صورة تنزلق
السياسية

عون: الأمن ممسوك ولا خـوف مـن فتنة… المر: الحملات على الرئاسة والجيـش مـدانة

الجمهورية

انعدام الحراك السياسي والديبلوماسي أفسح مجالاً واسعاً لارتفاع وتيرة التصعيد والمواجهات العسكرية بين مقاتلي «حزب الله» والجيش الإسرائيلي، الذي ينفّذ في المنطقة الجنوبية تفريغاً شاملاً وتدميراً ممنهجاً للقرى والبلدات الحدودية، ومحاولات توغّل متتالية لاحتلال منطقة جنوب الليطاني، فيما تبرز في موازاة ذلك الحاجة إلى استنفار شامل على كل المستويات السياسية والرسمية والروحية وغير ذلك، لتحصين الداخل وحماية السلم الأهلي، وردع أي محاولة للإخلال به والعبث بأمن لبنان واللبنانيِّين أياً كان مصدرها.

وأمّا إقليمياً ودولياً، فإنّ العالم كلّه كان في الساعات الأخيرة، مواكباً لسباق صعب بين الوسطاء الإقليميِّين وبين المهلة التي حدّدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب للقبول بشروطه لوقف الحرب، ومحاولاتهم الحثيثة لجذب الجانبَين الأميركي والإيراني إلى طاولة المفاوضات، وبلوغ إيجابيات تمنع الرئيس الأميركي من تنفيذ تهديده بإعادة إيران إلى «العصر الحجري»، بعد نفاد المهلة التي حدَّد سقفها النهائي في الرابعة فجر الأربعاء بتوقيت بيروت.

اليوم حاسم

ومع انتهاء المهلة فجراً، فالمسار سيتحدَّد اليوم، (بعد طباعة هذا العدد) أكان في الاتجاه الديبلوماسي، وهذا معناه أنّ الوسطاء نجحوا في تحقيق تقدُّم ما، نزع الفتيل وفرض تمديد جديد لمهلة ترامب، ويُلحظ هنا ما قاله السفير الإيراني في باكستان أمس حول «أنّ جهود إسلام أباد الإيجابية والبنّاءة تقترب من مرحلة حاسمة». أو في الاتجاه التدميري الذي توعّد به الرئيس الأميركي، وكان جديده أمس، ما نقلته وكالة «رويترز» عن مسؤولين إيرانيِّين، بأنّ «لا مفاوضات مع الولايات المتحدة التي تريد منا الاستسلام»، كذلك ما أعلنه رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف حول أنّ «14 مليون إيراني أبدوا استعدادهم للتضحية من أجل البلاد، وإنّنا سنقطع كل إصبع يُرفع بالتهديد نحو الشعب الإيراني».

وفي موازاة ذلك، إعلان الرئيس الأميركي «أنّ إيران حضارة بأكملها ستموت الليلة ولن تعود أبداً ولا أريد أن يحدث ذلك، لكنّه على الأرجح سيحدث، و47 عاماً من الإبتزاز والفساد والموت ستنتهي أخيراً». مضيفاً أنّ «التغيير الجذري والشامل للنظام في إيران تحقق، وتسود عقول مختلفة أكثر ذكاء وأقل تطرُّفاً، وسنرى ما سيحدث هذه الليلة التي تُعدّ إحدى أهم اللحظات في تاريخ العالم الطويل والمعقّد».

طرح باكستاني

وفي تطور لافت، يعكس حركة اتصالات مكثفة لاحتواء الموقف، طلب رئيس وزراء باكستان من الرئيس ترامب تمديد المهلة اسبوعين، ومن ايران القيام ببادرة حسن نية بالموافقة على فتح مضيق هرمز لمدة اسبوعين. على ان يصار خلال هذين الاسبوعين استمرار الجهود لوقف الحرب نهائيا.

ونقل موقع «أكسيوس» الاميركي عن المتحدثة باسم البيت الأبيض قولها» تمّ إطلاع الرئيس ترامب على الاقتراح الباكستاني، ويتم درسه وسيأتي الرد عليه».

وفي الوقت نفسه، نقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول ايراني كبير قوله: «طهران تبحث بشكل إيجابي طلب باكستان وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين».

جبهة مشتعلة

داخلياً، نفّذت الطائرات الحربية الإسرائيلية غارات عنيفة على امتداد منطقة جنوب الليطاني، وتوسعت بشكل ملحوظ إلى منطقة البقاع الغربي وإقليم التفاح، فيما قصف «حزب الله» مواقع اسرائيلية في المقابل.

الخطوط مقطوعة

اللافت في هذا السياق، إنّ حماوة الميدان العسكري، تزامنها برودة كاملة إلى ما فوق الجليد في الميدان السياسي، على حدٍّ تعبير مصدر رفيع، أكّد لـ«الجمهورية» أنّ «الاتصالات، وإن كانت نجحت إلى حدٍّ ما، في تحييد معبر المصنع عن الاستهداف الإسرائيلي، إلّا أنّها مقطوعة بالكامل بالنسبة إلى الوضع المتفجِّر، وبالتالي ما حُكيَ عن مبادرات أو وساطات، فهي مجمّدة، حتى لا نقول إنّها عُطّلت وصارت خلفنا، وليس في يدنا شيء يُبنى عليه».

وبحسب المصدر عينه، فإنّ «كل ما جرى في الأسابيع الأخيرة لا يرقى إلى مبادرة جدّية، بل إنّ المصريِّين تحرّكوا، وهم راغبون في إنهاء الوضع القائم ومنع تفاقم الأجواء أكثر، والفرنسيّون أيضاً بذلوا جهوداً كبرى، ولكنّهم لم يحققوا مبتغاهم، هم خائفون فعلاً من خروج الأمور عن السيطرة، ووضع صعب جداً مقبل عليه لبنان إذا ما استمر الحال على ما هو عليه. وبالتالي فإنّ إخفاقهم ليس مفاجئاً، لأنّ الطرف الأساسي المعني بما يجري هم الأميركيّون الذين وحدهم يملكون كلمة الحل والربط ومع ذلك انكفأوا منذ بداية الحرب، وحتى الآن لم تبدُر منهم أي إشارة لجهد أو مسعى لإنهاء الحرب».

وعمّا إذا كان التواصل قائماً مع لجنة «الميكانيزم»، أوضح المصدر الرفيع: «من الأساس التواصل مع لجنة «الميكانيزم» كان بلا أيّ معنى، لا تُقدِّم ولا تؤخِّر».

ورداً على سؤال آخر كشف المصدر عينه «إنّ لا تواصل آنياً مع السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، فآخر تواصل معه كان في بدايات هذه الحرب، وفي ما طرحه آنذاك كان تكرار المطالبة بردع «حزب الله» ونزع سلاحه، ومن ثم غاب عن السمع، وها هو اليوم قد غادر لبنان لقضاء عطلة الفصح في الولايات المتحدة الأميركية، ولا نعرف ما إذا كان قد عاد إلى بيروت أم لا».

وفي السياق، وصف مسؤول كبير عبر «الجمهورية» الوضع المتأزِّم على الجبهة الجنوبية، بأنّه «سجال ناري مفتوح على قاعدة أنّ الميدان هو الذي يرسم المعادلات الجديدة في المرحلة المقبلة، وما نخشى منه هو أن تأتي المعادلة التي ستُرسم على حساب لبنان واللبنانيِّين»، أبلغ ديبلوماسي أوروبي رفيع إلى «الجمهورية» قوله: «إنّ الوضع في لبنان يتحرّك سريعاً في الاتجاه السلبي، وحتى الآن لا أرى سبيلاً للبنان للخروج من هذا المأزق، أنا قلق جداً على جغرافيّة لبنان من إعادة تجديد مرحلة الاحتلال الإسرائيلي للجنوب ما قبل العام 2000 وبوتيرة أخطر وأكثر إيلاماً على سكان تلك المنطقة».

وقلّل الديبلوماسي عينه من جدّية وفعالية ما يُحكى عن تلازم المسارَين الإيراني واللبناني، وإن تمّ اتفاق ما لوقف الحرب على جبهة إيران سينسحب هذا الاتفاق تلقائياً على جبهة لبنان، مؤكّداً: «هذا الكلام غير واقعي، فكل المؤشرات تؤكّد أنّ إسرائيل تفصل بين الجبهتَين، وستستمر في حربها لإنشاء ما تُسمِّيها المنطقة الآمنة».

فتور… وإرباك

على أنّ الإنقطاع على خطوط الاتصالات والمبادرات الخارجية، يقابله في الداخل برود في حركة التواصل بين المستويات السياسية والرسمية التي انحدرت العلاقات في ما بينها إلى حدود الفتور، جرّاء التباسات طرأت منذ بداية الحرب على جبهة لبنان، وبعض الخطوات التي اتُخِذت وصولاً إلى قضية السفير الإيراني.

على أنّه في موازاة الأجواء السياسية «المعوكرة»، برز التحدّي الكبير أمامها، وتجلّى في حالة الإرباك التي يعانيها الداخل على كل المستويات، سواء الوضع السياسي المنقسم على نفسه بصورة عامة، أو موضوع النازحين الضاغط على كل مفاصل الدولة، أو من الحرب النفسية التي تُشن عبر بعض القنوات والشاشات ومواقع التواصل الاجتماعي التي فرضت على البلد واقعاً مشحوناً سياسياً ومناطقياً، وفاقمت القلق والمخاوف من الإشكالات والافتعالات وخفافيش التخريب، وإطلاق حملات التحريض والإفتراء على رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون والمؤسسة العسكرية وقائد الجيش العماد رودولف هيكل، وكذلك من الاستهدافات الإسرائيلية، التي لم تعُد محصورة في منطقة معيّنة، على ما جرى أخيراً في تلال عين سعادة وأدّى إلى استشهاد بيار معوّض وزوجته، ورولا مطر.

المر في بعبدا

هذه التطوُّرات بحثها الرئيس جوزاف عون في القصر الجمهوري في بعبدا مع النائب ميشال المر الذي قال بعد اللقاء: «تشرَّفتُ بلقاء رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، حيث تداولنا في أدق وأخطر مرحلة يمرّ فيها لبنان، في وقت تُعاد فيه هندسة المنطقة بالدم والنار».

أضاف: «إنّ ما يواجهه لبنان اليوم من عدوان إسرائيلي وتدمير واغتيال وتهجير ممنهج، يفرض علينا جميعاً الإرتقاء إلى مستوى المسؤولية الوطنية بعيداً عن جنون السجالات وحملات التخوين التي لا تخدم إلّا العدو. إنّ خيارنا اليوم واضح ولا يحتمل الرمادية: إمّا لبنان الدولة والمؤسسات، وإمّا لبنان الساحة والانهيار».

وأكّد المر «إنّنا نرفض وندين الحملات المشبوهة التي تستهدف مقام رئاسة الجمهورية وقيادة الجيش، ونعتبرها طعنة في قلب مشروع الدولة وإصراراً على إبقاء لبنان ساحة بريد للآخرين». وشدّد على أنّ «تحصين الرئاسة والجيش ليس ترفاً سياسياً، بل هو حبل النجاة الوحيد وممرّنا الإلزامي ليكون لبنان شريكاً فاعلاً في رسم مصيره، لا جائزة ترضية على طاولة المفاوضات. نحن نتمسك بمبادرة فخامة الرئيس التي تنطلق من روحية بكركي والسيادة الوطنية، لأنّنا نؤمن أنّ قوّة لبنان في شرعيّته، ولا خلاص لنا إلّا بالعودة إلى خيار الدولة».

وختم النائب المر قائلاً: «في سياق هذا الحرص على السيادة وأمن اللبنانيَّين، توقفنا بمسؤولية عالية عند الاستهدافات الصاروخية التي تعرّضت لها بعض مناطقنا في المتن. إنّنا من هنا، نؤكّد أنّ أمن وسلامة أهلنا في المتن، وفي كل بقعة من لبنان، هما أولوية مطلقة لا تتقدَّم عليها أي اعتبارات أخرى. إنّنا نرفض رفضاً قاطعاً أي محاولة للاختباء بين منازل الآمنين أو اتخاذ المواطنين دروعاً بشرية تحت أي ذريعة كانت. وإنّ زجّ القرى والبلدات المأهولة في آتون الصراع هو أمر مرفوض أخلاقياً ووطنياً، ولن نقبل بأن يدفع المتنيّون ثمن سياسات أو مغامرات لا قرار للدولة فيها. المتن سيبقى، كما كان دائماً، قلعة للشرعية ومنطق القانون، ولن يكون يوماً ساحة مستباحة لأي خارج عن كنف الدولة ومؤسساتها».

عون: مواجهة الفتنة

وكان الرئيس عون قد أكّد أمام وفد منتدى بيروت أمس، أنّ «مسؤولية الحفاظ على الأمن في الداخل اللبناني في هذه الظروف، مشتركة، وهي تتطلّب التنسيق الكامل بين المواطنين والجيش والأجهزة الأمنية والبلديات»، مشيراً إلى أنّ «الجيش نفّذ عملية إعادة انتشار في بيروت ومناطق أخرى عدة، وسيكون أكثر حضوراً مع قوى الأمن الداخلي وباقي الأجهزة، مع التشدُّد أكثر في فرض الأمن لطمأنة المواطنين الآمنين في منازلهم».

وشدَّد على أنّ «الوضع الأمني الحالي ممسوك ولا خوف من فتنة أو فلتان أمني داخلي، وإنّ ما يحصل من مشاكل، محدودة وتتمّ معالجتها بالسرعة اللازمة، إلّا أنّ هناك مَن يركّز على البناء على الخوف من الفتنة المذهبية خدمة لمصالحه، لكنّ الظروف الحالية مغايرة لما كانت عليه في السابق، فالوعي شامل من قبل الشعب والمسؤولين السياسيِّين والروحيِّين، لأنّ لا قدرة لأحد أن يحتمّل الفتنة الداخلية».

وأضاف: «لن أسمح بحصول الفتنة، وكل مَن يحاول تغذية هذا المنحى، إن عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو عبر الاعلام، يشكّل خطراً على لبنان ويقوم بعمل أسوأ من الإعتداءات الإسرائيلية. ويجب علينا التمييز بين المصلحة الوطنية ومصلحة الخارج، وليس لدينا خلاص إلّا الدولة»، مؤكّداً أنّه «لن أسمح في عهدي اتهام أي مواطن صمد في قريته وبلدته بالعمالة أو الخيانة، بمجرّد أنّه اختار الاستمرار في العيش في مسقط رأسه».

وأكّد أنّ مبادرته التفاوضية «اكتسبت تأييداً دولياً كونها الطريق السليم للوصول إلى الحل، خصوصاً أنّ لبنان عقد اتفاقات سابقاً مع إسرائيل على غرار اتفاق الهدنة واتفاقية الترسيم البحري»، لافتاً إلى أنّ «الاتصالات تركّز على الحصول على ضمانات بعدم استهداف معبر المصنع الحدودي الأساسي بالنسبة إلى لبنان وسوريا على حدّ سواء».

وكان عون قد أعلن من بكركي، حيث شارك في قداس عيد الفصح، أنّ مَن يحاول المسّ بالسلم الأهلي يُقدِّم خدمة لإسرائيل، وأضاف: «ألف عدو برّات الدار ولا عود جوات الدار. ولا أحد يريد الفتنة لأنّ اللبنانيِّين تعبوا من الحروب. البعض قال عن التفاوض، ماذا سنجني من التفاوض؟ وأنا أقول: ماذا جنَينا من حربك؟ التفاوض ليس تنازلاً والديبلوماسية ليست استسلاماً، واتصالاتنا مستمرة لوقف القتل والدمار».

السفير البابوي

إلى ذلك، أكّدت مصادر ديبلوماسية لـ«الجمهورية»، أنّ أحد عناصر «اليونيفيل» من الكتيبة الفرنسية، المرافقين للسفير البابوي في لبنان المونسنيور باولو بورجيا، أُصيب بشظايا جرّاء قصف إسرائيلي. كما أشارت إلى أنّ فشل المساعي لتقدّم السفير والوفد إلى بلدة دبل أمس، حيث كان الأهالي ينتظرون في كنيسة البلدة لتسلّم مساعدات غذائية وطبية، دفع بالسفير البابوي والوفد المرافق إلى العودة، بعد انتظارٍ دام أكثر من ساعة في بلدة الطيري. ونفت المصادر الديبلوماسية الروايات التي تمّ تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي في هذا الأمر.

زر الذهاب إلى الأعلى