
كتب ناجي علي امهز/ عادةً، بعد أن يهدأ صوت أزيز الرصاص ودوي المدافع، يجلس من يهتم لمراجعة ما حدث، ويتساءل كيف حدث ذلك، خاصةً إذا شهدت المرحلة تغييرات كبيرة خلال فترة قصيرة.
من طهران إلى لبنان، شهدت المنطقة تحولات لم يكن الأمريكي ولا الإسرائيلي يتوقعانها، كما لم يكن محور المقاومة مستعدًا لها. في هذه الحرب، ظهر لاعب جديد: الذكاء الاصطناعي، الذي لم يعد مجرد أداة تحليل، بل أصبح جزءًا من صناعة القرار العسكري والسياسي والاقتصادي، وربما حتى الديني.
لأول مرة، خاض الإسرائيلي والأمريكي معركة كان فيها الذكاء الاصطناعي هو القائد الفعلي. لم يكن الاعتماد على العمليات الاستخباراتية التقليدية كما في السابق، بل كان الذكاء الاصطناعي يجمع المعلومات، يحللها، يحدد الأهداف، يخطط للتوقيت الأمثل للضربات، ويتنبأ بردود الفعل المحتملة، بل وحتى يحدد أولويات الاغتيالات.
لكن السؤال الأخطر: هل استطاع الذكاء الاصطناعي قطع وسائل الاتصال بين قيادات المقاومة إلى حدٍّ اضطرهم للاجتماع المباشر بعيدًا عن أي اختراق إلكتروني؟ واستغل العدو الإسرائيلي هذا الاجتماع لاستهدافهم؟
بمعنى اوضح هل وضع الذكاء الاصطناعي خارطة عمل معقدة لدرجة ان قيادات المقاومة لم يبق امامها الا الاجتماع مباشرة للتباحث. مما سهل على العدو الاسرائيلي استهداف الغالبية بغارة واحدة.
ما يشاع عن الذكاء الاصطناعي وقدراته، يجلعنا نؤمن ان هناك ما هو أبعد مما نتصوره، خصوصًا عندما نعلم أن دمج الذكاء الاصطناعي مع الحوسبة الكمّية قد حلَّ مسائل علمية معقدة في ثوانٍ، بينما كانت تحتاج الحواسيب العملاقة لمئات السنين لحلها.
كما انه من الأسئلة التي لم تجد إجابة حتى الآن: تفجير البيجرات. هل كانت هذه الأجهزة مفخخة مسبقًا، أم أن هناك تقنية برمجية جديدة تستغل البطاريات لتفجيرها عن بُعد؟ إذ لا يُعقل أن يكون العدو قد قام بتفخيخ آلاف أجهزة البيجر دون انكشاف أمرها، إلا إذا كان الذكاء الاصطناعي قد استنتج أن المقاومة لا تشك للحظة انها ستتعرض لهذا النوع من الاستهداف.
كما عزيمة وصلابة المقاومين في الميدان غير عادية، فانه حصل في هذه الحرب شيء غير عادي باعتراف حتى الدول، الجميع يتفق على أن الذكاء الاصطناعي لم يكن مجرد محلل بيانات، بل كان العقل المدبر وربما هو الذي رسم سيناريو البيجر وهذه العملية المعقدة.
رئيس وزراء العدو الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، صرّح أمام الكنيست بأن توقيت تفجير البيجرات في لبنان كان “الأفضل”، حيث أدى إلى “انعطافة حاسمة أسهمت في إسقاط نظام الأسد”. كما أكد أن “العالم شهد قدرة إسرائيل على خداع أعدائها”.
أما صحيفة “واشنطن بوست”، فقد كشفت أن “غوغل زوّدت إسرائيل بأحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي بالتزامن مع حرب غزة”، بينما أكدت منظمة “هيومن رايتس ووتش” أن الجيش الإسرائيلي استخدم الذكاء الاصطناعي لتحديد أهدافه في غزة، مما أدى إلى خسائر فادحة في صفوف المدنيين.
في تقرير رسمي نشرته وسائل الإعلام الإسرائيلية، تم الكشف عن استخدام نظام الذكاء الاصطناعي “حبسورة” لتحديد الأهداف العسكرية. هذا النظام يُصدر توصيات مباشرة لمحللين بشريين لتحديد من يجب قتله، سواء كان مقاتلًا أو قائدًا، أو حتى مدنيًا مشتبهًا به.
في تقرير نشرته “سكاي نيوز عربية”، أوضح مصدر عسكري إسرائيلي لمجلة “+972” أن “كل شيء محسوب بدقة، وعندما تُقتل فتاة تبلغ من العمر 3 سنوات في منزل في غزة، فهذا قرار مقصود وليس خطأً عشوائيًا”.
عندما صرّح وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت بأن “نتنياهو كان يخشى مواجهة حزب الله لأنه يعلم أن تل أبيب ستُدمَّر”، فهذا يشير إلى أن القيادة الإسرائيلية لم تكن ترغب بالحرب. إذن، من الذي دفعها إليها؟
المشكلة اليوم لم تعد بمحور المقاومة، ويبدو أن الذكاء الاصطناعي قد حسم جزءًا من المعركة ضد المحور، ولكن ماذا عن بقية الدول العربية؟ هل هي مستعدة لمواجهة تداعيات قرارات الذكاء الاصطناعي التي بدا ينفذها الاسرائيلي والامريكي؟ وحتى لو لجأت الدول العربية إلى التطبيع، فهل ستتمكن من الحفاظ على سيادتها في ظل عدم القدرة على رفض ما تمليه الادارة الامريكية.
وكما تشير الدراسات والتسريبات إلى أنه لا توجد حرب عسكرية إسرائيلية في المدى المنظور على لبنان، لكن هناك حربًا سياسية تهدف إلى إضعاف حزب الله إلى أقصى الحدود. وهذا ما أعلنه ترامب عندما قال إنه سيزور لبنان فقط بعد أن يكون حزب الله قد أُضعف بالكامل.
بالمقابل فأن الحرب لم تنتهي في غزة، مما يعني ان كل ما حصل حتى الان من اتفاقات برعاية دولية هو فقط من اجل جمع المزيد من المعلومات التي على اساسها يقرر الذكاء الاصطناعي ما سيحل بالقضية الفلسطينية وتقسيم العالم العربي، خاصةً بعد سقوط بشار الأسد، ودخول إسرائيل إلى العمق السوري، وتدمير البنية العسكرية السورية بالكامل.
وكما يقود الذكاء الاصطناعي معركة الحروب والسياسة في المنطقة العربية التي تبدو كمنطقة حقل تجارب على النظام العالمي القادم، بدأ يلعب دورًا في إعادة تشكيل الوعي الديني للأفراد. فالإجابات التي يقدمها في الحديث والتاريخ خاصة الإسلامي تدفع الشباب إلى إعادة النظر في بعض المسلَّمات الدينية.
وتشير الإحصاءات إلى أن 70% من الشباب الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي أصبحوا أقل اعتمادًا على رجال الدين التقليديين في المتابعة وطرح الاسئلة، ويلجأون بدلًا من ذلك إلى مفكرين يقدمون قراءات جديدة، مثل الدكتور محمد شحرور.
مع التراجع الكبير لنفوذ رجال الدين مع انتشار الذكاء الاصطناعي، جعل من السهل على أي شخص استكشاف التاريخ ومقارنة الأحداث والشخصيات.
في هذا السياق، يمكن فهم إنتاج مسلسل “معاوية”، حيث إنه يتناول حقبة حساسة جدًا في التاريخ الإسلامي.
بل من اكثر الامور المثيرة للجدل في التاريخ الاسلامي هو الصراع بين الامام علي بن ابي طالب ومعاوية بن ابي سفيان.
واكثر الاسئلة طرحا وشيوعا هي الاسئلة التي تدور عن الفرق بين الامام علي وبين معاوية ولماذا هناك فرقة تبعت معاوية وفرقة تبعت الامام علي، ومن كان على حق، ومن افضل من الثاني.
وحتما عندما تسال الذكاء الاصطناعي عن الفرق بين الامام علي ومعاوية، سنجد ان الذكاء الاصطناعي سينصف الامام علي، ويشرح لك بدقة متناهية عن فضائل الامام علي مقابل معاوية.
هذا الأمر شكل تحديًا كبيرًا لدى غالبية التيارات الدينية، التي رأت أن هذه الإجابات قد تؤثر على الوعي العام وتُضعف الرواية التقليدية التي تحاول وضع معاوية في منزلة متقدمة. ومن هنا، جاء إنتاج مسلسل معاوية بميزانية ضخمة، في محاولة لإعادة تشكيل الصورة الذهنية عنه، ومواجهة تأثير الذكاء الاصطناعي على فهم التاريخ.”
واذا اردت ان تعرف لماذا هذه التكاليف الباهظة لمسلسل معاوية، سيجيبك الذكاء الاصطناعي بالتالي: إذا كنت تريد “ابراز شأن معاوية”، فذلك ممكن عبر تسليط الضوء على إنجازاته السياسية والإدارية، لكن جعله أفضل من الإمام علي هو أمر صعب، لأن عليًا يمثل القيم الإسلامية العليا في العدل والتقوى، بينما كان معاوية رجل سياسة قويًا.
لذلك تجدون في مسلسل معاوية كل هذه المظاهر من الفخامة في اساس البيوت واللبس والازياء، مع العلم بان تاريخ العرب المصور يظهر انه فقط قبل مائة عام لم يكن يوجد اي شيء من هذه المظاهر في شيه الجزيرة العربية التي يعرضها مسلسل معاوية على انها كانت موجودة قبل 1400 سنة.
الخلاصة
الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة، بل أصبح لاعبًا مؤثرًا في السياسة، الحروب، وحتى تشكيل الوعي الديني والثقافي. المستقبل يحمل تحديات غير مسبوقة، والسؤال الأهم هو: هل نحن مستعدون لمواجهتها، أم سنكون مجرد متفرجين على إعادة تشكيل العالم؟
المقال يعبر عن رأي الكاتب وليس رأي الموقع، شكرا على المتابعة.