صورة تنزلق
السياسية

الشهيد رشيد كرامي… رجل الوطن في زمن البحث عن دولة

بقلم: ناجي علي أمهز

من الصعب، بل لعلّه من المحال، أن نكتب عن رشيد كرامي بعد كل هذه السنوات؛ فالرجل لم يعد مجرد حقبة في تاريخ الوطن، بل غدا وطناً يُستقى منه التاريخ لنتحدث عن زمن الدولة. لم يكن مجرد رئيس حكومة تعاقب على السلطة في جمهورية أرهقتها الانقسامات، بل تحوّل “الأفندي” إلى رمزٍ لمرحلة كان اللبنانيون فيها يؤمنون بأن الوطن أكبر من الطوائف، وبأن السياسة رسالة نبيلة مقدسة، لا مجرد تجارة رخيصة وتهافت على المناصب. في غيابه، لم نخسر سياسياً فحسب، بل خسرنا بوصلة كانت تشير دائماً نحو “الدولة” كخيار وحيد للنجاة.

تلبيةً لدعوة معالي الوزير فيصل كرامي، حضرتُ هذه الذكرى التي لم تغب يوماً عن ضمير الوطن ووجوده؛ فهي حاضرةٌ دوماً حيث يتسابق الجميع للكتابة عن “الرشيد”، وكأنهم يعزفون النشيد الوطني في رسالة وطنية تتزامن مع ذكرى الاستقلال.

كان مقعدي خلف الوزير فيصل كرامي مباشرة، الذي تقدم نحوي وعانقني بشوق شاكراً حضوري، ليثبت بفعله أن إرث هذه العائلة العريقة هو وليد التعايش الوطني بمختلف مذاهبه ومشاربه. إن قمة الحكم والحكمة هي ذلك الاحترام الذي يأسر الناس بالأخلاق العالية، وفي التواضع الذي يشبّه “سنبلة قمح” انحنت من شدة ما امتلأت بالخيرات. هذه الأخلاقيات الرفيعة التي تتحلى بها عائلة كرامي هي عادات نبيلة تجري في عروقهم كدماء الملوك والقادة عبر التاريخ، وهي متوارثة في بيتٍ عرف أن الزعامة هي خدمة الناس، وأن السلطة لا قيمة لها إن لم تقم على الاحترام الأصيل للنفس البشرية.

في خطابه، وضع الوزير فيصل كرامي النقاط على الحروف، مجدداً ثوابت العداء للكيان الصهيوني؛ وكيف لا، وهذا البيت هو أحد واضعي “ناموس” المقاومة والعداء للاحتلال منذ اغتصاب فلسطين. كما أكد انحيازه للعروبة وخياراتها، وهو تاريخ آل كرامي الأصيل، وشدد على تمسكه بالدولة، وكيف لا يكون كذلك وهو سليل البيت الذي شكل حجر الزاوية في بنيان الدولة والوطن.

لقد حضر لبنان بمختلف أطيافه ليشارك في ذكرى الرشيد، كما حضرت طرابلس التي تنظر بفخر واعتزاز وطني إلى ابنها البار، وكأنه ما زال حياً بيننا، سيظهر بعد دقائق ليتحدث إلى الناس.. عظيمٌ هو “الرشيد” الذي لا يموت.

في لبنان، يكثر السياسيون ويقلّ رجال الدولة. وبين ضجيج الأسماء، يبقى رشيد كرامي مدرسة سياسية قامت على فلسفة عميقة: أن الدولة ليست أبنية من حجر أو دساتير ورقية، بل هي “عقد أخلاقي” بين المواطن ووطنه. لم يكن كرامي خطيباً شعبوياً يستدرُّ عواطف الجماهير بالغرائز الطائفية، بل كان من ذلك الجيل الذي تربى على فكرة أن قيمة المسؤول تُقاس بما يتركه من ثقة، لا بما يحققه من نفوذ. كان يدرك أن “هيبة الدولة” تبدأ من نزاهة رجالها، وأن المؤسسات هي الضمانة الوحيدة التي تحمي الصغير من جور الكبير.

لم ينظر الشهيد رشيد كرامي إلى اللبنانيين كجماعات متناحرة، بل رآهم كبشر تجمعهم مخاوف وآمال واحدة، مؤمناً بأن لبنان لا ينفصل عن محيطه العربي. كانت فلسفته في التعايش تنبع من إيمان حقيقي بأن التنوع في لبنان ليس لعنة، بل هو ثروة إنسانية نادرة. كان يرى المواطن قبل أن يرى الطائفة، ويرى الإنسان قبل الموقع السياسي.

لقد آمن رشيد كرامي بأن الوطن الذي يقوم على “غلبة” فريق لا يعيش طويلاً، أما الوطن الذي يقوم على “الشراكة” فيمتلك حصانة البقاء. ومن هنا، لم يحاول يوماً أن ينتصر لطائفة على أخرى أو لمدينة على حساب أخرى، بل حاول أن ينتصر للبنان على انقساماته، مؤكداً أن قوة أي طائفة لا تكمن في ضعف شريكتها، بل في قوة الدولة التي تحضن الجميع.

ربما كانت مأساة الشهيد رشيد كرامي، وهي مأساة لبنان أيضاً، أنه كان يتحدث بلغة الدولة في زمنٍ لا يؤمن إلا بالقوة. ففي سنوات الحرب، حين ارتفعت البنادق فوق الدستور، بقي كرامي متمسكاً بالحلم. كان يرى ما لا يراه الآخرون؛ يدرك أن الحروب تنتهي، وأن الميليشيات مهما تضخمت تبقى عابرة، لكن “الدولة” وحدها هي الحقيقة الباقية.

لقد اختار معركة العقل في زمن الجنون، ومعركة الوحدة في زمن الانقسام. كان واقعياً يدرك هشاشة لبنان وسحره في آن واحد، ولذلك ظل يسبح ضد تيار الكراهية، مؤسساً لـ “تيار الكرامة”، ومحاولاً فتح النوافذ في الوقت الذي كان فيه الآخرون يبنون الجدران.

عندما اغتيل رشيد كرامي، كان الاغتيال محاولة لؤد فكرة أن السياسة يمكن أن تكون جسراً لا خندقاً. لكنهم سلبوا جسده ولم يسقطوا نهجه. لقد فقد لبنان صوتاً كان يذكّرنا دوماً بأن الوطن لا يستقيم إذا تحولت الطوائف إلى أوطان بديلة، وإذا تحولت الزعامات إلى بدائل عن المؤسسات.

اليوم، وبعد عقود على رحيله، تبدو سيرة رشيد كرامي أكثر ضرورة من أي وقت مضى. السؤال الذي حمله طوال حياته لا يزال قائماً: كيف نحمي لبنان؟

والجواب الذي تركه لنا خلف غيابه هو: لا نحمي لبنان بمزيد من الأحقاد، بل نحميه عندما نعيد الاعتبار للدولة، ونستعيد معنى الشراكة الوطنية الصادقة.

يبقى رشيد كرامي شاهداً على زمنٍ كان فيه رجال الدولة يصنعون التاريخ بمسؤوليتهم وصمتهم الوقور، لا بضجيج مواقفهم. وسيبقى اسمه تذكيراً هادئاً بأن الأوطان لا تُبنى إلا بالعمل، وأن التاريخ يحتفظ دائماً بمكان خاص لأولئك الذين خدموا أوطانهم أكثر مما خدموا أنفسهم.
رشيد كرامي… الرجل الذي سبق زمنه، فبقي حياً في ضمير وطنٍ لا يزال يبحث عن دولة.

زر الذهاب إلى الأعلى