صورة تنزلق
السياسية

فيروس هانتـا: الخطر الحقيقي في مرآة الترند

بقلم: لبنى عويضة…

خاص: جريدة الرقيب الالكترونية

حالة من القلق والهلع المتصاعد تسيطر على المشهد العالمي، وتتحول تدريجياً إلى ما يشبه أزمة إدراكية أكثر منها أزمة صحية. عناوين متسارعة تتصدر منصات التواصل الاجتماعي، يشارك في تضخيمها بعض المحللين الذين يفتقر جزء منهم إلى التعمق العلمي، في ظل سباق واضح نحو جذب الانتباه وصناعة الترند. وبين هذا الضجيج الرقمي، تتشكل رواية جماعية توحي بأن العالم على أعتاب جائحة جديدة، تعيد مشاهد العزلة والكمامات والإغلاق. لكن بعيداً عن خوارزميات الذعر، يبقى السؤال الأساسي: ماذا يقول الواقع فعلاً؟

الحقيقة التي غالباً ما تُغفل وسط هذا التضخيم أن فيروس هانتا ليس ظاهرة جديدة أو طارئة. هو فيروس معروف منذ عقود، مرتبط أساساً بمناطق جبلية وبيئات يعيش فيها القوارض البرية، ولا ينتقل عبر الهواء بسهولة كما يُصوَّر، بل يتطلب ظروفاً محددة نسبياً، مثل استنشاق جزيئات ملوثة في أماكن مغلقة أو مهملة. ومع ذلك، يُقدَّم اليوم في بعض الخطابات وكأنه تهديد عالمي وشيك، على طريقة ما حدث سابقاً مع أزمات صحية أخرى تم تضخيمها إعلامياً مثل أنفلونزا الخنازير أو جدري القردة.

في هذا السياق، شكّلت حادثة السفينة السياحية “MV Hondius” في جنوب الأطلسي نموذجاً واضحاً لكيفية تضخّم الخوف. ومع تسجيل إصابة جديدة لمسافرة عائدة من الرحلة، تصاعدت التغطيات الإعلامية مجدداً. إلا أن الأرقام المتوفرة بقيت محدودة للغاية؛ إذ لم يتجاوز عدد الإصابات الإجمالي بضع حالات، مع عدد محدود من الوفيات المؤلمة، فيما بقيت دائرة المخالطين صغيرة وتحت المراقبة الطبية الدقيقة. هذه المعطيات تشير إلى أن الفيروس، رغم خطورته في سياقات معينة، لم يُظهر قدرة على الانتشار الواسع، ولم يتحول إلى نمط وبائي خارج السيطرة.

سريرياً، يبدأ فيروس هانتا غالباً بأعراض قد تبدو في بدايتها شبيهة بالإنفلونزا، مثل الحمى الشديدة وآلام العضلات، خصوصاً في الظهر والكتفين، وقد يترافق ذلك مع غثيان وآلام بطنية. إلا أن الخطورة تكمن في بعض الحالات التي تتطور إلى مرحلة رئوية حادة، حيث يظهر ضيق في التنفس وسعال جاف نتيجة تراكم السوائل في الرئتين. ومع ذلك، يؤكد الأطباء أن التشخيص المبكر والتدخل الطبي السريع يبقيان عاملين حاسمين في تحسين فرص النجاة.

هذا التوضيح العلمي لا يهدف إلى التقليل من أهمية الفيروس أو الدعوة إلى الاستهانة به، بل إلى إعادة توجيه النقاش من منطق الذعر إلى منطق الوقاية. فالتعامل مع أي خطر صحي يبدأ من السلوك اليومي البسيط: النظافة الشخصية، غسل اليدين، تهوية الأماكن المغلقة، ومكافحة القوارض في بيئات التخزين. هذه الإجراءات، رغم بساطتها، تبقى أكثر فاعلية من الاستغراق في موجات القلق الإعلامي.

في المقابل، لا يمكن تجاهل الأثر النفسي المتراكم لما بعد جائحة كوفيد-19، حيث أصبح الوعي الصحي مشوباً بإرهاق جماعي يجعل المجتمعات أكثر قابلية للتأثر بالمعلومات المقلقة. هنا، تلعب منصات التواصل الاجتماعي دوراً مضاعفاً؛ فهي لا تنقل الخبر فقط، بل تعيد تشكيله أحياناً بما يخدم منطق الانتشار السريع والمشاهدة، حتى لو كان ذلك على حساب الدقة.

وقد أكدت جهات صحية دولية أن مستوى الخطر العالمي المرتبط بهذا الفيروس لا يزال منخفضاً، وأن الحالات المسجلة تبقى ضمن نطاق محدود وتحت السيطرة، من دون مؤشرات على تفشٍ واسع.

في المحصلة، المعركة اليوم ليست مع الفيروسات البيولوجية وحدها، بل أيضاً مع الفيروسات الرقمية التي تُعيد إنتاج الخوف وتضخيمه.
هانتا، كغيره من الفيروسات المعروفة، يبقى ضمن نطاق يمكن التعامل معه علمياً وصحياً، لكن التحدي الحقيقي يكمن في القدرة على التمييز بين المعلومة الدقيقة وسرديات الترند.

المسؤولية هنا لا تقع على مصدر واحد، بل على وعي القارئ نفسه في قراءة ما وراء العناوين، حيث لا يكون الخطر دائماً في المرض ذاته، بل أحياناً في الطريقة التي يُروى بها.

زر الذهاب إلى الأعلى