صورة تنزلق
اخبار ومتفرقات

منعطف عسكري وسياسي يصيغ معادلات الردع ويحمي السيادة اللبنانية

كتب أكرم بزي

تتسارع التطورات العسكرية والسياسية على الساحة اللبنانية لتفرض واقعا ميدانيا جديدا تتشابك فيه لغة النار مع الحراك الدبلوماسي المكثف، مما أسس لمعادلة حسم واضحة المعالم كبحت جماح الاعتداءات، وفرضت حماية حاسمة للعاصمة وبيروت والضاحية الجنوبية، وجاء هذا التحول الاستراتيجي نتاجا لخطوط حمراء إقليمية وتنسيق سياسي عالي المستوى، واكبته ضربات ميدانية نوعية في عمق الجبهة الجنوبية، مما دفع الحسابات الإسرائيلية والمساعي الدولية إلى البحث القسري عن مخارج سياسية للمأزق الراهن، والاعتراف بتوازن الردع الذي فرضته المقاومة في الميدان.
انكشفت الحسابات الميدانية والسياسية في المواجهة الدائرة على الجبهة اللبنانية عن توازنات دقيقة فرضتها لغة النار، والتحولات الدبلوماسية المتسارعة، والتي تكللت بفرض معادلة واضحة المعالم لحماية العاصمة اللبنانية، صاغتها خطوط حمراء إقليمية، وتراجعات قسرية في حسابات تل أبيب، حيث نجحت إيران، عبر قنوات التفاوض غير المباشرة والرسائل الميدانية الحاسمة، في فرض شروطها لوقف الاعتداءات الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت، وكبح جماح آلة القتل، وذلك عبر ربط أي تهدئة بوقف كامل للعدوان والعمليات الغادرة، وإنهاء الحرب على جميع الجبهات، مما شكل تراجعا واضحا للجانب الإسرائيلي الذي عجز عن كسر إرادتها، أو الاستمرار في استهداف المعاقل الأساسية دون دفع أثمان استراتيجية باهظة تطال عمقه ومستوطناته، لتتكامل هذه المعادلة مع حراك إقليمي ودولي يبحث عن مخارج للمأزق العسكري المفروض على المنطقة.
في هذا السياق المتشابك، جاء الاتصال الهاتفي بين رئيس مجلس الشورى الإسلامي الإيراني محمد باقر قاليباف، ورئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، ليعكس عمق التنسيق والصلابة في الموقف السياسي، حيث أكد قاليباف على الموقف الثابت والواضح للجمهورية الإسلامية بضرورة التصدي الحاسم للكيان الصهيوني، محذرا من أنه إذا استمرت الجرائم والاعتداءات الإسرائيلية سيتم وقف الحوار، والوقوف بكل قوة في وجه هذه الغطرسة، مع التشديد على أن أي حل يجب أن يضمن أولا وقف النار في لبنان وحماية سيادته الكاملة، وقد عبر الرئيس بري من جانبه عن تقديره العالي لهذه الجهود والمواقف الإيجابية للجمهورية الاسلامية الداعمة للبنان في هذه المرحلة التاريخية الحساسة، مستندا إلى ثبات الميدان في الجنوب.
وفي موازاة هذا الحراك الإقليمي، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن دخوله المباشر على خط الأزمة السياسية، مكثفا الضغوط لإيجاد مخرج تفاوضي، حيث كشف عن إجرائه مكالمة جيدة جدا مع المقاومة عبر وسطاء وممثلين رفيعي المستوى، مشيرا إلى أن المقاومة وافقت على المقترح المتمثل بوقف متبادل لكافة عمليات إطلاق النار، وأعرب ترامب عن أمله في أن تتوقف إسرائيل والمقاومة عن القتال إلى الأبد، لافتا في الوقت نفسه إلى أنه أبلغ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بلهجة حادة بضرورة وقف التصعيد والالتزام الفوري بالاتفاق المتبادل، جازما بأنه لن تتجه أي قوات إسرائيلية إلى بيروت، وأن القوات التي كانت في طريقها قد عادت أدراجها بالفعل تحت وطأة التبدل في الموقف الأمريكي والمأزق الميداني.
على المقلب الآخر، تعيش البيئة السياسية والإعلامية الإسرائيلية حالة من الإحباط والاعتراف بالفشل في مواصلة الحرب بالزخم نفسه، وهو ما عكسه الإعلام العبري الصادر اليوم الثلاثاء، ٢ حزيران ٢٠٢٦، حيث أظهرت المعطيات مأزقا عسكريا وتآكلا في قدرة الردع، وأكد تقرير تحليلي لصحيفة هآرتس أن المحاولات المستمرة لتثبيت التوغل في مناطق القطاع الأوسط، وتحديدا المحاور القريبة من بلدة خربة سلم والقرى المحيطة بها، لم تؤد سوى إلى استنزاف إضافي للقوات، مشيرة إلى أن غياب استراتيجية سياسية واضحة يجعل من استمرار الحرب مجرد مراوحة في تعميق النزيف الميداني دون أفق ملموس لجيش الاحتلال.
وقد دعمت صحيفة يديعوت أحرونوت هذا التقييم بنشر بيان إحصائي نقلا عن إذاعة الجيش الإسرائيلي، يتضمن حصيلة رسمية محدثة للمواجهات الأخيرة في الجنوب، أقرت فيها الإذاعة بمقتل ١٤ ضابطا وجنديا، وإصابة ٢٠٣ آخرين بجروح متفاوتة، بينهم عشرات في حالة حرجة جراء استهداف التجمعات العسكرية الإسرائيلية بالمسيرات الانقضاضية والصواريخ الموجهة، وهو ما اعتبرته الصحيفة دليلا على فشل الإجراءات الأمنية في حماية القوات المتوغلة، واستحالة فرض شروط عسكرية أحادية في ظل الصمود الميداني اللبناني.
وفي سياق متصل، حذر المحلل العسكري لصحيفة معاريف، آلون بن دافيد، في مقاله الافتتاحي الذي حمل عنوان فخ الشريط الحرج، من أن التاريخ يعيد نفسه في جنوب لبنان بشكل يدعو إلى القلق العميق، إذ تتحول الفكرة الواهية حول إنشاء حزام أمني جديد يحمي بلدات الشمال إلى مصيدة موت حقيقية لجنودنا، وميدان نزيف مستمر لا يتوقف، معتبرا أن الجيش الذي يقاتل بلا انقطاع منذ أشهر طويلة يبدو اليوم منهكا ومستنزفا، والحديث عن استمرار الحرب لم يعد يعكس سوى انفصال تام عن الواقع الميداني، مؤكدا أن السلاح الجديد المتمثل في الطائرات المسيرة الانقضاضية والصواريخ الموجهة في قرى الحافة الأمامية، مثل محيط خربة سلم والبلدات المجاورة، أصبح سلاحا دقيقا يحول كل تحرك عسكري إلى هدف مرصود، مما يفرض على القيادة الاعتراف بحدود القوة والعودة الفورية إلى المسار الدبلوماسي، في حين أشار المحلل الاستراتيجي في الصحيفة ذاتها، طال ليف رام، إلى أن غياب خطة واضحة لما بعد التوغل البري يعمق المأزق الأمني للوحدات المنتشرة على الخطوط الأمامية ويسرع في تآكل الكفاءة القتالية والانضباط العسكري لجيش الاحتلال.
أمام هذا الواقع الميداني المتراجع للاحتلال، صاغت قيادة المقاومة في لبنان شروطها السياسية بكل ثقة، حيث جاء الموقف الرسمي لكتلة الوفاء للمقاومة حاسما على لسان النائب حسن فضل الله، الذي أكد في مواقفه الأخيرة أن التوجه الثابت والواضح يتمثل في المطالبة بوقف إطلاق نار شامل وكامل كشرط ومقدمة أساسية لانسحاب قوات العدو الإسرائيلي من كافة الأراضي التي تغلغل فيها، مشددا بعبارات قاطعة على أنه لا عودة على الإطلاق إلى معادلات ما قبل ٢ آذار، داعيا الجميع إلى التريث بانتظار ما ستسفر عنه الساعات القادمة من تطورات سياسية وميدانية تؤسس لانتصار خيارات المقاومة والدولة، وتثبت المعادلات الجديدة التي فرضتها دماء الشهداء وصمود الميدان.

زر الذهاب إلى الأعلى