
بقلم: لبنى عويضة…
خاص: جريدة الرقيب الالكترونية
يواجه لبنان في الآونة الأخيرة تحديات بيئية متفاقمة ناجمة عن التغير المناخي والتصحر، ما يهدد الأمن الغذائي والمائي، ويكرس هشاشة القطاع الزراعي. إذ أصبحت التقلبات المناخية القاسية، وانخفاض معدلات الهطول المطري، وارتفاع درجات الحرارة عوامل أساسية تزيد من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في ظل افتقار الدولة لاستراتيجيات تكيفية فاعلة. أمام هذا المشهد، يغدو تبني حلول مستدامة ضرورة ملحة لكبح تفاقم الظاهرة وصون الموارد الطبيعية من الاستنزاف.
تغير المناخ وتزايد التحديات البيئية
يشهد لبنان اختلالًا واضحًا في النظم المناخية، حيث تؤكد الدراسات المناخية أن معدلات الاحترار المحلي ستتراوح بين 1.7 و 2.2 درجة مئوية بحلول عام 2040، ما ينذر بارتفاع معدلات الجفاف وتراجع نسبة الهطول المطري إلى مستويات غير مسبوقة.
آثار التغير المناخي على الزراعة والأمن الغذائي
هذا التغير المناخي ينعكس بشكل مباشر على منظومة الإنتاج الزراعي، حيث يؤدي إلى تصحر الأراضي واستنزاف الموارد المائية وانخفاض إنتاجية المحاصيل، مما يزيد من هشاشة القطاع الزراعي ويفاقم التبعية الغذائية للبنان. بحسب تقارير منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، يعاني أكثر من 30% من السكان في لبنان من انعدام الأمن الغذائي الحاد في ظل تزايد التقلبات المناخية وعدم قدرة المزارعين على التكيف مع التداعيات البيئية المتسارعة. علاوة على ذلك، فإن ارتفاع درجات الحرارة يزيد من وتيرة الظواهر المناخية المتطرفة، مثل موجات الحر، والتصحر، والتقلبات المناخية الحادة التي تهدد الإنتاج الزراعي بأسره.
ترشيد استهلاك المياه: دعوات لتجنب الكارثة
في ظل التراجع الحاد في معدلات الهطول المطري وشحّ الموارد المائية، أطلقت كل من المصلحة الوطنية لنهر الليطاني ووزارة الزراعة دعوات ملحة لترشيد استهلاك المياه، خاصة في القطاع الزراعي. وشددت المصلحة على ضرورة التزام المزارعين بأساليب ريّ حديثة، مثل الريّ بالتنقيط، والامتناع عن السحب العشوائي للمياه من مصادر الري، تفاديًا لاستنزاف المخزون المتاح. من جهتها، أوصت وزارة الزراعة بضرورة تجنب حراثة التربة للحفاظ على رطوبتها، وعدم اللجوء إلى المياه الملوثة، إضافةً إلى اعتماد برامج ريّ أكثر كفاءة لمواجهة تحديات الجفاف والتصحر.
التصحر: تهديد دائم للقطاع الزراعي
يُعد التصحر من أخطر التداعيات البيئية التي تهدد لبنان في الفترة الحالية والمستقبلية، حيث تسارعت وتيرته بفعل التغيرات المناخية والتدخلات البشرية غير المستدامة. فقد أدى تراجع معدلات الهطولات المطرية، وتآكل التربة، والاستخدام العشوائي للأراضي إلى تفاقم الظاهرة، مما انعكس سلبًا على الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي.
تبني حلول مستدامة لمكافحة التصحر
ويؤدي التصحر إلى تراجع إنتاجية الأراضي وانخفاض خصوبة التربة، مما يضعف قدرة المزارعين على الاستمرار في الإنتاج الزراعي. كما يُفاقم الأزمة المائية نتيجة تبخر الرطوبة وندرة مصادر الري، ما يرفع تكاليف الإنتاج الزراعي ويجعل الزراعة غير مجدية اقتصاديًا.
ولمكافحة التصحر، لا بد من تبني حلول بيئية وزراعية مستدامة، أبرزها:
• إدارة الموارد المائية عبر تقنيات الري الحديث وتحلية المياه
• إعادة تشجير المناطق المتدهورة للحد من انجراف التربة
• تشجيع الزراعة المستدامة باستخدام تقنيات تقلل استنزاف الموارد
• سن قوانين بيئية صارمة لحماية الغطاء النباتي ومنع التعدي على الأراضي الزراعية
التحرك السريع لإنقاذ ما تبقى من الموارد الطبيعية
إذن، يشكل التغير المناخي والتصحر في لبنان تهديدًا وجوديًا للقطاع الزراعي والأمن الغذائي، مما يستدعي دق ناقوس الخطر البيئي والاستجابة السريعة. من الضروري وضع استراتيجيات تكيفية فعّالة لمواجهة التداعيات المتفاقمة. فالاستثمار في سياسات بيئية مستدامة وتعزيز كفاءة إدارة الموارد الطبيعية ودعم المزارعين في تبني ممارسات زراعية متكيفة يمكن أن تشكل خارطة طريق لمستقبل زراعي أكثر استدامة
الخوف من المستقبل: العطش مصير حتمي؟
إذا استمرّ استنزاف الموارد المائية بهذا النسق، فقد نجد أنفسنا أمام واقع أشد قسوة، حيث تتحول الأراضي الخصبة إلى مساحات قاحلة، ويصبح الحصول على المياه رفاهية لا يملكها الجميع. وحدها القرارات الحكيمة والتحركات السريعة قد تنقذ ما تبقى من مواردنا، قبل أن يتحول العطش إلى مصير حتمي.