صورة تنزلق
اخبار ومتفرقات

سلطة الانصياع تضع الجنوب في مهب الريح

 

كتب أكرم بزي

تتقاطع القراءات التحليلية في كبرى الصحف العبرية الصادرة مؤخرا عند رصد ما يوصف بالمازق الاستراتيجي للاحتلال في جنوب لبنان، مبرزة العجز الواضح عن تحويل الانجاز العسكري الموضعي الى مكاسب سياسية مستدامة، حيث حذرت افتتاحية صحيفة هارتس الصادرة في 29 أيار/مايو 2026، والتي صاغتها هيئة التحرير تحت عنوان حرب عبثية ولا معنى لها: يجب الخروج من المستنقع اللبناني، من التورط في حرب استنزاف لا تنتهي، مشددة على ان اطالة امد القتال دون اهداف سياسية واضحة يخدم مصالح سياسية ضيقة ولا يحقق امن الشمال، وهو ما ايده المحلل العسكري للصحيفة عاموس هرئيل في تحليله الصادر في 4 نيسان/أبريل 2026 بعنوان الجيش يقر بعجزه عن نزع سلاح حزب الله دون احتلال كامل، بكشفه عن قناعة تتشكل داخل المؤسسة الامنية تدرك ان التدمير الموضعي لن ينهي التهديد، وان الحسم الفعلي يتطلب احتلالا كاملا بعيد المدى، وهو خيار ينطوي على كلفة بشرية باهظة واعداد متزايدة من القتلى في صفوف جنود الاحتلال، تفوق قدرة الجبهة الداخلية على التحمل، وفي السياق ذاته، استعرض المحلل افي يسخاروف عبر صحيفة يديعوت احرونوت في 2 جزيران/يونيو 2026، ضمن مقال حمل عنوان معادلة الاستنزاف: الفجوة بين التفوق العسكري والحسم السياسي، الفجوة الواسعة بين التفوق التكنولوجي والاستخباراتي وبين الواقع الميداني الذي يفرض مواجهة مع عدو مرن يمتلك تكتيكات دفاعية قاسية تعتمد على الكمائن والمسيرات، ما يحول المواقع الثابتة للقوات الاسرائيلية الى اهداف استنزاف يومية تكبدها خسائر فادحة في الارواح وتزيد من فاتورة القتلى الصهاينة، ويجعل خيارات تل ابيب تراوح بين كلفة البقاء الميداني وبين الانكفاء دون اتفاق.
وفي تعليق يعكس عمق الازمة المفاهيمية والعملياتية للاحتلال، اكد المحلل عوفر شيلح عبر القناة الثانية عشرة العبرية ان التطورات الاخيرة في ساحة لبنان منذ بداية آذار/مارس فاجات فقط من لا يزال يصدق التبجحات السياسية لرئيس الوزراء ووزرائه، او من انخدع بمهرجان الوصول الرمزي لقلعة شقيف التي احتلها بعض اصدقائه قبل 44 عاما بدماء غالية، معتبرا ان استدعاء تلك المعركة لوحدة سيرت غولاني ليس الا محاولة يائسة لخلق صورة نصر واهمة، ومشيرا الى ان تكتيكات حزب الله اظهرت قدرة عالية على الاستمرار وحرب العصابات، لاسيما عبر الطائرات المسيرة المتفجرة، مما جعل احتلال الاراضي بلا معنى في حماية الجليل، بل غرقا حتميا في وحل يفرض ثمنا يوميا من الاصابات وتآكل القوات وارتفاعا مستمرا في عدد القتلى الصهاينة، ليثبت التاريخ مجددا ان هذا الوجود الدائم سيعيد بناء مقاومة عنيفة تستمد شرعيتها من مواجهة المحتل وتستنزفه بلا هوادة كما حدث قبل 18 عاما.
وينعكس هذا الوحل الميداني والاضطراب الاستراتيجي بشكل مباشر على عناوين وتحليلات الصحف العبرية الصادرة اليوم الخميس، 4 حزيران/يونيو 2026، حيث هيمن على الصحافة العبرية إعلان مفاجئ وصادر في منتصف الليل عن تفاهمات لوقف إطلاق النار برعاية أمريكية مباشرة، وتبرز العناوين العبرية اليوم هذا الحدث كمخرج اضطراري لإنهاء الاستنزاف، إذ تشير صحيفة معاريف والتقارير الإخبارية الصادرة صباح اليوم إلى أن التوصل للهدنة المشروطة بتراجع المظاهر المسلحة إلى شمال الليطاني، جاء كاعتراف عملي بحدود القوة العسكرية العاجزة عن حسم الميدان، في حين رصد المحلل السياسي يوني بن مناحم عبر موقعه التحليلي الشخصي اليوم تحذيرات الأوساط الأمنية في تل أبيب من تحول ساحة لبنان إلى ورقة مساومة استراتيجية بيد إيران لربطها بملفات أخرى كالملف النووي، مما يثير شكوكا عميقة لدى قادة الجيش حول إمكانية تطبيق الاتفاق على الأرض، بينما شن الوزير إيتامار بن غفير هجوما لاذعا عبر صحيفة معاريف اليوم، واصفا وقف إطلاق النار الحالي بأنه خطأ فادح وأضغاث أحلام للوجستيين يجرون رئيس الوزراء إلى قرارات خاطئة ستسمح للطرف الآخر بالتعاظم مجددا، وهي انتقادات تؤكد في جوهرها العجز عن تحقيق الردع الكامل والانكفاء تحت وطأة ضربات المسيرات التي جعلت الجبهة الداخلية مستنزفة تماما، كما وصفتها القراءات الميدانية في صحيفة يديعوت أحرونوت اليوم عبر رصد واقع المستوطنات الحدودية مثل شلومي التي عاشت تحت رحمة الطائرات المسيرة الانقضاضية العصية على التشويش.
وفي موازاة هذا التخبط العبري، يبرز انكشاف الموقف الرسمي للسلطة اللبنانية التي تبدو مواقفها متماهية الى حد بعيد مع طروحات بنيامين نتنياهو، ومبنية على حسابات سياسية ضيقة تعكس فشلا ذريعا في الارتقاء الى مستوى التحديات المصيرية، حيث عجزت هذه السلطة تماما عن القيام بواجبها الدستوري والاخلاقي في حماية الجنوبيين او تعزيز صمودهم امام الة القتل الاسرائيةلية، وفضلت الانكفاء خلف خطابات خشبية وسياسات تميل بمكيالين، اذ تتبنى في العلن لغة السيادة والحرص على الارض، بينما تعكس ممارساتها وتصريحاتها نبرة تبريرية تلتقي موضوعيا مع الضغوط والشروط والاملاءات التي يحاول الاحتلال فرضها لتامين جبهته الشمالية على حساب السيادة اللبنانية، مما يكرس حالة القطيعة بين المنظومة الرسمية وبين بيئة المقاومة الصامدة في الميدان.
يكشف البيان الثلاثي الصادر ليل أمس في واشنطن، بعد اجتماعات يومي 2 و3 حزيران/يونيو 2026، عن تحول دراماتيكي يعكس تفريطا كاملا بالثوابت الوطنية، ويرتقي إلى مستوى الاستسلام الكامل للإملاءات الإسرائيلية والأمريكية، فالبيان المشترك لا يمثل مجرد تهدئة عسكرية، بل صياغة سياسية وأمنية خطيرة تسلخ الجنوب اللبناني عن سيادته وتضعه تحت رحمة شروط الاحتلال، ويتبدى هذا الانزلاق الخطير للسلطة اللبنانية في القبول الفوري بوقف إطلاق نار مشروط بالتوقف الكامل لنيران المقاومة وإخلاء كافة عناصرها وبنيتها من منطقة جنوب الليطاني، مما يعني عمليا إخلاء الساحة وتجريد الأرض من خطوط دفاعها الأساسية لقمة سائغة للاحتلال، وتحويل الجيش اللبناني، عبر بدعة المناطق التجريبية وبإشراف أمريكي مباشر، إلى أداة لتنفيذ رغبات تل أبيب في مطاردة وتفكيك عناصر القوة الشعبية تحت مسمى استبعاد الجهات غير التابعة للدولة، وهو تفويض يعري دور السلطة اللبنانية ويظهرها كشريك عملي في محاصرة بيئتها المقاومة.
إن الخطورة الوجودية لهذا البيان تكمن في تجاوزه للحقوق البديهية في الدفاع والسيادة، والاندفاع نحو مسار يمهد لاتفاق سلام وأمن شامل مبني على شروط المنتصر العسكري، وتوقيع صك إدانة مشترك للسياسات الإقليمية الداعمة للصمود، فضلا عن القبول الضمني برؤية وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الموجهة ضد النسيج الوطني اللبناني، مما يثبت أن المنظومة الرسمية اختارت التفريط بجنوب الليطاني كمنطقة عازلة تؤمن الجليل الإسرائيلي، وتتعهد بتفكيك المقاومة ومنع إعادة ظهورها في سائر أنحاء لبنان، وهو انصياع كامل يهدد بجعل البلد بأكمله مكشوفا ومستباحا أمام أي عدوان مستقبلي، ويسقط ورقة القوة الوحيدة التي حمت لبنان على مدى عقود.
وتأسيسا على ما تقدم، تشير الخاتمة التحليلية لهذا المسار إلى أن تفريط السلطة الرسمية بالسيادة الميدانية وقبولها بتجريد الجنوب من مقومات صموده بذريعة الاتفاقات الدولية والرعاية الأمريكية، لن يجلب الاستقرار أو السلام المزعوم، بل سيقود حتما إلى إدخال لبنان في طور جديد من الانكشاف الأمني الكامل، حيث يثبت مسار التفاوض المباشر والالتزامات المذلة الممتدة حتى لقاءات 22 حزيران/يونيو 2026، أن الرهان على الضمانات الخارجية وتفكيك مكامن القوة الذاتية يمثل خطيئة استراتيجية مميتة، فهذه التنازلات الجوهرية ستفضي بالضرورة إلى جعل الساحة اللبنانية فريسة سهلة للاحتلال الإسرائيلي، وتكريس قطيعة نهائية وخطيرة بين السلطة المتماهية مع الإملاءات وبين البيئة الشعبية الصامدة في الميدان، مما يشرع الأبواب أمام معادلات صراع جديدة يستعيد فيها منطق الأرض والمقاومة زمام المبادرة بعيدا عن الحسابات الضيقة للمنظومة الرسمية.

زر الذهاب إلى الأعلى