحرك. السوق يسعّر التوقعات، والإشاعات، والتسريبات، وتموضع كبار المتعاملين، وإشارات الشحن والطاقة، وحتى مزاج السياسيين. لذلك قد نرى أحيانًا هبوطًا أو صعودًا قبل الخبر النهائي بساعات، لأن المال السريع يعيش على استباق المعلومة لا على استقبالها بعد وقوعها.
ما يحدث إذًا ليس بسيطًا. نحن أمام عالم باتت فيه الحرب تُدار أيضًا كحدث مالي. ترتفع الأسعار فيستفيد منتجو الطاقة، وشركات التسليح، وبعض المضاربين، وتتبدل مراكز الصناديق، وتتغير رهانات العملات، وتُعاد كتابة توقعات النمو والتضخم. صندوق النقد الدولي قال هذا الأسبوع إن حرب الشرق الأوسط ستقود إلى نمو أبطأ وتضخم أعلى، محذرًا من أن الدول الأضعف والأقل امتلاكًا للاحتياطات ستكون الأكثر تضررًا.
المأساة الأخلاقية هنا أن الإنسان العادي يدفع الثمن مرتين: مرة حين يخاف على بيته وأهله ومستقبله، ومرة حين يُستَخدم خوفه نفسه كجزء من المناخ الذي يعيد تسعير الأصول والثروات.
الشعوب تُرهَق، والاقتصادات الضعيفة تُنزَف، ثم يخرج الرابحون من بعيد ليتحدثوا عن “تصحيح الأسواق” و”عودة الاستقرار” و”تخفف علاوة المخاطر”. لكن ماذا عن الأعصاب التي انهارت؟ ماذا عن الأسر التي اتخذت قرارات تحت وطأة الرعب؟ ماذا عن البلدان التي تتحول من مجتمعات حية إلى شاشات مراقبة دائمة للكارثة؟
لقد هزلت الدنيا فعلًا حين صار الإنسان أقل وزنًا من المؤشر، والدم أقل أثرًا من البرميل، والكرامة أقل حضورًا من العائد الاستثماري. أخطر ما في هذا الزمن ليس فقط أن المصالح غلبت القيم، بل أن كثيرًا من الخطابات صارت تُستخدم لتخدير الضمير بينما تجري في العمق إعادة هندسة العالم على أساس القوة والمال والذكاء الاصطناعي والممرات الحيوية. وفي مثل هذا العالم، لا يكفي أن نستنكر الحرب، بل يجب أن نفهم بنيتها: كيف يُصنع الخوف، وكيف يُسوَّق، وكيف يُترجَم إلى أرباح، وكيف يُدفع الناس إلى تصديق أن ما يرونه “قدر تاريخي”، فيما هو في كثير من الأحيان صناعة مصالح باردة.
المطلوب اليوم ليس فقط وقف النار، بل وقف تحويل البشرية إلى مادة خام في بورصة الجغرافيا السياسية. المطلوب أن نستعيد القدرة على تسمية الأشياء بأسمائها: ليست كل حرب مقدسة، وليست كل رواية أخلاقية بريئة، وليست كل حركة في الأسواق قدرًا طبيعيًا. كثير من الذي يجري هو إدارة منظمة للقلق العالمي، وإعادة توزيع للعوائد والخسائر على حساب شعوب أنهكتها الشاشات كما أنهكتها الصواريخ.
وحين نقرأ المشهد بهذه العين، ندرك أن المعركة ليست فقط على الأرض، بل أيضًا على الوعي. فإذا استسلمنا للرعب كما يُبثّ إلينا، نكون قد خسرنا نصف المعركة قبل أن تبدأ. أما إذا فهمنا أن الخوف نفسه أصبح أداة نفوذ، عندها فقط نستطيع أن نتمسك بالعقل، ونقرأ الأسواق بلا سذاجة، ونقرأ السياسة بلا أوهام، ونحمي ما تبقى من إنسانيتنا في زمن صار فيه كل شيء قابلًا للتسعير إلا الضمير.
ما هو المستقبل برأيي المتواضع؟
برأيي، نحن أمام ثلاثة احتمالات:
الأول: تهدئة هشة. هنا قد تبقى الأسواق متقلبة، لكن أقل هلعًا، وقد يستقر النفط دون قمم الذعر الأخيرة من دون أن يعود سريعًا إلى مستويات ما قبل الحرب، لأن علاوة الخطر ستبقى موجودة. هذا هو الاحتمال الأقرب على المدى القصير، لأن رويترز نقلت عن محللين أن الهدنة الحالية ما تزال هشة وأن استئناف التدفقات الطبيعية للطاقة يحتاج إلى أكثر من إعلان مؤقت.
الثاني: عودة التصعيد. عندها سنرى سريعًا قفزة جديدة في النفط، وضغطًا على الأسهم، وارتفاعًا في الذهب والدولار وبعض أصول الملاذ الآمن. الدول المستوردة للطاقة، وخاصة الأضعف، ستكون الأكثر تألمًا. رويترز*
الثالث: تثبيت نمط العالم الجديد، وهو أخطرها: لا حرب شاملة ولا سلام حقيقي، بل توتر دائم يكفي لإبقاء الأسواق في حالة ابتزاز مستمر، والشعوب في حالة إنهاك مستمر، والنخب المالية في حالة اقتناص دائم. وهذا الاحتمال، بصراحة، يبدو الأكثر انسجامًا مع طبيعة النظام الدولي اليوم.
الخلاصة التي أراها:
ليس صحيحًا أن الأسواق وحدها تصنع الحروب، لكنه أيضًا لم يعد صحيحًا أن الحروب منفصلة عن هندسة الأرباح. نحن نعيش عصرًا تُدار فيه السياسة والسردية والخوف والطاقة والمال في غرفة واحدة. ومن لا يفهم هذا الترابط سيبقى يقرأ الدم على أنه خبر، بينما هو في الحقيقة أيضًا إشارة سعر.
دمتم بخير
#خلودوتارقاسم