
كتب أكرم بزي
تتجلى في مدينة بنت جبيل اليوم صورة من ابهى صور الصمود الانساني الذي يتجاوز في جوهره مجرد الاشتباك العسكري، ليدخل في حيز الملاحم التاريخية التي تعيد صياغة مفاهيم القوة والارادة والكرامة، ان ما يحدث في تلك الازقة والروابي ليس مجرد تصد لآلة حربية مدججة بالعتاد، بل هو صراع وجودي بين حق تاريخي متجذر في التراب وبين غطرسة تقنية تظن ان الفتك هو السبيل للسيطرة، ان المدينة التي وقفت شامخة امام فيالق النخبة واسراب الطائرات تبرهن للعالم ان الايمان بالقضية هو السلاح الذي لا يمكن خرقه، وان ارادة الارض حين تنطق بلسان ابنائها تصبح اقوى من كل القذائف، حيث تتحول الارض تحت اقدام الغزاة الى لهب، وتغدو المنازل والساحات حصونا عصية تكسر هيبة العدو وتعيد رسم حدود السيادة بالدم واليقين والاصرار.
على الصعيد الميداني، تحتشد قوى معادية تفوق في عدتها وعتادها كل التصورات التقليدية، حيث يشارك اكثر من ثلاثة الاف جندي من نخبة جيش الاحتلال في محاولة مستمرة منذ ايام لاختراق اسوار المدينة، هؤلاء الجنود يحظون بمؤازرة جوية مكثفة لا تتوقف، تشمل طائرات حربية ومسيرات استطلاعية وانتحارية، وتستخدم فيها انواع من القنابل المحرمة دوليا والفسفورية التي تهدف الى حرق الشجر والبشر والحجر، ومع وجود مئة دبابة تحاول التقدم من عدة محاور، الا ان النتيجة الميدانية لا تزال ترسم لوحة من الفشل الذريع للعدو، فامام هذا التحشيد الهائل يقف عشرات الشباب من ابناء المقاومة بكل بسالة، مستلهمين قوتهم من حقهم في الدفاع عن ارضهم، وقد نجحوا في دك تجمعات العدو بمئات الصواريخ والقذائف، مما ادى الى وقوع عشرات القتلى والجرحى في صفوف النخبة المهاجمة، ورغم القصف الوحشي الذي تركز على محيط الملعب ومداخل المدينة، فشل الاحتلال مرارا في قطع اوصال بنت جبيل او تثبيت نقاط عسكرية على اطرافها، حيث كانت آلياته تحترق تحت وطأة الضربات، مما اجبرهم على الانسحاب وجر اذيال الخيبة امام ثبات المجاهدين.
اما في كواليس السياسة، فان المشهد يبدو منفصلا تماما عن نبض الميدان وبطولاته، اذ يشير توصيف الواقع السياسي الراهن الى وجود فجوة عميقة وخطيرة بين التضحيات التي تبذل في الجنوب وبين الاداء الرسمي في بيروت، حيث تثير تحركات رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة تساؤلات مشروعة حول مدى الالتزام بالدستور وصون السيادة الوطنية، فبدلا من استثمار الصمود الاسطوري لفرض شروط لبنان، يبدو ان هناك توجها عاما لتجنب المواجهة المباشرة والبحث عن مخارج تفاوضية يراها الكثيرون رضوخا لاملاءات خارجية لا تلتقي مع المصلحة الوطنية العليا، ان هذا السلوك يضع السلطة في مواجهة مباشرة مع النصوص الدستورية الملزمة، لا سيما المادة التاسعة والاربعون التي تفرض على رئيس البلاد السهر على احترام الدستور والمحافظة على استقلال لبنان وسلامة اراضيه، وكذلك المادة الخامسة والستين التي تنوط بمجلس الوزراء وضع السياسات الدفاعية والاشراف على تنفيذها وحماية الكيان.
ان جوهر الاشكالية يكمن في الخوف من تحويل الانجازات الميدانية الكبرى الى خسائر سياسية فادحة على طاولة التفاوض، فالسلطة التي تتردد في اصدار اوامر واضحة للجيش اللبناني بالتصدي للاعتداءات تضع نفسها في دائرة الشبهة الوطنية والقانونية، وكأنها تحاول استنساخ تجارب التفاوض العقيمة تحت ضغط النار، متجاهلة الحقائق التي تؤكد ان الدبلوماسية حين تفتقر الى انياب الميدان تصبح مجرد استسلام مقنع، اذ تمنح العدو عبر الاوراق والاتفاقات ما عجز عن انتزاعه بالمدفعية والطائرات، ان تجاوز الفقرة ط من مقدمة الدستور التي تكرس وحدة الارض والشعب يمثل تحذيرا صارخا من ضياع السيادة تحت حجج واهية تهدف الى ارضاء القوى الدولية على حساب الكرامة الوطنية وقوة لبنان الحقيقية المتمثلة في مقاومته وشعبه.
ان ما تسطره بنت جبيل اليوم هو برهان ساطع على ان موازين القوى لا تقاس بمجرد التفوق العددي او التقني، بل بمدى الايمان بالارض والقدرة على الصمود في وجه العواصف، وبينما ينشغل الساسة في صالوناتهم بالبحث عن صيغ تبريرية للتراجع او المهادنة، يكتب المقاتلون بدمائهم وصبرهم صيغة لبنان القوي الذي لا يقبل الانكسار، ان اي محاولة للالتفاف على هذه التضحيات بصفقات سياسية مشبوهة او منقوصة لن تكون الا طعنة في ظهر هؤلاء الابطال الذين يذودون عن حمى الوطن، فالتاريخ لا يرحم الذين يفرطون بالسيادة في لحظات الشدة، والكرامة الوطنية لا يمكن تجزئتها او المقايضة عليها، تماما كما ان تراب بنت جبيل لا يقبل القسمة، سيبقى صمود هذه المدينة رمزا للارادة الحرة ودرسا بليغا لكل من يظن ان القوة المادية قادرة على تطويع النفوس والارواح، فالنصر في خاتمة المطاف هو حليف الصابرين المتمسكين بحقهم في العيش بعزة فوق ترابهم الوطني المقدس.