اخبار ومتفرقات

الفكر والواقعية السياسية: طوق النجاة للشيعة لانهم أقلية خارج النظام العالمي

في البدء، لست أخطُّ هذه الكلمات من وحي خيالٍ عابر، بل أسطر تجربةً عقلية وواقعية، استخلصتُ منها برهان العقل وقوة الاستنتاج في ميزان السياسة الدولية.

غالبيتكم يعرف انني ربيب النخبة اللبنانية، وقبل ربع قرن، وقفتُ متأملاً أمام هيكل “النظام العالمي” العظيم، ذلك “السيستم” الذي يدير دفة الكوكب، وتجرأتُ بجرأة العقل الحر على مساءلة بعض جزئيات هذا البنيان الراسخ. سألتُ نفسي وسألتهم: لماذا يغيب الحضور الطقسي والرمزي المشرقي (العربي والإسلامي) عن هذا النظام الذي يحكم العالم؟ فإن كنتم تنشدون “النور”، فإن الشمس حين تشرق لا تحصر ضياءها في بقعة جغرافية محددة، بل هي مشاعٌ للبشرية جمعاء.

بدأت بالكتابة وخضتُ نقاشاتٍ فكرية واسعة، فوجدتُ من تلك النخب احتراماً للعقل، وتقديراً للواقعية الفكرية، وإجلالاً لعلوم الرموز والأسرار الكونية التي يقوم عليها معمار العالم القديم والحديث. وعندما أقول “ملاحظات”، فأنا أعني دراساتٍ نقدية عميقة، كانت وما زالت تنتظر مَن يقدح زناد النقاش فيها.

ولمن يجهل هندسة هذا العالم، دعوني أوجز لكم ناموس الكون السياسي، حيث تتقاسم النفوذ خمس منظومات كبرى:

أولاً: المنظومة الماسونية؛ الرحم الذي ولدت منه العلمانية، والنظريات الاقتصادية، وآليات الحكم (كمجلس الأمن)، وشرعة حقوق الإنسان، وفلسفة تداول السلطة، ومن عباءتها خرجت التيارات الحديثة كالماركسية والرأسمالية، وتشكلت خرائط الأمم ومنها الافكار القومية.

ثانياً: البوذية وما يدور في فلكها الروحي.
ثالثاً: المسيحية بشتى كنائسها ومذاهبها.
رابعاً: الإسلام بمدارسه ومنطلقاته.
خامساً: اليهودية وما انبثق عنها.

حينما شرعتُ في الكتابة، طامحاً لإضافة ركنٍ جديد أو مذهبٍ فكري مبتكر إلى هذا النظام القائم بصيغته الحالية منذ عام 1717، لم ترهبني ال 300 سنة التي مضت دون تغيير او حتى سطوة السؤال التقليدي: “مَن أنت لتضيف؟”. لم أخشَ أن يخرج أحدهم ليقول: كيف تجرؤ أن تضع فكرك بجانب عمالقة النخب العالمية أمثال: فولتير، مونتسكيو، يوهان غوته، غوتهولد إفرايم ليسينغ، ألكسندر بوشكين، فيكتور هوغو، جوناثان سويفت، ألكسندر دوما (الأب)، والتر سكوت، روبرت بيرنز، مارك توين، أوسكار وايلد، أرتور كونان دويل، روديارد كيبلينغ، كارلو كولودي، هاينريش هاينه، ميخائيل نعيمة، جرجي زيدان، أمين الريحاني، جمال الدين الأفغاني، محمد عبده… وغيرهم كثر.

لم أفكر بهذا المنطق الانهزامي، لأن العقول النيرة تدرك يقيناً أنه كما للطبيعة مواسم للزرع والحصاد، فإن للتاريخ مواسم للفكر والتجديد. العقل الميت وحده هو الذي يقدس الماضي لدرجة التقوقع فيه ، أما الواقعية فهي سلم ارتقاء الشعوب.

وبفضل هذا الإصرار، ونظراً لأن الوعي الجمعي لحظة إلهام تتلقفها الأرواح المستعدة، نضجت فكرة “المشرقية” في قلب هذا النظام. ولم أكن وحدي، بل كان هناك عمالقة في هذا المحفل العالمي يشاركونني الرؤية، وعلى رأسهم شخصية لبنانيّة-فرنسيّة فذة، تُعد اليوم من أهم عشر شخصيات مؤثرة عالمياً. وبما يمتلكه من تفويض وسلطة معنوية، قام في عام 2017 بتثبيت مذهب عالمي جديد، يعيد الاعتبار للرموز المشرقية، ليكسر جمود الدستور القديم الذي دام ثلاثة قرون.

وهنا، لا أجد أبلغ من قول أمير البلاغة الإمام علي بن أبي طالب لوصف هذه الحالة الإنسانية: “وتحسب أنك جرم صغير.. وفيك انطوى العالم الأكبر”.
بناءً عليه، وبصفتي شيعياً عربياً، أقول بلا كبرياء زائف: إن ما بلغته من فهمٍ لدهاليز هذا النظام العالمي يفوق بكثير ما وصلت إليه قامات سياسية شغلت أرفع المناصب الرسمية (بما فيها ثلاث رئاسات مجالس نيابية سابقة)، ممن لم يلامسوا او يصلوا نصف ما أدركته من خبايا هذا “السيستم”. وهذا الامر باعتراف عالمي.

إنني أدرك تماماً أن مجتمعي يقيّس المرء بميزانٍ يختلف عن ميزان الأمم الواعية. هناك، “قيمة كل امرئ ما يحسنه”، والمعرفة هي رأس المال. وهنا، القيمة تُقاس بما يملك المرء من مال، حتى غدا المال هو كل المعرفة لديهم.

كم أتمنى أن يشفى قومي من “حمى المال” قبل يدفنوا فيها بدل ان يعيشوا نعيمها. وانا لا أدعوكم للكفر بالمال، لكن ادعوكم ان لا تعبدوه، لانه بالختام سيستعبدكم بدل ان يخدم طموحاتكم ودوركم في هذه المنطقة.

اهم ما تحققونه في هذا الزمن هو “ان تحافظوا كشيعة على مكتسباتكم في الدولة اللبنانية”.

فالنظام العالمي لا يعنيه أن تكون معه أو ضده؛ إنه يحترم فقط مَن يقرأ “دستوره” قراءة صحيحة. هذا النظام لا يحارب أحداً إلا بعد أن يكون قد أتمّ قراءة أدق تفاصيله، فهل قرأتم أنتم تفاصيله قبل أن تنشدوا محاربته؟

النظام العالمي لا يزعجه أن تقول له “هذا اللون يشوه الصورة”، “سيسالك ما عندك”، ولكن إياك أن “تخربش” بصبيانية على لوحته التي يرسمها، حينها فقط سيصب جام غضبه عليك.

نحن الشيعة بحاجة ماسة لفهم كيف تعمل تروس هذه الآلة العالمية “السيستم”، كيف تتحرك الخوارزميات داخل كومبيوترات كممومية عملاقة وتنتج ذكاء وذاكرة ابدية.

الفهم هو الحماية، والمعرفة هي القوة.
فمن يزرع في الصيف، يحصد الجوع في الشتاء.

حتى حينما نختلف مع العالم عن وعي، يكون للاختلاف نكهة لذيذة تتشكل بالنقاط، وللقضية صدى الاحترام. فعلوا عقولكم، اطرحوا التصورات، تحركوا في كل الاتجاهات عن معرفة دقيقة في بوصلة الاتجاهات، وستجدون أنفسكم كما أرادكم الإمام علي.

وتذكروا وصاياه للامام علي:
مقولة “الناس صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق”/ دعونا اقله ان نفهم الخلق كما هم.
• “قيمة كل امرئ ما يحسنه”: فليكن علمكم وعملكم النافع هو ميزانكم.
• “لا كنز أنفع من العلم”: الثروة الحقيقية هي التي تسكن العقول لا الجيوب.
• “خالطوا الناس مخالطة إن متم معها بكوا عليكم، وإن عشتم حنوا إليكم”: وهذا هو جوهر الدبلوماسية والواقعية الاجتماعية.

بالختام: انا لا اكتب لاحد كي يصفق لي او حتى ينتقدني، بل اكتب للعالم كي لا يذهب بعيدا في حربه على الشيعة، والمشكلة انه لا يوجد في النظام العالمي شيعة عرب.

المقال يعبر عن رأي الكاتب وليس رأي الموقع، شكرا على المتابعة. 

زر الذهاب إلى الأعلى