السياسيةجبيل وكسروانمتفرقات

في ذكرى مرور اسبوع على وفاة السيدة الفاضلة الجليلة المرحومة منى كنعان مطر، زوجة الدكتور حنا الشاعر.

بمناسبة مرور أسبوع على الرحيل الأليم للمغفور لها الفاضلة، السيدة منى كنعان مطر، قرينة الدكتور حنا بولس الشاعر:
أُقيمت للفقيدة الكبيرة مراسم جنائزية مهيبة، شهدت حضوراً رسمياً وشعبياً واسعاً؛ حيث تلقت العائلة اتصال تعزية ومواساة رسمية من فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، الذي مثله سعادة النائب نعمة افرام في تقديم واجب العزاء، بحضور حشد غفير من أركان الدولة، يتقدمهم أصحاب المعالي الوزراء والسعادة النواب والمديرون العامون، إلى جانب جمع غفير من الأهل والأصدقاء والمحبين في لبنان ومن المهجر.
 
وقد تخللت المراسم كلمات رثاء تأبينية جليلة، وفي مقدمتها الكلمة البطريركية الصادرة عن الكرسي البطريركي في الديمان للبطريرك المتبوع، صاحب الغبطة والنيافة الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، والتي ألقاها نيابةً عنه من على مذبح الكنيسة أمين السر العام للبطريركية المارونية الأب فادي تابت، ناقلاً من خلالها التأبين البطريركي الرسمي والبركة الرسولية لروح الفقيدة الراحلة.

————-

———–
 
 
وإحياءً لذكرى الفقيدة الغالية، نستعرض في الصفحات التالية مجموعة مختارة من الكلمات والنصوص التأبينية التي كُتبت بحقها:

كتب ناجي علي امهز: مرثية، أمّ وضّاح… يا قطرة ندى

كتب ربيع داغر: رحلت السيّدة منى… سيّدة اللباقة والرقيّ نقلا عن موقع honaalbatroun

مرثية، أمّ وضّاح… يا قطرة ندى
مرثية في رحيل السيدة الجليلة الفاضلة منى كنعان مطر، زوجة الصديق الكبير الدكتور حنا بولس الشاعر، اطال الله بعمره وعمر عائلته واحبابه.
بقلم: ناجي علي أمهز

أمّ وضّاح… يا قَطْرَة نَدَى
فَوق سَنابِل قَمْح متّكيّة،
يا مَطَر نَزَل مِن السَّما
وانْهَمَر عَلَى العَلِيَّة،
يا نَغْمَة مُنَى قالِتْها الأَرْض
بِلُغَة كنعانية سَماويّة،
وحَفَرْها الزَّمَن متْل القَدَر
فَوق جِبالُه وجِباهُه العالِيَة…
يا شَمْس نُورْها انْكَسَر
وقمر غاب بِلَيْلَة مخْمَلِيّة،
حَتَّى الصَّوت بحياتنا انْبَتَر
وماتَت بْبُعْدِك الحَنِيَّة،
عَ غِيابِك حَزِن الفَرَح…
وانْقَهَر التراب وراحَت الفَيَّة!

أمّ وضّاح… يا كَلِمَة حُلْوَة
بْتِنْقال بكُلّ حَنِيَّة وقدسية،
يا كَرْم مِلْيان عِنَب
وثِمار سَماويّة،
بَيْتِك زارَتْه الأُمَم
بِاسْتِقْبالات مَلَكِيَّة،
يا أَمِيرَة ما هَزَمْها الوجَع
وبِقْيِت بالكَمال “بَهِيَّة”…
لآخِر العُمْر بْتِضْوِي
نَجْمَة خَالِدَة ومضوية!
يا أمّ وضّاح خِلْصِت الدِّنِي
حَرام يِلّي متْلِك يِفْلّوا،
مِين بَدُّو يِسْأَل عَن الكَبِير
ويِحِنَّ عَلَى الصغير؟
مِين بِدُّو يِحْفَظ للغَرِيب محلو
ويِزْرَع بْقُلُوب البَشَر
مَحَبَّة الإِسْلام والمَسِيحِيَّة؟

اليَوم ما بْنِبْكِيكِ لأَنَّكِ فَلَّيْتِ…
بْنِبْكِي حُزْنِ السِّنِين عَلَيْكِ يا زَكِيَّة،
بْنِبْكِي كَرَمِك ومَشْيِتِك بالدّار
وبسماتك المَحْكِيَّة…
بْنِبْكِي صَوتِك ورائِحَة القَهْوَة
ووُجُوه الأَحْباب والنَّخْوَة الزَّهِيَّة،
ما كُنْتِ أمّ وضّاح وبَسّ…
كُنْتِ أمّ البَيْت، وأمّ المَحَبَّة العائلية،
وأمّ الذّاكِرَة الحُلْوَة
يِلّي بْتِضَلّ بْقُلُوبْنا عايشة وأبدية!

وولادِك… شو بَدّي قُولْ لْهُن؟
والكَلام بَطَّل يِعْرِف يِوصَلْهُن…
وأبو وضّاح… كَسَر قَلْبِي بْوَجَعُه،
مَع مِين بَدُّو يِقْرَا الكُتُب الفلسفية
ويِتْصَبَّح أحْلَى صُبْحِيَّة؟
ما حَدا بْيِحِلّ مَحَلِّك يا كُلّ الدِّنِي…
يا رَيْت رَبَّنا أَخَذ مِن عُمْرْنا
وعَطاكِ يّاهُن شْوَيَّة!

رَحِمَ اللهُ الفَقِيدَة الكَبِيرَة وأَلْهَمَكُم وأَهْلَها وكل من عرفها الصَّبْرَ والسَّلْوان.

 



 

رحلت السيّدة منى… سيّدة اللباقة والرقيّ

ربيع داغر

ليس الموتُ دائمًا غيابًا كاملًا. فثمّةَ أشخاص، حينما يرحلون، يتركون وراءهم حضورًا من نوعٍ آخر؛ حضورًا يسكن الذاكرة، ويقيم في التفاصيل الصغيرةِ، وفي تلك المشاعر التي لا نعرف كيف نصفها، لكنّنا نشعر بها كلّما مرّ اسمُهم في البال.

هكذا تبدو صورة السيّدة منى مطر الشاعر بعد رحيلها: امرأةٌ لم تكن اللباقةُ عندها مجرّدَ أناقةٍ في المظهر والحديث والتعامل، ولا الرقيُّ مجرّدَ أسلوبٍ في التفكير والعيش، بل كانا جزءًا من نسيجِ شخصيّتها، ومن الطريقةِ التي عاشت بها بين أهلها ومجتمعها، ومن الأثر الذي تركته في نفوسِ من عرفوها واقتربوا منها.

كانت السيّدة منى من أولئك الذين لا يحتاجون إلى رفعِ الصوتِ لكي يتركوا أثرًا. فقد كان حضورها هادئًا ولطيفًا ومشبعًا بالاحترامِ، وكانت تعرف كيف تمنح من حولها شعورًا بأنّهم موضعُ تقديرٍ واهتمام. ولعلّ أفضل ما في الإنسانِ أن يُشعِرَ غيرَه، ولو بكلمةٍ أو ابتسامةٍ أو التفاتةٍ صغيرة، بأنّه مرئيٌّ ومسموعٌ ومحطُّ عناية.

وقد عُرفت باهتمامِها بعائلتِها، وحرصِها على أواصرِ المحبّة والتواصل، كما كان لها حضورُها في أعمالِ البرِّ والإحسان، وفي مساعدةِ الآخرين والوقوفِ إلى جانبِ من يحتاج إلى كلمةٍ طيّبةٍ أو يدٍ تمتدّ إليه. ولم تكن هذه الأعمال بالنسبة إليها استعراضًا يُحكى عنه، بل سلوكًا يُفرح قلبَها، فالخير في نظرِها لا يحتاج إلى شهود، بل إلى قناعةٍ راسخةٍ ومثابرةٍ صادقةٍ في المضيِّ به.

وحينما أستعيد ذكراها، تحضرُي فكرة قرأتُها عند فريدريك نيتشه، فحواها أنّ الجمال ليس مجرّد صورةٍ خارجيّةٍ منفصلةٍ عن الروحِ، بل هو بالضرورةِ انعكاس لما استقرّ في الداخلِ من انسجامٍ ورهافةٍ ونُبل.

وههنا المصادفة الجميلة: أنّ هذه الفكرة تبدو، في حالةِ السيّدةِ منى، شديدة القرب من الواقعِ الذي عرفه المحيطون بها؛ فالجمال الذي كان يُرى في ملامحِها وأناقتِها وحضورِها، كان يجد ما يشبهه في جمالِ نفسِها، وما يطابقه في سلوكِها. كأنّ المظهرَ لم يكن قشرةً تخفي، بل نافذةً تطلّ على الداخل.

نعم، لقد تركت السيّدة منى في نفوسِ من عرفوها تلك اللمسة التي لا تُقاس بحجم الأعمال ولا بعدد الكلماتِ؛ لمسةَ التعاطفِ واللطفِ والاهتمام. وهي أشياءُ قد تبدو صغيرةً في لحظتِها، لكنّها تكبر مع الزمن وتترسّخ في ذاكرةِ الجميع.

فكم من كلمةٍ طيّبةٍ بقيت في قلبِ إنسانٍ لسنوات؟

وكم من التفاتةٍ حانيةٍ اختصرت على أحدِهم لحظةَ ألم؟

وكم من موقفٍ بسيطٍ لا يلتفت إليه صاحبُه، يتحوّل بعد رحيلِه جزءًا من ذاكرة من أحبّوه؟

لهذا، فإنّ رثاء السيّدةِ منى ليس مجرّدَ تعدادٍ لمزاياها، لا بل هو شهادة على الأثرِ الذي تركته في حياةِ من حولها.

رحلت امرأة عرفت كيف تكون راقيةً من دون تكلُّف، أنيقةً من دون استعراض، وفيّةً من دون تحيُّز، محبّةً من غير ضجيجٍ ومعطاءةً بلا انتظارٍ لمقابل.

ولعلّ أنسب ما يمكن أن يُقال في وداعِها إنّ الذين عرفوها لن يتذكّروا غيابها فقط، بل سيتذكّرون كيف عاشت حينما كانت حاضرة. وهذا، في النهايةِ، هو المقياس الأصدق للحياة.

فبعض الناسِ يترك وراءه صورًا، وبعضهم يترك أسماء، وبعضُهم يترك أعمالًا تُذكر. أمّا القلّةُ النادرة، فتترك إحساسًا.

رحمها الله، وأبقى لعائلتِها ومحبّيها من سيرتِها الجميلة ما يخفّف وطأة الغياب، ويجعل من كلِّ عمل خيرٍ قامت به، وكلِّ قلبٍ لمستْه بلطف، وكلِّ إنسانٍ أسعدتْه بكلمةٍ أو بموقف، امتدادًا لحضورها في هذه الحياة.

حقًّا إنّ السيّدة منى باقية كعَبرةٍ في العيون الحزينة وكعِبرةٍ في نفوس الكثيرين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى