الرابطة الوطنية للحوار

ورقة العمل التأسيسية التي اعتمدتها الرابطة الوطنية للحوار، اشرف عليها الكاتب السياسي ناجي علي امهز

الرابطة الوطنية للحوار

مقدمة: ورقة العمل التأسيسية

بقلم: البرفيسور رائف رضا  

إلى إخوتي في الوطن والمواطنة، ورفاق الدرب اللبناني الذي نمشيه سوياً حيث تعاهدنا أن نحفظ هذا الوطن الفريد بتنوعه، وقدرته على التعايش والاستمرار وبقاء ألأمة اللبنانية أمة عظيمة أضاءت فضاء العالم بالإنسانيات والطب والعلم والحريات، في أكثر مناطق العالم حاجة الى هذه الطقوس اللبنانية من العلم والمحبة وقبول الاخر.

إلى إخوتي المؤسسين في الحوار الوطني، الذي نسعى إيماناً منا ليكون حواراً حقيقياً يضيء عتمة هذا الوطن الغارق بالانقسامات؛ فكانت أسماؤكم صفاتٍ وطنية عظيمة، تحاكي صورة لبنان وخميرته الصالحة وملحه الذي يحفظه من الفساد:

  • الدكتور جان أبو حيدر
  • الدكتور سميح برجاوي
  • الدكتور طلال عبد الخالق

إلى الأخ الكاتب السياسي ناجي علي أمهز، شريكنا في هذا النضال من أجل التعايش، وكاتب وثيقة: “الحوار اللبناني: قارب النجاة الأخير وفلسفة الوجود المستمر”.

إلى كل من يؤمن بأن لبنان يحتاج إلى هذا الجهد الجبار؛ جميعنا مدعوون للعمل، وكل من سينضم إلينا في هذه المعركة الكبرى التي لا تُقاد بالحرب والبارود والخطط العسكرية، بل بالمحبة والتسامح والقدرة على أن نغفر لبعضنا البعض.

(من الحوار الذي طال… إلى الحوار الذي يُنقذ)

أولاً: في نقد الحوار القديم.. لماذا فلسفة جديدة؟

منذ أن وُلد لبنان الكبير، ونحن نتحاور. تحاورنا على شكل الدولة، وعلى الطوائف، والصلاحيات، وتوزيع السلطة، والاقتصاد، والسياسة، وعلى موقع لبنان بين الشرق والغرب. عقدنا المؤتمرات، وكتبنا المواثيق، ووقعنا التفاهمات، ومع ذلك، ها هو لبنان يقف اليوم أمام أسئلة وجودية أكثر قسوة من أي وقت مضى.

إن الحوار الذي عرفناه طوال عقود لم يستطع منع الانحدار، ليس لغياب الحوار، بل بسبب طبيعته؛ لذا حان الوقت لنعترف: لبنان لا يحتاج مجرد “طاولة حوار” جديدة، بل يحتاج إلى “فلسفة جديدة للحوار”.

ثانياً: هوية الرابطة.. حوار وطن لا حوار أديان

من هنا ولدت فكرة الرابطة الوطنية للحوار. نحن لا نؤسس إطاراً جديداً لحوار إسلامي-مسيحي تقليدي؛ فالأزمة الراهنة ليست خلافاً دينياً. المسلم والمسيحي في لبنان شريكان في الأرض والذاكرة والمصير، واختزال المشكلة في “حوار أديان” هو هروب من السؤال الحقيقي.

كما أننا نرفض الحوار الذي يتعامل مع الوطن كـ “بازار”، أو مع الدولة كـ “شركة مساهمة” يتفاوض فيها أصحاب المصالح على حصصهم. نحن نريد حواراً وطنياً يسأل: “ماذا يحتاج لبنان؟” لا “ماذا تريد طائفتي؟”. حواراً يبحث في كيفية بقاء الوطن، لا في كيفية ربح الفريق على حساب شريكه.

ثالثاً: كسر دورة “البيانات الصغيرة”

لقد تعب اللبنانيون من الحوارات التي تبدأ بعناوين كبرى وتنتهي ببيانات صغيرة، ومن التفاهمات المؤقتة التي تجمّل القشور وتترك أصل الأزمة. الرابطة الوطنية للحوار ليست رابطة لإدارة الخلاف، بل هي مساحة للبحث عن “المساحات المشتركة” قبل الاختلاف على التفاصيل.

نحن نؤمن بأن التعددية اللبنانية ليست مرضاً، بل المرض هو تحولها إلى “خوف”. والطوائف ليست المشكلة، بل المشكلة هي تحولها إلى “متاريس”. لذا، هدفنا هو نقل الحوار من كونه “موسماً سياسياً” إلى كونه “ثقافة وطنية”، ومن ردة فعل على الأزمات إلى منهجٍ لمنعها.

رابعاً: نهج الإصغاء.. الورقة ملك الجميع

نحن في الرابطة لا ندّعي امتلاك الحقيقة كاملة، ولا نأتي بورقة مغلقة. نبدأ من حيث يجب أن يبدأ أي حوار حقيقي: من الإصغاء. فلبنان أكبر من أن تختصره طائفة، أو حزب، أو منطقة، أو سياسي، أو حتى رابطة.

لذلك، فإن هذه الورقة هي “مسودة أولية” غير نهائية. إنها دعوة للمشاركة في صياغة السؤال والجواب معاً. نحن نضع أفكارنا أمام المرجعيات الروحية والفكرية والاجتماعية والإعلامية لنتلقى ملاحظاتهم، واعتراضاتهم، وإضافاتهم. فربما يكون “الاختلاف” حول هذه الورقة هو أول حوار ناجح حول لبنان.

خامساً: نحو عقد لبناني جديد.. بناء المناعة الوطنية

نحن نطمح للوصول إلى عقد لبناني جديد في روحه، واضح في ثوابته، صادق في شراكته؛ عقد لا يلغي الطوائف بل يمنع تحولها إلى دول، ولا يلغي الاختلاف بل يمنع تحوله إلى حرب.

في ظل منطقة تموج بصراعات كبرى، تصبح مسؤوليتنا بناء “مناعة وطنية”. فكلما اتفق اللبنانيون، أصبح الخارج أقل قدرة على تحويلهم إلى أدوات. الحوار اليوم ليس ترفاً، بل هو الوسيلة الوحيدة لمنع الخلاف من أن يتحول إلى انهيار، وللبحث عن صيغة حياة قابلة للاستمرار.

سادساً: من الكلام إلى الفعل

إن لبنان لا يحتاج إلى حوار ينتهي عند آخر سطر في البيان، بل يحتاج إلى حوار يبدأ عند ذلك السطر؛ حوار يترجم نفسه في:

  • الدولة والقانون.
  • المدرسة والجامعة.
  • القضاء والاقتصاد.
  • بناء الثقة والشراكة.

خاتمة وتعهد:

بعد استكمال جولات النقاش حول هذه المسودة، سنتطلع إلى صياغة النسخة النهائية تمهيداً لإعلانها في لقاء وطني موسع. غايتنا ليست “كتابة ورقة”، بل الوصول إلى نص يستحق أن يكون ملكاً للبنانيين جميعاً.

نطمح للانتقال:

  • من حوار الطوائف إلى حوار الوطن.
  • من حوار المصالح إلى حوار المصير.
  • من الخوف المتبادل إلى الثقة المتبادلة.

لبنان لا يحتاج حواراً ليقول اللبنانيون إنهم مختلفون، بل حواراً يكتشفون فيه ما الذي لا يستطيعون العيش من دونه.. والجواب دائماً هو: لبنان.

 



 

الثوابت التي كرّستها الرابطة الوطنية للحوار والتي انشات على اساسها:

  1. الحوار بين جميع مكوّنات المجتمع اللبناني
    الرابطة تنطلق من مبدأ أن الحوار لا يكون بين طائفتين أو فريقين فقط، بل بين شخصيات وطنية من كافة الطوائف، بما يجعل الحوار عابراً للانتماءات الطائفية والمذهبية.
  2. تقريب وجهات النظر
    الغاية الأولى للحوار هي ردم المسافات بين اللبنانيين وتقريب وجهات النظر، لا تسجيل الانتصارات السياسية أو تكريس الانقسامات.
  3. الدولة هي المرجعية الجامعة
    تؤكد الرابطة أن الدولة هي راعية وداعمة لحقوق المواطنين، وأنها يجب أن تحظى بالإجماع الوطني والتفاف الجميع حولها.
  4. السيادة على كامل الأراضي اللبنانية
    السيادة الوطنية ليست مجزأة. وهي، كما عبّر النص، تشمل كامل مساحة لبنان، 10452 كلم²، دون استثناء.
  5. وحدة الألم والمسؤولية الوطنية
    ما يصيب منطقة لبنانية يجب أن يعني جميع اللبنانيين.
    فالجنوب ليس قضية أهله وحدهم، كما أن ما يصيب أي منطقة أخرى ليس شأناً محلياً معزولاً.

وهذه ربما من أهم الثوابت التي يمكن صياغتها فلسفياً:

لا مواطنة حقيقية إذا كان الوطن يتجزأ في الألم كما يتجزأ في المسؤولية.

  1. المواطنة أساس بناء لبنان
    الرابطة تربط بناء لبنان بالمواطنة، أي أن الانتماء إلى الوطن يجب أن يتقدم على منطق المناطق والطوائف والانقسامات.
  2. حرية الرأي والتعبير
    الحوار لا يمكن أن يكون حواراً حقيقياً إذا لم تُصن حرية التعبير والرأي.
  3. رفض التخوين والاستفزاز
    الرابطة تضع حداً واضحاً للخطاب الذي يهدم الحوار، وخصوصاً لغة التخوين والاستفزاز.

وهذا يعني أن الاختلاف مقبول، بل ضروري، لكن تحويل الاختلاف إلى اتهام بالعمالة أو الخيانة يقتل إمكانية الحوار.

  1. معالجة الانعكاسات الخارجية بالحوار الوطني
    بدلاً من أن تتحول التأثيرات والصراعات الخارجية إلى صراع لبناني داخلي، تعمل الرابطة على تقريب المواقف وطنياً وصولاً إلى وثيقة وطنية.
  2. الطائف والدستور مرجعية الوثيقة الوطنية
    أي تقارب وطني لا ينطلق من فراغ، بل يستند إلى اتفاق الطائف والدستور بوصفهما الإطار الناظم للحياة السياسية والوطنية.
  3. المرجعيات الدينية والروحية شريك في حماية السلم الأهلي
    زيارة المرجعيات الدينية ليست بروتوكولاً، بل تقوم على قناعة بأن هذه المرجعيات تؤدي دوراً أساسياً في السلم الأهلي والعيش المشترك.
  4. الوحدة الوطنية فوق كل اعتبار
    هنا توجد العبارة المركزية في فلسفة الرابطة:

«الوحدة الوطنية هي أكبر وأسمى من كل شيء، وهي أقوى سلاح

أي أن القوة الوطنية الحقيقية ليست في القدرة على الغلبة، بل في قدرة اللبنانيين على البقاء موحدين.

  1. الحوار ضرورة وليس ترفاً
    الرابطة لا تتعامل مع الحوار كخيار سياسي موسمي، بل تعتبره ضرورة وطنية لحماية الوحدة الوطنية.
  2. التفاهم هو الطريق إلى بناء الوطن
    النص ينتهي إلى قاعدة شديدة الوضوح: لبنان لا يُبنى إلا بالتفاهم والحوار

 

 ————————————————————————————————

———————-

 

الحوار اللبناني: قارب النجاة الأخير وفلسفة الوجود المستمر

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الحوار اللبناني: قارب النجاة الأخير وفلسفة الوجود المستمر

ناجي علي امهز

مقدمة: لبنان الكيان… حوار الجغرافيا والتاريخ

ليس لبنان مجرد قطعة أرضٍ اقتطعتها الجغرافيا من محيطها، ولا هو حدودٌ رُسمت بالحبر على خرائط “سايكس بيكو” ثم أُعطي لها اسمٌ وعَلَمٌ ونشيد. لبنان، قبل أن يكون دولة، كان سؤالاً وجودياً كبيراً: كيف يمكن لجماعاتٍ متباينة في الدين والتاريخ والذاكرة والمخاوف أن تعيش في مساحة واحدة، من دون أن تتحول هذه الاختلافات إلى حربٍ دائمة؟

إن لبنان ليس فكرةً عابرة في جغرافيا الشرق، ولا هو دولةٌ قامت مصادفةً بين حدودٍ متنازعة أو نتيجة تسويات استعمارية جافة. إنه، في جوهره الفلسفي والسياسي، “محاولة تاريخية” فريدة وشجاعة لتحويل التعددية من عبء ديموغرافي ومصدر خوف متبادل إلى مصدر قوة حضارية. إنه المختبر الإنساني الذي أُريد له أن يثبت أن اختلاف الطوائف يمكن أن يكون جسراً للعبور نحو مفهوم “المواطنة التعددية”، لا خندقاً يحتمي فيه الأبناء من بعضهم البعض.

هذا الكيان الذي وصفه الفيلسوف اللبناني شارل مالك بأنه مساحة من الحرية في محيط من الصمت، لا يمكن فهمه إلا من خلال ثنائية (الوحدة والتنوع). ولعل مأساة لبنان الكبرى تكمن في أنه حاول، في محطات كثيرة من تاريخه المعاصر، أن يجيب عن “السؤال اللبناني” بالسلاح، فيما كان ينبغي أن يجيب عنه بالحوار الدائم.

وهنا يجب التأصيل لقاعدة ذهبية: إن لبنان “الطائفية” أضعف بكثير من لبنان “الطوائف” والتعددية. فالطائفية حين تتحول إلى عصبية سياسية، تريد وطناً على صورة جماعة واحدة، وتخاف من الآخر لأنها ترى في وجوده انتقاصاً من وجودها؛ وهي بذلك تجعل من الوطن ساحةً لتنازع الجماعات، ومن المواطن تابعاً لجماعته قبل أن يكون مواطناً في دولته. أما الطوائف، حين تُصان في إطار الدولة وتتحول من جماعاتٍ متقابلة إلى جماعاتٍ متشاركة، فإنها تصبح ثروة لبنان التاريخية والروحية، وجزءاً من تلك الفسيفساء التي جعلت منه وطناً يتجاوز حجمه الجغرافي ليكون قيمة معنوية عالمية.

لبنان ليس قوياً لأنه يشبه غيره، بل هو قوي لأنه لا يشبه أحداً تماماً. فيه المسلم والمسيحي، وفيه المذاهب والمدارس والتيارات، وفيه الجبل والساحل والمدينة والقرية. فيه ذاكرات متعددة لو أراد أحد أن يمحو إحداها، لم يبقَ من لبنان إلا نصف لبنان، أو لا شيء على الإطلاق. وهنا تكمن فلسفة الكيان اللبناني التي أرادها المؤسسون: لبنان لم يُخلق لكي ينتصر فيه نصفه على نصفه الآخر، بل لكي يتعلم النصفان كيف يصنعان وطناً واحداً.

من هذا المنطلق، فإن الحوار في لبنان ليس تقنية سياسية عابرة، وليس ترفاً نلجأ إليه عند اشتداد الأزمات؛ إنه جزء من تعريف لبنان لنفسه، وشرطٌ أساسي من شروط وجوده. فإذا توقف الحوار، سقطت “الرسالة”، وإذا سقطت الرسالة، فقد لبنان مبرر بقائه كنموذج فريد في هذا الشرق. إن الحوار هو الأداة الوحيدة التي تمنع تحول “التنوع” إلى “تصادم”، وهو الذي يحول لبنان من مجرد “جغرافيا متنازع عليها” إلى “وطن نهائي لجميع أبنائه”.

أولاً: من “لبنان الكبير” إلى “لبنان الرسالة” (الإطار التأسيسي)

حين حمل البطريرك إلياس الحويك قضية لبنان إلى مؤتمر الصلح في باريس عام 1919، لم يكن يحمل معه مجرد خريطة جغرافية أو مطالب طائفية؛ كان يحمل “فكرة وطن”. لقد كان إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920، بقيادة الحويك، تتويجاً لرؤية تتجاوز مجرد التوسع في الحدود؛ فقد كان يريد للبنان أن يكون أوسع من جبلٍ ضيق، لا لكي يتسع الحجر والتراب، بل لكي يتسع الإنسان للإنسان.

لم يكن الحويك يطالب بمساحة أرض إضافية، بل كان يطالب بمساحة “عيش مشترك”. وفي مذكراته وشهاداته التاريخية، لم يتحدث بلسان الموارنة وحدهم، بل بلسان “اللبنانيين” جميعاً، مؤكداً أن هذا الوطن هو لكل أبنائه بغض النظر عن انتمائهم الديني. إن لبنان الكبير، في جوهر الفكرة التأسيسية، لم يكن كبيراً بالمساحة وحدها، بل كان كبيراً بالقدرة على احتضان جماعاتٍ متباينة تحت سقف واحد. وهنا تظهر عظمة الفكرة: أن الوطن لا يصبح كبيراً عندما يكبر ترابه، بل عندما تتسع فيه مساحة الشراكة؛ فالأرض التي لا تتسع لأبنائها ليست وطناً مهما اتسعت حدودها، والدولة التي تجعل مواطناً يخاف من مواطن آخر لا تكون قد نجحت في صناعة “المواطنة”، بل تكون قد صنعت “هدنةً” بين مخاوف متجاورة.

هذا التوجه التأسيسي تعزز وتأصل مع فلسفة ميشال شيحا، العقل المدبر للدستور اللبناني، الذي قرأ لبنان لا بعين السياسي وحده، بل بعين الفيلسوف الذي فهم أن الكيان اللبناني لا يستطيع أن يعيش بمنطق “الغلبة”. رأى شيحا أن لبنان هو “بلد الأقليات المتضامنة”، ولم ينظر إلى الطوائف كعائق أمام الدولة، بل كـ “جمعيات سياسية” يجب إدارتها بحكمة وتوازن.

يقول شيحا: “لبنان هو بلد التوازن، وحين يختل هذا التوازن، يختل معنى لبنان”. والتوازن هنا ليس ضعفاً، بل هو “فن البقاء”. فكما أن الميزان يسقط عندما ترجح كفة على أخرى، يسقط لبنان عندما يعتقد فريقٌ أنه يستطيع أن يحمل الوطن وحده. ليس المطلوب أن تكون الكفّتان متساويتين في كل لحظة، بل أن يبقى الميزان قادراً على العودة إلى نقطة الاعتدال. وهذه هي فلسفة لبنان وعمق خصوصيته: ليس في لبنان طائفة تستطيع أن تكون لبنان كله، ولا منطقة تستطيع أن تختصر الوطن، ولا حزب يستطيع أن يكون الدولة، ولا دولة تستطيع أن تستمر إذا تحولت إلى دولة فئة؛ فمن هنا ندرك أن قوة لبنان لا تكمن في “الغلبة”، بل في “المشاركة”، حيث لا يشعر أي مكوّن بالدونية أو التهميش.

هذا المفهوم الفلسفي تجسد لاحقاً وتوج عالمياً في الموقف التاريخي للبابا يوحنا بولس الثاني في “الإرشاد الرسولي” (رجاء جديد للبنان) عام 1997، حين أطلق جملته التي أصبحت ميثاقاً كونياً: “لبنان أكثر من بلد، إنه رسالة حرية ونموذج للتعددية للشرق كما للغرب”. وإذا كان لبنان “رسالة”، فإن الحوار هو لغتها الوحيدة؛ فالرسالة التي لا يتكلم أبناؤها مع بعضهم تفقد معناها، والوطن الذي يتوقف فيه الحوار يتوقف فيه نبض الحياة، فإذا توقفت اللغة سقطت الرسالة، وإذا سقطت الرسالة، فقد لبنان مبرر وجوده التاريخي والإنساني.

 

ثانياً: الحوار… الأكسجين الذي يتنفس به لبنان

في دول أخرى، قد يكون الحوار مرحلة من مراحل السياسة، أو وسيلة لحل أزمة عابرة؛ أما في لبنان، فالحوار هو جزءٌ لا يتجزأ من بنية الحياة الوطنية، وهو “الأكسجين الدستوري” الذي لا يمكن للكيان أن يتنفس بدونه. لبنان لا يستطيع أن يحكم نفسه، ولا أن يحفظ بقاءه، إلا إذا تحدث أبناؤه معاً. وهذه الحقيقة ليست مجرد “رومانسية سياسية” أو شعارات إنشائية، بل هي حقيقة جغرافية وديموغرافية وتاريخية صلبة.

لقد بُني العقد اللبناني على قاعدة ذهبية تكرست بعد أزمة عام 1958، وهي قاعدة «لا غالب ولا مغلوب». هذا الشعار لم يكن مجرد تسوية سياسية باردة، بل كان اعترافاً سوسيولوجياً عميقاً بأن أحداً في لبنان لا يستطيع إلغاء الآخر مهما بلغت قوته العسكرية أو فائض القوة لديه. ففي هذا الوطن، لا يوجد منتصرٌ يستطيع أن يمحو المهزوم؛ فمن يعتقد أنه انتصر بالسلاح، سيكتشف في صباح اليوم التالي أن “المهزوم” لا يزال شريكه في الأرض والقرار، ومن يظن أنه انتصر في الانتخابات، سيجد نفسه مضطراً للعيش مع الذين لم ينتخبوه. وحتى لو امتلك أي فريق أعتى أدوات القوة، فلن يستطيع أن يغيّر الجغرافيا أو يقتلع التاريخ. وهذه هي حكمة لبنان القاسية والجميلة في آن: لا أحد يستطيع أن يأخذ لبنان كله، لأن لبنان دائماً أكبر من أي فريق فيه.

لقد تعبت المنطقة العربية والشرق الأوسط من ثقافة “المنتصر الوحيد” ومنطق الغالب والمغلوب الذي طال أمدُه. والتاريخ القريب والبعيد يخبرنا أن كل انتصار فئوي كامل داخل وطن واحد هو في الحقيقة “هزيمة مؤجلة” للجميع؛ فكل إلغاء يولد إلغاءً مقابلاً، وكل انتصار مسيَّج بالقهر يزرع في قلب المهزوم بذرة انتقام جديدة. هكذا تحولت المنطقة في كثير من مراحلها إلى دوامة تمشي من حرب إلى حرب، ومن ثأر إلى ثأر، حتى أصبحت الأوطان “مقابر للصراعات” ويبقى المواطن فيها هو الضحية الكبرى.

لبنان لا يستطيع، ولا يجوز له، أن يحتمل هذه القاعدة الانتحارية. فإذا أصبح منطق الغلبة نهجاً دائماً، فلن يبقى في لبنان إلا “الغلبة” وسيسقط “لبنان”. ومن هنا، يتحول الحوار اللبناني-اللبناني إلى “فعل إيمان” بالكيان، وإلى مساحة حيوية ننتقل فيها من مرحلة “الخوف من الآخر” إلى مرحلة “الحاجة إلى الآخر”.

إن الحوار ليس تنازلاً عن الحقوق، بل هو حمايةٌ للحق من أن يتحول إلى وقودٍ لحربٍ لا تبقي ولا تذر. هو الاعتراف المتبادل بأن الوجود اللبناني مشروطٌ بوجود الآخر، وأن خسارة أي مكوّن لشيء من حضوره هي خسارة لجوهر لبنان. في نهاية المطاف، الغالب في صراعاتنا الداخلية يخسر شيئاً من الوطن، والمغلوب يخسر شيئاً من نفسه، ويبقى لبنان دائماً هو الخاسر الأكبر. لذا، يبقى الحوار هو السبيل الوحيد ليبقى الجميع رابحين بالوطن، ولتبقى “الشراكة” هي البديل الدائم عن “الاشتباك”.

ثالثاً: الميثاق والطائف… حين يصبح الحوار عقداً وطنياً

لبنان لم يكتشف الحوار اليوم كخيار طارئ، بل هو موجود في أصل تكوينه السياسي وجيناته التأسيسية. إن الحوار في لبنان يمتلك مستندات شرعية ودستورية هي بمثابة الركائز التي تمنع انهيار الهيكل، وهي المرجعية التي يجب العودة إليها كلما عصفت الرياح بالوطن.

لقد كان الميثاق الوطني عام 1943 أول حوار “تأسيسي” كبرى في تاريخ لبنان الحديث؛ تفاهمٌ عميق أقر بأن الاستقلال لا يكون من الخارج والوصايات الأجنبية فحسب، بل يبدأ من التحرر من “الخوف المتبادل” في الداخل. كان الميثاق حواراً بين “استقلالين”: استقلال عن الشرق واستقلال عن الغرب، لإنتاج استقلال وطني واحد يكرس هوية لبنانية عربية مستقلة. كان المطلوب حينها، ولا يزال، أن يشعر اللبناني بأن استقلال وطنه لا يعني انتصار طائفته على الأخرى، بل هو انتصار للجميع تحت مظلة الشراكة.

ثم جاءت سنوات الجمر والحرب الأهلية، لتكون في أحد وجوهها دليلاً مأساوياً على أن الصيغة التي لا تجدد نفسها بالحوار الدائم قد تبحث عن التجديد في الشوارع وخلف المتاريس. ومن رحم ذلك الدمار، وُلد اتفاق الطائف عام 1989 (وثيقة الوفاق الوطني). لم يكن الطائف نصاً مثالياً منزلاً من السماء، لكنه كان أعظم محاولة لإنهاء الحرب وإعادة تنظيم الشراكة اللبنانية ضمن إطار “الدولة”.

والأهم من ذلك كله، أن الدستور المنبثق عن الطائف أبقى “العيش المشترك” في قلب الشرعية السياسية، فنص في مقدمته على عبارة هي بمثابة تعريف كياني للبنان: «لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك». هذه ليست عبارة دستورية عابرة أو نصاً قانونياً جافاً، بل هي “سيف مسلط” على أي مشروع يحاول التفرد أو الإقصاء أو إلغاء الحوار. إنها تعني بوضوح أن أي سلطة تلغي مكوّناً لبنانياً لا تكون قد أضعفت خصمها فحسب، بل تكون قد أسقطت شرعيتها ونفسها. فالدولة اللبنانية لا تستمد قوتها من قدرتها على إخضاع مواطنيها، بل من قدرتها الفريدة على جمعهم؛ وهنا يصبح الدستور أكثر من كتاب قوانين، يصبح “اتفاقاً مقدساً” على طريقة العيش.

وفي السياق ذاته، جاء إعلان بعبدا عام 2012، الذي نادى بـ “تحييد لبنان” عن صراعات المحاور، ليكون ثمرة متقدمة من ثمار طاولة الحوار الوطني. لقد حمل هذا الإعلان فكرة أساسية ووجودية: أن لبنان الصغير بتركيبته الحساسة لا يستطيع أن يتحمل كل نيران المنطقة وصراعاتها الكبرى على أرضه. إن “التحييد” هنا ليس مجرد موقف أخلاقي أو سياسي من الصراعات الخارجية، بل هو “ضرورة لبقاء البيت اللبناني” وحماية الداخل من شظايا الانفجارات الإقليمية.

إن هذه المواثيق، من الميثاق إلى الطائف وصولاً إلى إعلان بعبدا، تؤكد أن الحوار في لبنان هو “القدر” الذي لا مفر منه. لقد جعل الطائف من الحوار الدائم عبر المؤسسات (مجلس الوزراء، مجلس النواب) آلية حكم يومية. ففي لبنان، الحوار ليس خياراً نلجأ إليه حين نتعب من القتال، بل هو العقد الذي نوقعه كل يوم لكي نتمكن من العيش معاً بسلام.

 

رابعاً: الطائفية شيء… والطوائف شيء آخر

هناك خطأ كبير وشائع في الوعي السياسي اللبناني يتمثل في استعمال كلمة «الطائفية» وكأنها تعني دائماً الشيء نفسه؛ فالحقيقة أن الفرق بين الطوائف والطائفية هو الفرق بين الإنسان وهويته حين تتحول الهوية إلى سلاح.

يجب أن نميز بوضوح بين “الطائفية” كمرض سياسي، و”الطوائف” كغنى ثقافي وروحي. فالطائفة هي ذاكرة، ثقافة، وانتماء روحي واجتماعي يغني الشخصية الوطنية؛ هي “نافذة” تطل منها الجماعة على المطلق وعلى الآخر. أما الطائفية، فهي المتراس، وهي العصبية التي تحول الدين إلى أداة للصراع والزعيم إلى “إله” والمواطن إلى مجرد رقم في “كانتون” فكري أو جغرافي مغلق.

إن الطائفية السياسية هي التي تستثمر في الجروح القديمة لتبني أمجاداً شخصية، وهي التي تدخل لعبة السلطة بلا ضوابط، فتجعل من الانتماء الديني جواز مرور إلى الوظيفة، ومن الخوف “سوقاً انتخابية”، ومن الذاكرة خزينة للأصوات. هنا تبدأ الكارثة؛ حيث تتحول الطائفية إلى قوة عازلة تمنع قيام الدولة.

ليس المطلوب في لبنان، كما يتوهم البعض، أن نمحو الطوائف؛ فذلك غير ممكن تاريخياً، وربما غير مرغوب حضارياً. المطلوب هو أن نمنع الطوائف من “محو الوطن”. لبنان ليس بحاجة إلى أن يصبح بلا طوائف كي يغدو دولة، بل هو بحاجة إلى أن تصبح الطوائف “مطمئنة إلى الدولة”، حتى لا تشعر كل طائفة أنها مضطرة لأن تكون “دولة صغيرة” داخل الدولة الكبيرة لضمان بقائها.

إن لبنان الطائفية يضيق بأبنائه، لأنه يقوم على الانغلاق وتوجس الآخر؛ أما لبنان التعددية فيتسع للجميع، لأنه يقوم على الانفتاح وتبادل الغنى. الطائفية تقول دائماً: «أنا أخاف منك»، أما التعددية فتقول: «أنا مختلف عنك، ولذلك أحتاج إلى أن أفهمك وأشاركك».

هنا تحديداً تبرز قيمة التعددية الطائفية التي تجعل من لبنان “جامعة للشرق”، حيث يلتقي الفكر الإسلامي بالانفتاح المسيحي، وحيث تتفاعل القيم الروحية لإنتاج حضارة المحبة. إن لبنان التعددية والتنوع أقوى بكثير من لبنان الطائفية والانقسام؛ فبينما تغلق الطائفية الأبواب وتشيّد الجدران، تفتح التعددية النوافذ وتمد الجسور.

وهنا يبدأ الحوار الحقيقي؛ الحوار الذي لا يهدف إلى إلغاء الخصوصيات، بل إلى حمايتها تحت سقف المواطنة. الحوار هو الأداة الوحيدة التي تمنع تحول “التنوع” إلى “تصادم”، وتحول “الاختلاف” إلى “خلاف”. إن مهمتنا الوطنية هي أن ننتقل من “تعايش المخاوف” إلى “شراكة الطموحات”، ومن لبنان الطائفية الذي يفرقنا، إلى لبنان الطوائف الذي يجمعنا في وطن واحد يسع الجميع.

 

 


خامساً: جراح الماضي… بين المحاسبة والغفران

لا وطن يُبنى فوق ذاكرةٍ مكسورة، ولا سلام حقيقياً يقوم على إنكار الدم؛ فلبنان يحمل في ذاكرته ما يكفي من الحروب والاغتيالات والمجازر والتهجير والانقسامات، حتى لا يحق لأحد أن يطلب من اللبناني أن ينسى. لا يمكن للحوار أن ينطلق في ظل إنكار الجراح، فالاعتراف بالألم هو أولى خطوات الشفاء. ولكن، هناك فرقٌ جوهري بين أن نتذكر لكي لا نكرر، وأن نتذكر لكي ننتقم؛ وهنا تبدأ أصعب مراحل المصالحة الوطنية.

لقد مر لبنان بعد الحرب بتسوية سياسية أُقفلت فيها ملفات كثيرة من دون أن تُغلق الجراح في النفوس. وكان قانون العفو العام الصادر عام 1991 جزءاً من تلك المرحلة التي اختارت “إنهاء الحرب” ومنع عودتها، أكثر مما اختارت “محاسبة الماضي” بكل تعقيداته؛ لقد كان ذلك القانون في جوهره “تأجيلاً للصراع” وليس حلاً جذرياً له. ولكن التاريخ لا ينتظرنا، وما كان يمكن فعله أو السكوت عنه في لحظة معينة، قد أصبح اليوم بعد عقود أكثر تعقيداً وحاجةً للمكاشفة.

نعم، العدالة ضرورة، لكن العدالة ليست انتقاماً. والمحاسبة قيمة وطنية، لكنها ليست تشفياً. والغفران ليس نسياناً أو تبرئةً للجاني، بل هو القوة التي تمنع الماضي من اختطاف المستقبل. الغفران الحقيقي هو أن نتذكر الجرح دون أن نحوله إلى خنجر، والمحاسبة الحقيقية اليوم هي المحاسبة بالبناء:

  • محاسبة الماضي تكون ببناء “دولة القانون” التي تمنع تكرار المآسي.
  • محاسبة الفساد والخلل تكون ببناء مؤسسات شفافة تتجاوز المحاصصة الطائفية التي تقتات على دماء الناس وأموالهم.

إن “شجاعة البدء من جديد” تتطلب منا أن نقبل بأن جراحنا مشتركة، مهما اختلفت هويات الضحايا. فالخوف المسيحي من الزوال، والخوف الإسلامي من التهميش أو التبعية، هما في الحقيقة وجهان لعملة واحدة هي: “غياب الثقة في الدولة”. الحوار هو المختبر الوحيد لترميم هذه الثقة، وهو المساحة التي نكتشف فيها أن أماننا ليس في إلغاء الآخر، بل في قيام “دولة” تحمي الجميع.

قد يكون أعظم انتقام من الحرب هو أن نبني وطناً لا تستطيع الحرب أن تعود إليه، وقد تكون أصدق محاسبة للذين دمروا الدولة أن نبني دولة لا يستطيع أحد بعد اليوم أن يدمرها. إنها شجاعة الانحياز للمستقبل؛ لا لأن الماضي لا يستحق العدالة، بل لأن الأجيال القادمة تستحق الحياة، ولأننا نريد أن نترك لها وطناً أقل غضباً، أقل خوفاً، وأكثر قدرة على السلام.

سادساً: لبنان في عين العاصفة… حين يكون الحوار حصناً ضد الخوف

في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة اليوم، من صراع المشاريع الإقليمية والدولية إلى إعادة رسم خرائط النفوذ، يجد لبنان نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يكون “ساحة” مفتوحة لتصفية حسابات الآخرين، أو أن يكون “واحة” للحوار المحصن بالوحدة. إن الحوار اللبناني اليوم ليس “ترفاً فكرياً” أو خياراً مؤجلاً، بل هو ضرورة أمنية واقتصادية ووجودية تفرضها اللحظة التاريخية.

لماذا الحوار الآن؟ ولماذا هو قارب النجاة الأوحد؟

  • عسكرياً وأمنياً: الحوار هو الذي يحمي “السلم الأهلي” ويمنع الانزلاق إلى الفوضى حين تعجز البنادق عن الحسم أو حين يتحول فائض القوة إلى عبء على صاحبه.
  • اقتصادياً: لا استثمار ولا ازدهار في بلد منقسم على نفسه ومشرع على المجهول؛ فالاقتصاد اللبناني تاريخياً قام على “الاستقرار الناجم عن التوافق”، ولا إنقاذ مالياً بدون مظلة سياسية حوارية.
  • سياسياً: الحوار هو السبيل الوحيد لإعادة تكوين السلطة المتعطلة، بدءاً من انتخاب رئيس للجمهورية وصولاً إلى تفعيل عمل المؤسسات التي هي الملاذ الأخير للمواطن.

لكن العائق الأكبر أمام هذا الحوار هو “جدار الخوف” المتبادل. فكل طائفة في لبنان تحمل في طيات ذاكرتها خوفاً عميقاً: المسيحي يخاف أحياناً من أن يصبح وجوده مجرد ذكرى أو رقماً هامشياً في بلدٍ كان شريكاً أساسياً في تأسيسه وصياغة هويته، والمسلم قد يخاف من أن يتحول إلى مواطنٍ ناقص الشراكة أو أن يُنظر إلى انتمائه العربي والإسلامي الواسع باعتباره تهمة سياسية أو انتقاصاً من وطنيته.

المشكلة الحقيقية ليست في وجود هذه المخاوف، فهي نتاج تاريخي معقد، بل المشكلة تكمن في أن كل طائفة تحاول أحياناً أن تطمئن نفسها من خلال “إخافة” الطائفة الأخرى، أو الاستقواء عليها بالخارج. وهنا تتحول المخاوف إلى جدران تعزلنا عن بعضنا، بينما المطلوب وطنياً أن تتحول إلى مادة للحوار الصريح: “قل لي لماذا تخاف، وسأقول لك لماذا أخاف”.

حين نجلس حول طاولة الحوار، سنكتشف حتماً أن الخوفين ليسا عدوين، بل هما وجهان لخوفٍ واحد مشترك: الخوف من أن يضيع لبنان. إن هذا الخوف المشترك يجب أن يكون هو الدافع للتمسك بالدولة؛ فالدولة هي الكيان الوحيد القادر على طمأنة الجميع. هي التي تقول للمسيحي: “أنت لست مهدداً لأنك مسيحي”، وتقول للمسلم: “أنت لست مهدداً لأنك مسلم”، وتقول لهما معاً: “أنتم محميّون لأنكم مواطنون لبنانيون”.

في عين العاصفة الإقليمية، لا يحمينا سلاحٌ مفرَد ولا تبعيةٌ لمحور، بل يحمينا الاقتناع بأن أمان أي طائفة لن يتحقق على حساب خوف الطائفة الأخرى. عندها فقط، تصبح الطوائف ألواناً في لوحة وطنية واحدة تُبهر العالم، لا راياتٍ في حربٍ لا تربح فيها إلا الفوضى. الحوار هو لغة الشجعان الذين يدركون أن “أمن الوطن” هو الضمانة الوحيدة لـ “أمن الجماعة”.

 

 

سابعاً: من “الساحة” إلى “الوطن”.. قاماتٌ في مدرسة الحوار

ما يجري حول لبنان اليوم ليس مجرد خلافٍ محلي عابر على وزارة أو مقعد نيابي؛ إن المنطقة تعيش زمناً تتصارع فيه مشاريع دولية وقوى كبرى، حيث تتبدل الخرائط وتتحول التحالفات بسرعة تفوق قدرة الدول الصغيرة على الاحتمال. وفي مثل هذا الزمن، يبرز السؤال المصيري: هل يكون لبنان “وطناً” أم “ساحة”؟ هل يكون لاعباً بحدود قدرته، أم ملعباً لصراعات الآخرين؟

إن الحوار في هذا السياق لا يعود ترفاً فكرياً، بل يصبح مسألة “أمن قومي” بامتياز. لبنان لا يستطيع منع العالم من الصراع، لكنه بالحوار يستطيع منع هذا الصراع من تحويل بيته الداخلي إلى حلبة. الحوار هو الذي يضع الخطوط الحمراء الداخلية، وهو الذي يجعل الخلاف السياسي خلافاً “لبنانياً-لبنانياً” لا حرباً بالوكالة. إنه الرسالة التي نوجهها للخارج: “لدينا خلافاتنا، لكننا نرفض أن ندفع ثمن خلافاتكم من دمنا”. فالبلد المنقسم يتحول تلقائياً إلى ساحة، أما البلد المتحاور فيتحول إلى صاحب قرار.

ولكي لا يبقى الحوار مجرد شعارات، استحضرت الذاكرة اللبنانية قاماتٍ وطنية أدركت أن الطائفة لا تُحمى بعزلها، بل بفتح الأبواب نحو الآخر. هؤلاء الرجال خرجوا من “المتراس” ليصنعوا “الوطن”:

  • الإمام موسى الصدر: الذي فهم باكراً أن الحوار الإسلامي-المسيحي ليس مجرد مجاملة بين رجال دين، بل هو ضرورة لوجود لبنان. الصدر هو الذي اعتصم في الكنيسة في زمن الحرب، مطلقاً صرخته الشهيرة: إن الطوائف في لبنان نعمة، أما الطائفية فهي نقمة. لقد آمن بأن لبنان “ضرورة حضارية للعالم”، وأن الطريق إلى الآخر قد يكون أحياناً أقصر من الطريق إلى أنفسنا إذا ما سلكنا درب المحبة والاعتراف المتبادل.
  • البطريرك نصر الله بطرس صفير: الذي أدرك أن المصالحة ليست مجرد ورقة تُوقع في القصور، بل هي عودة الإنسان إلى أرضه وجاره وذاكرته المشتركة. لقد قاد “مصالحة الجبل” عام 2001، وهي أرقى نموذج للحوار العملي الذي نقل الجبل اللبناني من “ذاكرة الدم” إلى “واقع العيش المشترك”، مؤكداً أن حماية الوجود تبدأ من التلاقي لا من الانعزال.
  • المفكر كمال جنبلاط: الذي حمل هماً إنسانياً يتجاوز حدود الطائفة، منادياً بالدولة التي يتقدم فيها الإنسان على العصبية. لقد سعى عبر “الحوار العقلاني” إلى كسر القيد الطائفي وبناء دولة المواطنة التي تلتقي فيها كل المكونات تحت سقف العدالة الإنسانية.

هؤلاء الكبار، على اختلاف مشاريعهم ومواقعهم، التقوا عند حقيقة واحدة: لبنان لا يُحمى بإغلاق الأبواب، بل بفتحها. لقد أثبتوا أن الحوار هو “فعل شجاعة” وليس فعل ضعف، وبأن القوة الحقيقية تكمن في القدرة على بناء الجسور فوق الوديان السحيقة للخلافات. إن مسيرة هؤلاء الملهمين هي البوصلة التي يجب أن نهتدي بها اليوم لننتقل بلبنان من “ساحة مستباحة” إلى “وطن سيد” يحميه حوار أبنائه قبل أي شيء آخر.

 

 

ثامناً: من صدام الحضارات إلى تلاقي الطوائف… فلسفة “وطن الرسالة

تحدث العالم طويلاً، وبكثير من التشاؤم، عن “صدام الحضارات” (كما نظّر صامويل هنتنغتون)، واعتبر أن النزاع بين الثقافات والأديان هو قدرٌ لا مفر منه. أما لبنان، فيستطيع أن يقدم للعالم رداً حضارياً مختلفاً: إن الحضارات لا تتصادم بالضرورة، بل هي تتلاقى وتتكامل إذا تعلم الإنسان كيف يصغي إلى الإنسان، وإذا أدركنا أن التنوع ليس تهديداً بل هو ثراء.

في لبنان، لا يعيش المسلم والمسيحي في “كتب” منفصلة أو جزر معزولة؛ إنهما يتجاوران في الحي، يدخلان المدرسة نفسها، يعملان في المؤسسة ذاتها، ويتشاركان لقمة العيش في السوق. إن الحوار المسيحي-الإسلامي في لبنان ليس “ملفاً موسمياً” يُفتح في قاعات المؤتمرات الفاخرة عند اشتداد الأزمات، بل هو “خبز يومي” يُعجن في الضيعة والحي والجامعة.

هناك، في تفاصيل الحياة اليومية، تسقط النظريات الكبرى؛ فالجار لا يسأل جاره عن فلسفات الصدام، بل يسأله ببساطة: “كيف حالك؟”. وهذا السؤال البسيط هو في الحقيقة أعمق من ألف مؤتمر، لأنه يرى في الآخر “إنساناً” قبل أن يراه “طائفة”. اللبنانيون في عيشهم العفوي يثبتون أن الدين يمكن أن يكون “جسر أخلاق” يربط القلوب، لا “سلاح دمار” يمزق الأوطان.

إن “رسالة لبنان” تكمن في أننا لا نريد أن “نتشابه”، بل نريد أن “نتكامل”. التشابه هو ذوبانٌ قسري وإلغاء للخصوصية، أما التكامل فهو الحفاظ على الهوية مع الانفتاح الكلي على الشراكة. لبنان يشبه “الشجرة”؛ لا تصبح الشجرة شجرةً لأن أغصانها متطابقة، بل لأن اختلاف الأغصان وتعددها لا يمنعها من أن تستند إلى “جذع واحد”. وجذع لبنان هو الوطن، وجذوره هي هذا التلاقي التاريخي الفريد.

تاسعاً: ميثاق الحوار… عشر ثوابت للعبور إلى الميناء

لكي لا يبقى الحوار مجرد «لقاء علاقات عامة» أو «صورة تذكارية» تنتهي بانتهاء المناسبة، ولكي يتحول فعلياً إلى «قارب نجاة» وطني، يجب أن يستند إلى ثوابت ميثاقية صلبة تشكل خارطة طريق حقيقية للعبور نحو المستقبل. فالحوار في جوهره ليس مجرد طاولة مستديرة لتبادل الخطابات والبيانات الإنشائية، إذ إن الطاولة وحدها لا تنقذ الغارقين ما لم يُوضع فوقها مشروع إنقاذ وطني حقيقي وجريء.

إن الانتقال بالحوار من خانة «البروتوكول» إلى رحاب «الفعل الوطني» يتطلب قواعد واطرة وأسساً متينة تحكم مساره وتضمن عدم انحرافه عن بوصلة المصلحة العليا؛ فالهدف ليس الحوار من أجل الحوار، بل الحوار من أجل “البقاء”. ومن هنا، تبرز عشر ثوابت ميثاقية كشرطٍ أساسي لتحويل الكلمات إلى أفعال، ولضمان وصول القارب اللبناني إلى ميناء الأمان:

  1. الاعتراف الكامل بالآخر:البدء من حقيقة أنه لا يوجد “شريك درجة ثانية” في لبنان. كل لبناني هو شريك أصيل في الوطن، حتى في ذروة الاختلاف معه.
  2. الدولة هي السقف الوحيد:الحوار لا يمكن أن يكون بديلاً عن الدولة أو التفافاً على مؤسساتها، بل يجب أن يكون الطريق الوحيد الذي يقود إليها ويقوي أركانها.
  3. الدستور هو المرجع:إذا ظلت الأزمات تُحل بمنطق “موازين القوى” الميدانية، سيتحول الدستور إلى ورقة مهملة. الحوار الناجح هو الذي يعيد الاعتبار للكتاب لا العدد والتعداد والعتاد والسلاح.
  4. الصراحة والمكاشفة:لا حوار حقيقياً من خلف الأقنعة. يجب أن تُقال الهواجس والمخاوف كما هي، لا كما يحب الآخر أن يسمعها؛ فالجرح لا يُشفى بإنكاره بل بتنظيفه.
  5. شجاعة التنازل المتبادل:من يدخل الحوار لكي يأخذ كل شيء، فهو لا يتحاور، بل “يفاوض نفسه”. الحوار هو فن “التنازل للوطن” لكي يربح الجميع.
  6. حماية البيت من نيران الجوار:ليس المطلوب أن يعزل لبنان نفسه عن العالم، بل أن يمنع العالم من تحويله إلى “ساحة” أو “صندوق بريد”. الحوار هو الذي يرسم حدودنا الداخلية أمام التدخلات الخارجية.
  7. المواطنة المطمئنة:إن الطريق إلى إلغاء الطائفية السياسية لا يبدأ بمحو الطوائف، بل بإزالة “الخوف” منها وعنها، ليكون الانتماء للوطن هو الضمانة الأكبر.
  8. استقلال القضاء:لأن العدالة التي يقررها السياسي ليست عدالة، والمحاكمة التي تقودها العصبية ليست محاسبة. القضاء المستقل هو “الحَكَم” الذي يحمي نتائج الحوار.
  9. تربية الأجيال على “ثقافة الاختلاف“:الطفل الذي يتعلم أن الآخر “عدو” يحمل الحرب في حقيبته للمستقبل، أما الذي يتعلم أن الاختلاف طبيعة إنسانية، فهو الذي سيبني الوطن.
  10. الثقة هي الشراع:بدون الثقة، قد نملك القارب والمجاذيف، لكننا سنبقى ندور في حلقة مفرغة وسط البحر. الثقة هي التي تحول الوعود إلى أفعال.

بهذه الثوابت، يتحول الحوار من “مناورة سياسية” إلى “بناء وطني” صلب، وتصبح الطريق إلى “ميناء الأمان” واضحة ومهيئة لجميع اللبنانيين.

الخاتمة

الخاتمة: فلنتحاور… لنبقى

لبنان اليوم لا يحتاج إلى معجزة تنزل من السماء، بل يحتاج إلى “عقل” يتبصر في الأرض. والعقل اللبناني، المتمرس في عبور الأزمات، يعرف يقيناً أن لا أحد في هذا الكيان يستطيع أن يعيش وحده، أو يبني مجده على أنقاض الآخرين. إن هذه الخاتمة ليست مجرد دعوة عاطفية للسلام، بل هي دعوة عقلانية صارمة لأن نتفق على الشيء الوحيد الذي يجعل اختلافنا ممكناً وحضارياً: أن يبقى لبنان.

لقد آن الأوان لنرسم حدوداً واضحة بين “الاختلاف السياسي” و”الخيانة الوطنية”. فلنختلف ما شئنا على تفاصيل السياسة، ولكن لا نختلف على قدسية الوطن. فلنختلف على السلاح واستراتيجيات الدفاع، ولكن لا نختلف على مرجعية الدولة. فلنختلف على النظريات الاقتصادية، ولكن لا نختلف على حق الإنسان اللبناني في الحياة الكريمة. ولنختلف على قراءات التاريخ بمراراتها، ولكن لا نختلف على ضرورة ألا نعيد إنتاجها دماً ودموعاً. ولنختلف على علاقاتنا بالشرق والغرب، شرط أن نؤمن بأن لبنان ليس ملكاً لأحد منهما، بل هو أولاً وأخيراً ملك أبنائه الذين لا يملكون وطناً سواه.

لقد دفع لبنان ثمناً باهظاً من أمنه وازدهاره وأرواح بنيه لأنه لم يتعلم دائماً كيف يحوّل “الاختلاف” إلى “حوار”. وحان الوقت لنكسر هذه الحلقة المفرغة؛ فليس عيباً أن نبدأ من جديد، بل العيب القاتل هو أن ندرك أن الطريق القديم يقود إلى الهاوية، ثم نسلكه مرة أخرى بعناد طائفي أعمى.

إن أعظم فعل وطني يمكن أن يمارسه اللبناني اليوم هو أن يجلس قبالة اللبناني الآخر؛ أن يسمعه بقلبه قبل أذنيه، أن يكاشفه بما يخاف منه، ويصغي لما يخافه الآخر. عندها فقط، سيكتشفان حقيقة مذهلة: أن الوطن الذي يخاف عليه أحدهما هو ذاته الوطن الذي يرتعد الآخر خوفاً على ضياعه. هنا يتحول الحوار من مجرد لقاء سياسي بارد إلى “مصالحة وجودية” مع فكرة لبنان:

  • لبنان الذي أراده البطريرك الحويك كياناً يتسع لجميع أبنائه بكرامة.
  • لبنان الذي قرأه ميشال شيحا وطناً يقوم على التوازن الدقيق لا على الغلبة القاتلة.
  • لبنان الذي رأى فيه البابا يوحنا بولس الثاني رسالة حرية وتعددية للعالم أجمع.
  • لبنان الذي حمل الإمام موسى الصدر قضيته في الكنيسة كما في المسجد، معتبراً التعايش أمانة إلهية.

إن المنطقة من حولنا تغرق اليوم في بحار من الصراعات الكبرى التي تعيد رسم مصائر الشعوب. وقد لا نملك القدرة على وقف العواصف الخارجية، لكننا نملك يقيناً القدرة على ألا نغرق معها. وهنا يكون الحوار هو قاربنا الوحيد، والثقة هي شراعنا، والدولة هي بوصلة رحلتنا، والوطن هو الميناء الذي ننشده جميعاً.

إنها “الفريضة الوطنية” التي لا تسقط بالتقادم: أن نتحدث معاً. وإنها “الشجاعة الحقيقية”: أن نضع السلاح جانباً ونضع الكلمات على الطاولة. وإذا كان لا بد من “انتصار”، فليكن انتصار لبنان على خوف اللبناني من أخيه اللبناني.

فلنتحاور… لا لأننا متفقون، بل لأننا مختلفون جداً.
فلنتحاور… لا لأن لبنان بخير، بل لأنه مهدد في صميم وجوده.
فلنتحاور… لا لكي ينتصر فريق على فريق، بل لكي يبقى الوطن فوق الجميع.

فلبنان لا يحيا حين ينجح أحدنا في كسر الآخر، بل يحيا حين يكتشف كل واحد منا أن الآخر ليس خصماً لوجوده، بل هو “شرطٌ أساسي” من شروط هذا الوجود.

لقد آن الأوان لنخرج من خنادق الطائفية الضيقة إلى رحاب الدولة الواسعة، لنعيد اكتشاف لبنان الذي هو “إرادة عيش مشتركة”. هذه الإرادة لا تحيا إلا بالحوار، ولا تموت إلا بالانغلاق.

فلنتحاور… لنبقى.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

“إن الحوار الوطني هو المدخل الحقيقي لصون الوحدة الوطنية، التي تظل دائماً أقوى سلاح.”

2026

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى