
بقلم: لبنى عويضة…
خاص: جريدة الرقيب الالكترونية
بينما تلهث العواصم خلف أخبار التهدئة، يدرك العالقون على جبهات القلق أن مفاوضات وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران ليست محطة للسلام، بل مجرّد إعادة ضبط لمصنع الاستنزاف.
فاليوم، لم يعد المتخاصمون يطلبون من الحروب أن تنتهي بمنطق الربح والخسارة، بل أن تُدار كآلة دقيقة تمنع الانفجار الشامل كما تمنع الحسم في آنٍ واحد.
لم تعد المعركة تُحسم بمن يطلق الرصاصة الأخيرة، بل بمن يملك مفاتيح القلق العالمي. فقد غادر ثقل الحرب المتاريس الترابية، ليتسلّل إلى تفاصيل الحياة اليومية، ويظهر أثره في تذبذب سعر برميل النفط، الذي بات يحمل من القسوة ما لا تحمله القذائف. تمامًا كما تحوّل مضيق هرمز من ممر مائي إلى شريان ضغط يمسك العالم من نقطة ألمه.
هناك، حيث تمتزج الجغرافيا بضجيج الناقلات، لا تُقاس القوة بالسيطرة على الضفتين، بل بالقدرة على حبس أنفاس الاقتصاد الدولي بقرار واحد. وهكذا، نجد أنفسنا في صراع صامت، تتحوّل فيه الخوارزميات إلى مرآة لمخاوفنا، وتُترجمها إلى أرقام، بينما ينتقل السوق من موقع المراقب إلى لاعب خفي، يغذّي النيران أو يهدّئها، وفقًا لمصالح القوى الكبرى.
إذن، تكمن هشاشة الاتفاق بين واشنطن وطهران في كونه مجرّد “إرجاء تقني” للانفجار، لا إنهاءً للصراع. هو توافق معلّق فوق رمال متحرّكة، يكتفي بضبط إيقاع الاشتباك بدل معالجة جذوره. سلامٌ هشّ، أشبه بقشرة رقيقة تخفي تحتها غليانًا مستمرًا، حيث يكفي خطأ ميداني واحد لنسف المشهد بالكامل، وكأن الهدوء ليس إلا استراحة عابرة في حرب لا تبحث عن حل بل عن تأجيل الانكسار.
في قلب هذا التوازن الهش، يبرز لبنان لا كضحية فقط، بل كجزء من آلية الصراع نفسها. لم يعد مجرّد ساحة متأثرة بالحرب، بل تحوّل إلى ما يشبه “منظّم الضغط” في النظام الإقليمي، اذ ترتفع حرارته حين يقترب التوتر من الانفجار، وتُخفّض حين تقتضي الحاجة إلى تثبيت التوازن.
بهذا المعنى، لا يُترك لبنان للاشتعال عبثًا، ولا يُهدّأ صدفة. بل يُستخدم كمساحة لتمرير الرسائل، وتفريغ فائض القوة، ضمن لعبة دقيقة تُدار خارج حدوده. وهنا تكمن المأساة، بلد لا يملك قرار الحرب ولا قرار السلام، بل يُفرض عليه أن يكون الوسيط الصامت بينهما، وأن يدفع كلفة صراع لا يملك أدوات إنهائه.
وما يزيد من خطورة هذا المشهد، هو دخول “عنف الخوارزميات” على خط النار. فمع تصاعد استخدام الذكاء الاصطناعي في تحديد الأهداف واتخاذ القرار، يتراجع العامل الإنساني لصالح سرعة قاتلة قد تختصر المأساة بثوانٍ. لم تعد الأخطاء تحتاج إلى نية، بل إلى خلل تقني بسيط، قد يتحوّل إلى كارثة مفتوحة—خصوصًا في ساحات هشة كلبنان.
وعلى وقع المجازر التي تطال بيروت وسواها، تسقط كل تنظيرات “الهدنة المدروسة” لتكشف وجهها الحقيقي. فما يُسمّى توازنًا في حسابات الكبار، يُترجم هنا موتًا مباشرًا. وتتحوّل المدن إلى رسائل، والضحايا إلى أرقام، في معادلة لا ترى في الجغرافيا إلا أدوات، ولا في البشر إلا كلفة محتملة.
هكذا، تتجلّى حقيقة الصراع بين واشنطن وطهران، ليس كحرب تسعى إلى الحسم، بل كنظام لإدارة المخاطر. ومواجهة لا تهدف إلى إسقاط الآخر، بل إلى ضبطه ضمن حدود معيّنة. وفي هذا النظام، تُقاس القوة بالقدرة على استنزاف الخصم دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
في المحصّلة، لم يعد الشرق الأوسط ساحة لحروب تُحسم، بل فضاءً لصراعات تُدار. تُرفع فيها الحرارة دون الوصول إلى الانفجار، ويُباع الهدوء كإنجاز، فيما الحقيقة أبعد من ذلك بكثير.
نحن لا نعيش سلامًا مؤجّلًا… بل حربًا دائمة، تُغيّر شكلها فقط.