
بقلم: لبنى عويضة…
خاص: جريدة الرقيب الالكترونية
في لبنان، لم تعد نشرات الأخبار تبدأ بالسياسة ولا حتى بالأمن، بل بأسعار النفط والدولار والذهب. أصبح اللبناني يتابع البورصات العالمية وكأنها تتحكم مباشرة بعدد الأرغفة التي يستطيع شراءها، أو بقدرته على تعبئة سيارته، أو حتى بالاستمرار في الحياة داخل بلد يزداد قسوة يومًا بعد يوم.
خلال أشهر قليلة فقط، تحوّل الاهتمام الشعبي من متابعة سعر صرف الليرة إلى مراقبة كل اهتزاز سياسي أو عسكري في العالم، لأن أي توتر خارجي بات قادرًا على إشعال الأسعار في الداخل خلال ساعات. ومع أزمة مضيق هرمز وارتفاع المخاوف من اضطراب إمدادات النفط، وجد اللبناني نفسه مجددًا أمام موجة جديدة من الاختناق الاقتصادي، وكأن الأزمات المحلية لم تعد تكفيه.
لكن الأخطر ربما، هو أن الانهيار لم يعد يُقاس فقط بسعر الدولار أو بارتفاع الأسعار، بل بحجم التغيّر الذي أصاب نمط حياة الناس. فحين تصبح صفيحة البنزين التي تلامس اليوم حدود الثلاثين دولارًا عبئًا يفوق قدرة الموظف، يبدأ المواطن بالتخلي تدريجيًا عن تفاصيل كانت يومًا بديهية. سيارة مركونة لأيام، تنقلات مؤجلة، مشاوير تُختصر، وأقدام باتت تحلّ مكان المركبات. حتى فكرة الخروج من المنزل أصبحت مرتبطة بحسابات دقيقة تشبه حسابات النجاة.
وفي ظل تسارع التضخم السنوي إلى أكثر من 20%، تتآكل القدرة الشرائية بوتيرة مخيفة، بينما الرواتب ما تزال عالقة في زمن اقتصادي انتهى منذ سنوات. الفقير يزداد فقرًا، والطبقة الوسطى التي شكّلت يومًا عماد المجتمع اللبناني باتت تتفكك بصمت، فيما يتحوّل الحد الأدنى من مقومات العيش إلى رفاهية بعيدة المنال.
الأزمة اليوم لم تعد مالية فقط، بل نفسية واجتماعية أيضًا. اللبناني الذي عاش سنوات من الانهيار والحروب والانتظار، دخل مرحلة جديدة من الإرهاق الجماعي. الناس لم تعد تخاف فقط من الغلاء، بل من المستقبل نفسه. من احتمال خسارة الوظيفة، أو توقف الراتب، أو انهيار مؤسسة جديدة، أو موسم صيف خائب كان يُعوّل عليه لضخ بعض الحياة في الاقتصاد المنهك.
وفي الكواليس، تبدو الصورة أكثر قتامة. مؤسسات القطاع الخاص، وخصوصًا السياحية والخدماتية، تعيش حالة ترقّب حذرة وسط تراجع الحجوزات وتباطؤ الحركة الاقتصادية. كثير من أصحاب المؤسسات بدأوا يلمّحون إلى تقليص العمالة أو خفض الرواتب أو تعليق الدفع مؤقتًا، لأن القدرة على الصمود أصبحت محدودة في ظل هذا الكم من الضغوط السياسية والأمنية والاقتصادية.
أما الدولة، فتبدو عاجزة عن تقديم أي شبكة أمان حقيقية. تراجع التحويلات الخارجية، ضعف السيولة، استمرار الأزمات الأمنية، وأعباء النزوح المتراكمة، كلها عوامل تضغط بقوة على المالية العامة وعلى ما تبقى من قدرة المؤسسات الرسمية على الاستمرار.
واليوم، لم يعد اللبناني يدفع ثمن السلعة فقط، بل يدفع ثمن سنوات طويلة من الإنكار السياسي، وسوء الإدارة، والانهيار الذي تُرك يتفاقم بلا حلول حقيقية. يدفع ثمن الحروب التي لم تنتهِ، والأزمات التي تتناسخ فوق بعضها البعض، والوقت الضائع من عمر بلد كان يفترض أن ينهض، فإذا به يغرق أكثر.
في لبنان، لم يعد السؤال كيف سيعيش الناس غدًا، بل إلى أي حدّ يمكنهم الاحتمال بعد؟!