صورة تنزلق
السياسية

سركيس نعوم لم يتغير لكن محمد عفيف هو الذي استشهد

بقلم ناجي علي امهز

بين يدي الكلمة، وفي محراب الفكر، يقف الكاتب متهيباً، لا عجزاً في البيان، بل إجلالاً لمقاماتٍ صاغت من الحبر تاريخاً، ومن الموقف وطناً. والحديث عن قامة بحجم الأستاذ سركيس نعوم ليس سهلا ان لم يكن متكاملا فصاحة وبلاغة، بل هو محاولة لاستنطاق الوعي في زمن الالتباس. وإنني، في استهلال هذا البوح، لا أدعي نصابة الدفاع عنه، فمن كان المعجمُ بيته، والفكرُ قلعته، لا يحتاج إلى من يسور كلماتِه، لكنها تحيةُ المودة، واعتذارُ المقصر حين تغيبُ الفاصلة عن موضعها، أو تخون المفردةُ عمقَ المقصد، ففي حضرة الأصيل يبطل التيممُ بالهوامش.لقد ضجت الأروقة مؤخراً بأصواتٍ شيعية رأت في إطلالة سركيس نعوم انقلاباً على الذات، أو تبدلاً في المواقف، والواقع أن هؤلاء قرأوا السطح وأغفلوا الجوهر؛ فالرجل لم يتغير، ولم يخلع عباءته الفكرية التي ارتداها منذ أن خط أول حرفٍ له في صدر الورق الأبيض حين كان لبنان يغرق في سواده. سركيس نعوم هو “هو”، رجلٌ يسكن في منزلةٍ بين منزلتين: لا يداهنُ ليُرضي، ولا يخاصمُ ليفجر، بل يحاورُ بعقلٍ يقدسُ سيادته، ويقنعُك أو يقتنعُ بك في فضاءٍ من الاحترام الذي يعرف تماماً حجم تأثيره ومداه. لم يكن يوماً كاتباً عادياً يسدُّ ثقوب الفراغ في أعمدة الصحف، بل كان، ولا يزال، واحةً للنخبة، تقرأه العقول الوازنة قبل العيون العابرة، حيث تتحول كلماته إلى شيفرات سياسية تتجاوز العامة لتستقر في مراكز القرار، كعلامة فارقة في تاريخ الصحافة العربية.إن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في تبدل مواقف النخبة، بل في تآكل أدوات التواصل معها. فالأستاذ لم يتغير، لكن “حزب الله” هو الذي افتقد بوصلة الجذب النخبوي، لا لعجزٍ في الميدان، بل لفقدان “مهندس الأرواح” الذي كان يعرف كيف يطوع الكلمة لتصبح جسراً لا جداراً. وهنا يبرز اسم الشهيد الحاج محمد عفيف، ذلك الرجل الذي كان نقطة الارتكاز الأخلاقية والفكرية “الفرجار” الذي وسع دائرته دون ان يبتعد عن نقطة انتمائه. لقد كان الحاج محمد عفيف مدرسةً في “أدب الانحياز”، يمتلك لغةً قادرة على القيام بمسح ضوئي للعقول في دقائق، يدخل إليك بدماثته، ويقيدك بجميل خلقه حتى تصبح “سجين” احترامه. لم يكن مجرد مسؤول إعلامي وعلاقات عامة، بل كان درعاً فكرياً يحمي الحزب من العزلة، ويحيل الخصوم إلى أصدقاء، والمترددين إلى حلفاء.اليوم، وفي غياب ذلك الميزان الذهبي، نجد أنفسنا أمام فراغٍ مرعب، حيث تتقزم الأدوات بينما تتعملق الأزمات من حول الطائفة. ورغم البأس الشديد في الميدان العسكري، إلا أن الدبلوماسية الثقافية والإعلامية انحدرت نحو حضيض التلقي، غافلةً عن أن التعامل مع النخب يحتاج إلى طقوسٍ تشبه القداسة. فالنخبوي الذي يقرأ “الممحي”، ويشرح “المشرح”، لا يمكن مخاطبته بلغة الهواة أو التذاكي عليه، بل يجب السموُّ إليه لضمان بقائه في مدار الحقيقة.الخطورة التي لا يدركها “العوام” هي أن النخبوي هو وحده القادر على قلب المعادلات؛ هو من يرفع الأعمدة، وهو من يسقط الإمبراطوريات بكلمة واحدة قد تتحول إلى “ثقب أسود” يلتهم كل ما حوله. لقد أقسم الله بـ “النون والقلم وما يسطرون”، وجعل “الكلمة” هي البدء في الأديان السماوية، وأول الوحي “اقرأ”، دلالةً على أن الوجود معرفة، والمعرفة كلمة.إن المشكلة ليست في سركيس نعوم، بل في المتغير الذي طرأ على إدارة “العقل الجمعي” وتراكم الأخطاء في مفاصل حساسة. وهنا أتحدث بلسان التجربة المرة؛ فلو كتبتُ ألف مقال في تمجيد المقاومة، ثم زلّت بي كلمة لم تعجب ضيقي الأفق، لنسفوا تاريخي كله بغباء معرفي منقطع النظير. إنهم لا يفكرون بالمصلحة الكبرى، بل بمصالحهم الشخصية الضيقة، مستعدين لخسارة صوتٍ وازن بسبب سوء تقدير، ثم يرمون باللوم على الآخر بدعوى أنه “كشف عن حقيقته”، بينما الحقيقة هي أنهم من دفعوه إلى الكفر بأساليبهم.أنا، الذي أُعرف بكوني وريثاً فكرياً لمدرسة الإمام موسى الصدر في بيئتي، أتساءل: هل فكر القائمون على الأمر بتبعات التفريط في هذه الجسور؟ لولا بقيةٌ من كبارٍ يربطني بهم عهدُ الأخلاق، لكان للرحيل ألف سبب وسبب، فلا أحد يطيق ضغط التهميش فقط لأنه اختار الانتماء بوعيه لا بتبعيته. هل يدرك “هواة” الإعلام والسياسة ما الذي سيحدث في الرأي العام المسيحي الذي يطالبني بالانكفاء، بينما يرى أن “التافهين” يُرفعون مكاناً علياً، وأصحاب الفكر يُتركون لغدر الزمان؟إن الأزمة ليست في سركيس نعوم، بل في غياب “الشهيد محمد عفيف” الذي كان يعرف كيف يحفظ للنخبة قدرها، وكيف يدير صراع الكلمات بمشرط الجراح لا بمعول الهدم. المشكلة تكمن فيمن يتعامل مع هؤلاء العظماء بعقلية الموظف، لا بوعي المثقف الذي يدرك أن الكلمة هي الرصاصة التي لا تخطئ هدفها أبداً.

زر الذهاب إلى الأعلى